ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

تفسير سورة الأنعام
يقول الله جل وعلا : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [ الأنعام : آية ٣٣ ].
قوله في هذه الآية الكريمة : قد نعلم إنه ليحزنك قرأه عامة القراء، ما عدا نافعا : قد نعلم إنه ليحزنك مضارع حزنه الأمر – بالثلاثي – يحزنه، وقرأه نافع وحده : قد نعلم إنه ليحزنك من أحزنه الأمر – بصيغة الرباعي – يحزنه ( بضم الياء ).
وقوله في هذه الآية الكريمة : فإنهم لا يكذبونك قرأه عامة القراء ما عدا نافعا والكسائي : فإنهم لا يكذبونك بصيغة ( التفعيل ). وقرأه نافع والكسائي من بين القراء فإنهم لا يكذبونك بصيغة ( الإفعال ) لا بصيغة ( التفعيل ).
وسبب نزول هذه الآية الكريمة كما ثبت عن علي ( رضي الله عنه ) أن الكفار – كفار مكة – كأبي جهل ونظرائه قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : نحن لا نكذبك، ونعلم أنك صادق أمين، ولكن هذا الذي جئت به هو الذي نكذبه، فأنزل الله : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون .
و( قد ) في قوله : قد نعلم هي للتحقيق، أي : لتحقيق علم الله جل وعلا.
وما جاء على ألسنة علماء العربية من أن ( قد ) إذا دخلت على المضارع أنها تكون للتقليل، وأنها تارة تكون ك " ربما " واستدلوا بأنها تكون تارة للتكثير بقول الشاعر :

قد أترك القرن مصفرا أنامله كأن أثوابه مجت بفرصاد
وقول الآخر :
أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله ولكنه قد يتلف المال نائله
قالوا : " قد يتلف المال " أي يكثر من نائله إتلاف المال، وكذلك يكثر في هذا المفتخر بقتل الأقران : قتل الأقران. كل هذا خلاف التحقيق في هذه الآية ؛ لأن ( قد ) فيها للتحقيق، يبين الله لخلقه محققا لهم أن عمله محيط بما ذكر أنه يعلمه، وهو كثير في القرآن، كقوله : قد يعلم الله المعوقين منكم [ الأحزاب : آية ١٨ ] قد نرى تقلب وجهك في السماء [ البقرة : آية ١٤٤ ] ولقد نعلم أنك يضيق صدرك [ الحجر : آية ٩٧ ] كل هذه الآيات ( قد ) فيها قبل الفعل المضارع للتحقيق كما هنا.
قد نعلم إنه الضمير في قوله : " إنه " هو ضمير الشأن، قد نعلم إنه أي الأمر والشأن، والله ليحزنك الذي يقولون .
وهذا الذي يقولونه، الذي يحزنه، أشارت له آيات أخر، كما بين تعالى أن هذا الذي يقولونه له يحزنه، وأنه يضيق به صدره كما قال : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون [ الحجر : آية ٩٧ ] وبين في سورة هود أن هذا الذي يضيق صدره مما يقولون له إنه من نوع التكذيب والنعت كما قال : فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز [ هود : آية ١٢ ] يعني : ضائق صدرك ؛ لأجل أن يقولوا تكذيبا وتعنتا : لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك يصدقه.
وقال بعض العلماء : هذا الذي يحزنه من كلامهم قولهم له : " أنت شاعر، ساحر، كاهن، هذا الذي جئت به أساطير الأولين، لا نقبل دينك "، هذا التكذيب ونسبته إلى أنه ساحر، مجنون، كاهن، هذا الذي يؤذيه ويضيق به صدره، ويحزنه. وقد بين له الله ( جل وعلا ) في آخر سورة الحجر علاج هذا الداء من هذا الذي يقولون له فيحزنه، وبين له أنه إذا أحزنه ذلك القول الذي يقولون أنه يبادر إلى الصلاة ؛ فإن الصلاة يعينه الله بها ويذهب عنه ذلك الحزن، كما قال : واستعينوا بالصبر والصلاة [ البقرة : آية ٤٥ ].
وقال له في آخر سورة الحجر : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون [ الحجر : آية ٩٧ ] فرتب على ضيق صدره بما يقولون – بالفاء – قوله : فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين [ الحجر : آية ٩٨ ].
عرفنا أن هذا التسبيح، والصلاة، والإنابة إلى الله هو دواء ذلك الحزن والأذى الذي يناله منهم ؛ ولذا كان صلى الله عليه وسلم – كما في حديث نعيم بن عمار كان – إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، صلوات الله وسلامه عليه، كما دل على ذلك قوله : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح [ الحجر : الآيتان ٩٧، ٩٨ ] أي فدواء ذلك هو ما أمرك ربك به بقوله : فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين وقال هنا : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون هذا الذي يقولونه لك نحن نعلم أنه يحزنك، أي : يورثك الحزن لما يلقونك به من التكذيب، ونسبتهم إياك من السحر، والشعر، والكهانة، والجنون، هذا يؤذيه صلى الله عليه وسلم، فيضيق به صدره، ومن أشد ما يؤذيه : امتناعهم من الإيمان ؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه مجبول على الشفقة، وقد وصفه الله بالرأفة والرحمة بالمؤمنين في قوله : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم [ التوبة : آية ١٢٨ ] فمعنى عزيز عليه ما عنتم أي يعز عليه ويعظم، ويكبر عليه كل ما يصيبكم منه العنت، وهو المشقة والأذى عزيز عليه ما عنتم إلى أن قال : بالمؤمنين رءوف رحيم كان إذا امتنعوا من الإيمان أسف، وحزن حزنا شديدا، كما قال له الله : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين [ الشعراء : آية ٣ ] أي : لأجل أن لا يكونوا مؤمنين. و ( الباخع ) معناه : المهلك، أي : فلعلك مهلك نفسك أسفا لأجل أنهم لم يؤمنوا فلعلك باخع نفسك على ءاثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [ الكهف : الآية ٦ ] أي حزنا شديدا عليهم فلا تذهب نفسك عليهم حسرات [ فاطر : آية ٨ ] ونحو ذلك من الآيات ؛ ولذا قال له الله : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون الذي موصول، وجملة الموصول يقولون والضمير العائد إلى الصلة محذوف ؛ لأنه منصوب بفعل، وتقديره :( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولونه ) فالهاء المحذوفة التي في محل المفعول هي الرابط بين الصلة والموصول.
ثم إن الله قال لنبيه : فإنهم لا يكذبونك . فإنهم لا يكذبونك قال بعض العلماء : معنى القراءتين واحد، والعرب تعدي الثلاثي بالتضعيف كما تعديه بالهمزة ؛ كما يقال : " كثرت الشيء " و " أكثرته ". وجماهير العلماء على أن بينهما في المعنى فرقا، أن معنى ( كذب ) ليس معنى ( أكذب )، والمقرر في علوم القراءات : أن القراءتين حكمهما حكم الآيتين المختلفتين، فكل منهما تفيد ما تضمنته من الأحكام والمعاني. أما على قراءة الجمهور : فإنهم لا يكذبونك فالتحقيق أن المعنى : أن الكفار لا يكذبونك.
واعلم أنه معروف في القرآن وفي لغة العرب أن الفعل يسند إلى المجموع والمراد بعض المجموع لا جميعهم، ومما يوضح هذا المعنى غاية الإيضاح من القرآن قراءة حمزة والكسائي : فإن قاتلوكم فاقتلوهم [ البقرة : آية ١٩١ ] بصيغة ( القتل ) في الفعلين ؛ لأنه لا يعقل أن الذي قتل بالفعل يؤمر بقتل قاتله، ولكن المعنى : فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم البعض الذي لم يقتل. وهذا أسلوب معروف في القرآن وفي غيره. وإذا عرفت هذا فاعلم أن بعض الكفار علموا صدق النبي صلى الله عليه وسلم في الباطن، وقلوبهم موقنة أنه صادق، كما قال أبو جهل – لعنه الله – لما قال له الأخنس بن شريق قال له : أنا وأنت في خلوة، ليس معنا أحد من قريش، فأخبرني عن صحة ما يقوله محمد ( صلوات الله وسلامه عليه ). فقال له أبو جهل : والله إني لأعلم أنه صادق، وأنه نبي، ووالله ما كذب محمد قط ولا يكذب، ولكن كنا نحن وبنو هاشم فرسي رهان، طعموا فأطعمنا، وفعلوا ففعلنا، واليوم يقولون : منا نبي ! فمن لنا بهذه ؟ والله لا نعترف بنبوته أبدا ! ! ولا شك أن هنالك قوما من الجهلة يسمعون كلام الرؤساء فيظنون أنه كاذب، ويعتقدون كذبه. إذا عرفتم هذا فقوله : فإنهم لا يكذبونك راجع إلى الذين علموا صدقه. وكثير من عقلائهم عالم في قرارة نفسه أن النبي صلى الله عليه وسلم نبي، وأنه رسول، وهم يجحدون ذلك ظلما. وعليه فالمعنى : لا يكذبونك في الحقيقة، فيما بينهم وبين أنفسهم، ولكن الظالمين يجحدون آيات الله التي أنزلت عليه، فلم يعترفوا أنها من الله، كما قال له أبو جهل : أنت عندنا صادق، ولا نكذبك، ولكن نكذب هذا الذي جئت به.
أما على قراءة : فإنهم لا يكذبونك ف ( أكذب ) بصيغة ( الإفعال ) تفترق مع ( كذب ) بمعنيين، أحدهما : أن الفرق بين ( كذب ) و ( أكذب ) : أنك إذا كذبت إنسانا، معناه قلت له : كذبت، ونسبته إلى افتراء الكذب. وإذا قيل : أكذب إنسان إنسانا، معناه : أن كلامه يعتقد أنه كذب، ولا ينسب ذلك الإنسان إلى الكذب، بل يقول : لعله أخطأ، أو نسي، أو سها وهو لا يقصد الكذب أو تخيل له غير الحق. فمعنى " أكذب " على هذا : أنه لا يتعمد الكذب، وأنه لا ينسب إلى الاختلاف والافتراء، ولكن القول الذي جاء به غير مطابق للحق.
الوجه الثاني في قراءة يكذبونك : وهو الذي عليه الأكثر : أنه تقرر في فن التصريف أن من معاني " أفعل " إذا قلت : أفعلت الرجل، إذا وجدته كذا، تقول : أحمدته إذا وجدته حميدا، وأبخلته إذا وجدته في نفس الأمر بخيلا، وأكذبته إذا وجدته في نفس الأمر كاذبا، وعلى هذه القراءة : إن ظنت نفوسهم أنك كاذب، وكذبوك، وقالوا : إنك كاذب، ساحر، كاهن، فإنهم لا يصادفونك في نفس الأمر كاذبا، فأنت على حق فيما بينك وبين الله، فهون عليك، ولا تقل عليك افتراءهم.
هذان الوجهان من التفسير في قراءة يكذبونك وقد قدمنا معنى يكذبونك .
ولكن الظالمين قد قدمنا معنى الظلم.
بئايات الله أي الشرعية الدينية يجحدون أي يجحدونها وينكرون أنها حق.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير