ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما لقي من قومه، فقال :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَاكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِين
قلت : قد للتحقيق، وإنه ضمير الشأن، وقرأ نافع :" يُحزن "، بضم الياء حيث وقع، إلا قوله : لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ [ الأنبيَاء : ١٠٣ ] والباقون : بفتح الياء، وفيه لغتان : حزن يحزُن، كنصر ينصر، وأحزن يحزِن. والأول أشهر. ومن قرأ :" يُكذّبُونَك " بالتشديد ؛ فمعناه : لا يعتقدون كذبك، وإنما هم يجحدون الحق مع علمهم به، ومن قرأ بالتخفيف فمعناه : لا يجدونك كاذبًا، يقال : أكذبت الرجل إذا وجدته كاذبًا، وقيل : معناهما واحد، يقال : كذّب فلانٌ فلانًا، وأكذبه، بمعنى واحد.
يقول الحقّ جلّ جلاله : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون أي : الكفار في جانبك ؛ من أنك شاعر أو كاهن أو مجنون أو كاذب، فإنهم لا يُكذبونك في الحقيقة، لجزمهم بصحة نبوتك، ولكنهم يجحدون بآيات الله، حسدًا وخوفًا على زوال الشرف من يدهم : نزلت في أبي جهل، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم :" إِنَّا لاَ نُكَذِّبُكَ، ولكِن نُكذِّبُ بِمَا جئتَ بِهِ " ١. وقال الأخنَسُ بن شُرَيق : والله إن محمدًا لصادق، ولكني أحسده الشرف. ووضع الظالمين موضع المضمر ؛ للدلالة على أنهم ظلموا لجحودهم، أو جحدوا لتمرنهم على الظلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي