وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ٢٩ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ٣٠ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ٣١ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ٣٢
بين الله تعالى لنا في هذه الآيات شأنا آخر من شؤون الكفار المكذبين بآياته في الدنيا وهو غرورهم بها، وافتتانهم بمتاعها، وإنكارهم البعث والجزاء، وما يقابله من حالهم في الآخرة يوم يكشف الغطاء، وهو ما يكون من حسرتهم وندمهم عل تفريطهم السابق، وافتتانهم بذلك المتاع الزائل، وقفى عليه ببيان حقيقة الدنيا والمقابلة بينها وبين الآخرة.
فقال عز من قائل :
وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ( ٢٩ ) قيل إن هذه الآية تتمة لما سبقها، وأن « قالوا » فيها معطوف على « عادوا » فيما قبلها، أي لو رد أولئك إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والأعمال، وصرحوا ثانية بما كانوا عليه من إنكار البعث والجزاء، والظاهر المختار ما بيناه آنفا، فالعطف فيه عطف جمل مستأنف، و ( إن ) في ابتداء مقول القول نافية بمعنى « ما » أي وقال أولئك المشركون : ما الحياة إلا حياتنا الدنيا لا حياة بعدها، وما نحن بمبعوثين بعد الموت. وسنذكر ما يستلزمه هذا الاعتقاد من الشر والفساد في آخر تفسير هذه الآيات.
فإن قيل : فما بالكم تسابقون إلى استذلال الأمم الضعيفة في الشرق، وتسخرونها لمنافعكم وتوفير ثروتكم بغير حق ؟ قالوا : كلا إنما نريد أن نخرجها من ظلمات الهمجية والجهل، لتشاركنا فيما نحن فيه من نور الحضارة والعلم. فإن قيل : فما بالنا نراها لم تنل من علومكم إلا بعض القشور، ولم تستفد من مدينتكم إلا الفسق والفجور ؟ قالوا إنما ذلك لضعف الاستعداد، وما تمكن في نفوس هذه الشعوب من الفساد، على أننا خير لها من حكامها الأولين، بما قمنا به من حفظ الأمن وتوفير أسباب النعيم للعاملين ! ذلك شأنهم لا تقام عليهم حجة، إلا ويقابلونها بشبهة تؤيدها القوة، وقد قوضت الحرب المشتعلة نارها في أوروبا هذه الأعوام، جميع ما بنيت عليه هذه الشبهات من المزاعم والأوهام، إذ رأينا فيها أرقى أهل الأرض في الحضارة والعلوم والفلسفة يخربون بيوتهم بأيديهم، ويقوضون صروح مدينتهم بمدافعهم، ويستعينون بكل ما ارتقوا إليه من العلوم والفنون والصناعات والحكمة والنظام، لإهلاك الحرث والنسل وتخريب العمران، بمنتهى القسوة والشدة، التي لا تشوبها عاطفة رأفة ولا رحمة، ولو كان من بأيديهم أزمة الأمور منهم يؤمنون بالله واليوم الآخر وما فيه من الحساب والجزاء بالحق، لما انتهوا في الطغيان إلى هذا الحد.
نعم إن هذه الشعوب كانت تتقاتل لنصر المذهب أو الدين، في القرون التي كانت تعمل فيها كل شيء باسم الدين، ولكنها لم تصل في التقتيل والتخريب في ذلك الزمان، إلى عشر معشار ما هي عليه الآن، وإن كانوا يسمون هذا العصر عصر النور وتلك العصور بعصور الظلمات، على أن الرؤساء كانوا يتخذون اسم الدين وتأويل نصوصه وسيلة لأهوائهم التي ليست من الدين في شيء، كما يعلم جميع علماء هذا العصر، ومن العجائب أن أقسى أهل هذه الحرب وأشدهم تخريبا وتدميرا هم الذين يزعمون أنهم يحاربون لله وأن الله معهم على أعدائهم. وإنما الحرب الدينية الصحيحة حرب الأنبياء والخلفاء الراشدين، ومن على مقربة من سيرتهم من الملوك الصالحين، ولم يكن يستحل في شيء منها ما يستحل الآن من القسوة والتخريب. وقد فصلنا في المنار القول في المقابلة بين هذه الحرب المدنية، وحروب المسلمين الدينية، التي كانت دفاعا عن النفس، وتقريرا للحق والعدل، والمساواة في الحقوق بين أصناف الخلق، يسيرون فيها على القواعد الشرعية العادلة في الضرورات ككونها تبيح ما ضرره دون ضررها، وكونها تقدر بقدرها، وتراعى فيها الرحمة، لا العدل وحده، وقد شهد بذلك لسلفنا أعلم حكماء الإفرنج بتاريخنا [ غوستاف لوبون ] فقال كلمة حق حقيقة بأن تكتب بماء الذهب، وهي :« ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب».
وجملة القول إن شبهات المفتونين بالمدنية المادية قد دحضت بهذه الحرب الساحقة وقويت بها حجة أهل الدين عليهم، بل تنبه بها الشعور الديني في الجم الغفير من الأوروبيين حتى الفرنسيس منهم، بعد أن كانوا قد نبذوه وراء ظهورهم، وآثروا عليه الشهوات البدنية الحقيرة، حتى ضاقت بهم المعابد التي كانت مهجورة، قلما تفتح أبوابها وقلما يلم بها أحدا إن فتحت. وذلك شأن المسرفين في أمرهم من الناس، لا يتوجهون إلى خالقهم إلا عند الشدة والبأس، وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما، فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون [ يونس : ١٢ ].
وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ٢٩ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ٣٠ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ٣١ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ٣٢
بين الله تعالى لنا في هذه الآيات شأنا آخر من شؤون الكفار المكذبين بآياته في الدنيا وهو غرورهم بها، وافتتانهم بمتاعها، وإنكارهم البعث والجزاء، وما يقابله من حالهم في الآخرة يوم يكشف الغطاء، وهو ما يكون من حسرتهم وندمهم عل تفريطهم السابق، وافتتانهم بذلك المتاع الزائل، وقفى عليه ببيان حقيقة الدنيا والمقابلة بينها وبين الآخرة.
تفسير المنار
رشيد رضا