إنهم لم يأخذوا في أثناء حياتهم الإيمان كإيمان استدلال بكون منظم مرتب محكم التكوين، إنهم لم يلتفتوا إلى أن هذا النظام والإحكام والترتيب موجود في علاقات البشر بعضهم ببعض سواء أكانوا مؤمنين أم ملاحدة، ونعلم أن هناك صفات يشترك في كرهتها كل الناس مؤمنهم وملحدهم ؛ فالملحد إن سرق من زميله، ألا يعاقب ؟ إنه يتلقى العقاب من مجتمعه، وفي كل مجتمعات هناك ثواب وعقاب، بل هناك جزاء بإحسان. والإيمان لا يمنع أن يصطلح الناس على شيء من الإحسان، والمحرمون من الإيمان تلجئهم الأحداث أن يضعوا القانون لينظموا الثواب والعقاب.
إننا نجد أن تجريم المخالف للخير والجمال إصلاح الكون هو أمر فطري وضروري للإنسان، فهم يجرمون أفعال السوء بعد أن تعضهم الأحداث ولا يلتفتون إلى أن المنهج السماوي جاء بالثواب والعقاب على كل فعل يحمي كرامة الإنسان. ويوم القيامة يقفون في صغار وفي اضطرار ليروا ما فعلوا :
بل بد لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ( ٢٨ ) ( سورة الأنعام ).
فهم لو ردوا إلى الدنيا بما كان لهم فيها من اختيار فسيفعلون مثلما فعلوا، ولم يقولوا مثل هذا القول في اليوم الآخر إلا أنهم مقهورون. وكانوا من قبل يقولون :
وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ( ٢٩ ) ( سورة الأنعام )
ففي دنياهم كانوا لا يؤمنون إلا بحياة واحدة هي الدنيا. ولم يلتفتوا إلى أن الإنسان يحيا في الدنيا على قدر قوته، وويل للضعيف من القوي. والقوي إنما يخاف من قانون يعاقبه، أو يخاف من إله سيعاقبه على الذنب مهما أخفاه، ولذلك نجد القاضي المؤمن يقول دائما : لئن عميتم على قضاء الأرض، فلا تعموا على قضاء السماء.
ومن غباء أهل الكفر أنهم يسمون الحياة على الأرض ( الحياة الدنيا ) وهي في حقيقتها دنيا، وماداموا قد حكموا وعرفوا أنها ( دنيا ) فلا بد أن يقابلها حياة عليا. إن كل ذلك يحدث لهم عندما يقفون على النار، والنار جند من جنود الجبار، فما بالك بهم حين يقفون أمام خالق النار ورب العالمين ؟
تفسير الشعراوي
الشعراوي