ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

تفسير المفردات : شهادة الشيء : حضوره ومشاهدته، والشهادة به : الإخبار به عن علم ومعرفة واعتقاد مبني على المشاهدة بالبصر أو بالعقل الوجدان، والإنذار : التخويف، واكتفى به عن ذكر البشارة لمناسبته للمقام أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه القرآن ووصل إليه من الأسود والأحمر، أو لأنذركم به أيها الموجودون ومن سيوجد إلى يوم القيامة، مما تشركون أي من الأصنام.
المعنى الجملي : ذكر سبحانه في الآية السابقة أصول الدين الثلاثة : التوحيد والبعث والجزاء ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر شبهات الكافرين على الرسالة وبين ما يدحضها، ثم أرشد إلى سننه تعالى في أقوام الرسل المكذبين، وأن عاقبتهم الهلاك والاستئصال والخزي والنكال، تسلية لرسوله صلى الله عليه سلم وتثبيتا لقلبه وإعانة له على المضي في تبليغ رسالته.
ثم ذكر هنا هذه الأصول الثلاثة بأسلوب آخر : أسلوب السؤال والجواب، بهرهم فيه بالحجة، ودلهم على واضح المحجة، تفننا في الحجاج في المواضع الهامة، فإن الأدلة إذا تضافرت على مطلوب واحد لها في النفس قبول أيما قبول، وكذلك أساليب الحجاج إذا تنوعت دفعت عن السامع السأم وجعلته ينشط لسماع ما يلقى إليه، فهو إذا لم يعقل الدليل الأول عمي عليه أسلوبه رأى في الدليل الثاني ما ينير طريق المطلوب أو رأى في الأسلوب الثاني ما يكفيه مؤونة البحث في الدليل الأول فهو في غنى بما يكون أمامه عن أن يبحث عن فائت أو يلجأ إلى غائب، ومن ثم نرى الخطباء المفلقين والعلماء المبرزين ينوعون أساليب حجاجهم ويكثرون البرهانات على المطلوب الواحد، ليكون ذلك ادعى إلى الإقناع وأقرب إلى الاقتناع.
وقد ختم سبحانه هذه الأوامر القولية المبنية لحقيقة الدين وأدلته بشهادة الله لرسوله وشهادة رسوله له فقال : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ .
الإيضاح : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأل كفار قريش : أي شيء شهادته أكبر شهادة وأعظمها، وأجدر أن تكون أصحها وأصدقها ؟ ثم أمره بأن يجيب عن هذا السؤال بأن أكبر الأشياء شهادة هو من لا يجوز أن يقع في شهادته كذب ولا زور ولا خطأ وذلك هو الله تعالى، وهو الشهيد بيني وبينكم وقد أوحي إليّ هذا القرآن من لدنه لأنذركم به عقابه على تكذيبي فيما جئت به مؤيدا بشهادته سبحانه، وأنذر من بلغه هذا القرآن، إذ كل من بلغه فهو مدعو إلى إتباعه حتى تقوم القيامة.
وشهادة الله بين الرسول وقومه ضربان : شهادته برسالة الرسول، وشهادته بصدق ما جاء به، والأول أنواع ثلاثة :
( ١ ) إخباره بها في كتابه بنحو قوله : محمد رسول الله [ الفتح : ٢٩ ] وقوله : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا [ فاطر : ٢٤ ].
( ٢ ) تأييده بالآيات الكثيرة التي من أعظمها القرآن، فهو المعجزة الدائمة بما ثبت من عجز البشر عن الإتيان بسورة من مثله، وبما اشتمل عليه من أخبار الغيب ووعد الرسول والمؤمنين بنصر الله وإظهارهم على أعدائهم.
( ٣ ) شهادة كتبه السابقة له، وبشارة الرسل السابقين به، ولا تزال هذه الشهادة في كتب اليهود والنصارى.
والثاني ثلاثة أنواع أيضا :
( ١ ) شهادة كتبه بذلك كقوله : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم١٨ إن الدين عند الله الإسلام [ آل عمران : ١٨ ١٩ ].
( ٢ ) ما أقامه من الآيات في الأنفس والآفاق مما يدل على توحيده واتصافه بصفات الكمال.
( ٣ ) ما أودعه جل شأنه في الفطرة البشرية من الإيمان بإله واحد له صفات الكمال وببقاء النفس.
والخلاصة : إن شهادته تعالى هي شهادة آياته في القرآن، وآياته في الأكوان، وآياته في العقل والوجدان، اللذين أودعهما في نفس الإنسان.
أخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس مرفوعا قال :" من بلغه القرآن فكأنما شافهته به " ثم قرأ : وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به .
وأخرج ابن المنذر وابن جرير وأبو الشيخ قال : من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى فقال لهم :" هل دعيتم إلى الإسلام ؟ " قالوا : لا، فخلى سبيلهم ثم قرأ : وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ثم قال :" خلوا سبيلهم حتى يأتوا مأمنهم من أجل أنهم لم يدعوا ".
ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالشهادة له بالوحدانية وبالبراءة من قولهم وشهادتهم بالشرك فقال :
أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون بدأ الجملة بالاستفهام الدال على الإنكار والاستبعاد لما تضمنته، ثم أمر نبيه أن يجيب بأنه لا يشهد كما يشهدون، ثم أمره بأمر آخر : بأن يشهد بنقيض ما يزعمون ويتبرأ مما يزعمون، فيصرح بأن الإله لا يكون إلا واحد، ويتبرأ مما يشركون به من الأصنام والأوثان وغيرهما.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير