وقالوا يعني الكفار – كفار مكة – هم الذين قالوا هذا القول.
وقوله : لولا اعلم أولا : أن ( لولا ) جاءت في القرآن العظيم لثلاثة معان معروفة في القرآن العظيم، وفي كلام العرب :
الأول : من هذه المعاني الثلاثة :( لولا ) المعروفة بأنها تأتي لامتناع لوجود، وهي التي تدل على امتناع شيء لوجود شيء، كقوله : لولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم انتفى مسيس العذاب العظيم لوجود فضل الله ورحمته.
هذه التي يقال فيها إنها تدل على امتناع لوجود، وخبر مبتدئها محذوف دائما في الأغلب.
الثانية : هي ( لولا ) التي بمعنى التحضيض، وهذه تنقسم قسمين. ومنها كانت ( لولا ) مشتركة بين ثلاثة معان. لولا التحضيضية إنما تدل على التحضيض، والتحضيض معناه الطلب بحث وحض، ومنه هذه التي عندنا. ( لولا ) أي : نطلب منك بحض وحث أن تنزل عليك آية مثل آية موسى التي جاءت، صارت عصاه ثعبانا مبينا، وكآية صالح التي خرجت له ناقة عشراء جوفاء، وبراء، من صخرة، وما جرى مجرى ذلك، وكآية عيسى الذي يبرىء الأكمه، والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وما جرى مجرى ذلك، وهذا طلب منهم وتحضيض، وهو طلب بحث وحض، إلا أنه طلب عناد وتعنت.
الثالث من معاني ( لولا )، لم نتكلم عليه الآن، وهو أن ( لولا ) التحضيضية – ومعنى التحضيضية : أنها دالة على تحضيض، والتحضيض : هو طلب الفعل بحث وحض – لها حالتان : تارة يكون فعلها المطلوب بها ممكن الفعل لم تضع فرصته، فهذه هي التحضيضية، كالتي عندنا. وتارة يكون فعلها المطلوب فيها بأداة الطلب التي هي حرف التحضيض – أعني ( لولا ) – فات ولم يمكن تداركه ؛ لأن فرصته ضاعت ولم يمكن تداركه. فإن التحضيضية في هذه الحالة ينقلب معنى تحضيضها إلى توبيخ وتنديم على التفريط فيما مضى، كقوله : فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما ءامنوا [ يونس : آية ٩٨ ] فتلك القرى الماضية هلكت ومضت، إلا أن توبيخ الله لها، وتنديمه لها بعد أن ماتت ليعتبر به غيرها، وكما قال : ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا [ النور : آية ١٦ ] لأن الفرصة فاتت عليهم ؛ لأنهم تكلموا بما لا يليق، فصارت ( لولا ) التحضيضية في شأنهم يراد بها التوبيخ والتنديم على التفريط فيما مضى.
وقوله : لولا أي : هلا أنزل عليه آية .
وقوله : من ربه يعنون : يكون مبدأ إنزالها وابتداؤه من ربه، ينزل عليه أية لا لبس في الحق معها، كعصا موسى، وناقة صالح، وما جرى مجرى ذلك. فالله أمر نبيه أن يقول، قل لهم يا نبي الله : إن الله قادر على أن ينزل ءاية .
ثم قال : ولكن أكثرهم لا يعلمون فقوله : ولكن أكثرهم لا يعلمون يدل على أن طلبهم للآية بأداة التحضيض التي هي لولا أنزل عليه ءاية أنه نشأ عن جهل لا عن علم، ولو كانوا عالمين لما تعنتوا، ولما اقترحوا هذا الاقتراح، وذلك من أوجه :
منها أن الله ( جل وعلا ) أجرى العادة بأن القوم إذا اقترحوا آية، وأنزلها الله لهم، وكفروا بعد ذلك أن الله يهلكهم هلاك الاستئصال، كما يأتي في قوله : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وءاتينا ثمود الناقة مبصرة [ الإسراء : آية ٥٩ ] أي : وهي الآية التي اقترحوها فكفروا بها، فكان ذلك سبب هلاك مستأصل، وتدمير عام أهلكهم الله به، وجعلهم أثرا بعد عين. فقد يقترحون آية، ويأتيهم الله بها، فيكفرون بها فيمحقهم كما محق ثمود، كما أشار له بقوله : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون [ الإسراء : آية ٥٩ ] اقترحوها عنادا وتعنتا، فلما أتوا بها كفروا بها، فكانت سببا لهلاك مستأصل. وقد ذكروا في بعض المواضع من القرآن أن الكفار قالوا للنبي : " سل ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ". وتعنتوا بأمور كثيرة، وأنه جاءه التخيير من ربه إن شاء فعل لهم ما اقترحوا، وإن كفروا أهلكهم، وإن شاء تركهم، وهدى من يهدي منهم ومن أصلابهم ؛ ولذا قال : قل إن الله قادر على أن ينزل آية واعلموا أن الله تبارك وتعالى أنزل على عبده آيات ومعجزات عظيمة، لا لبس في الحق معها، فلو كان طلبهم للآية طلب مسترشد يريد الهدى غير متعنت لأعطاهم الآية، ولكن الله أعطاهم من الآيات ما لا يبقى في الحق معه لبس، فتركوه وسألوا ذلك عنادا.
وأعظم الآيات وأكبر المعجزات هو هذا القرآن العظيم الذي تحداهم الله به، وكان عجز الخلق عن معارضته أكبر آية عظمى ؛ ولذا أنكر الله على من لم يكتف بمعجزة القرآن وطلب آية غيرها حيث قال منكرا عليه : أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم [ العنكبوت : آية ٥١ ] فقوله : أولم يكفهم صيغة إنكار، ينكر الله به على من لم يكتف بهذا القرآن ؛ لأنه آية أعظم آية.
ومما امتازت به عن الآيات : أن آيات الرسل ومعجزاتهم تنقضي، وتكون أخبارا لا وجود لها في العيان، وآيته صلى الله عليه وسلم الكبرى وهي هذا القرآن العظيم باقية تتردد في آذان الناس إلى يوم القيامة ؛ ولذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح [ إلى ] حصر معجزاته في هذا القرآن، وإن كانت معجزاته كثيرة لا تحصر لكثرتها، حيث قال في الحديث الصحيح : " ما من نبي من الأنبياء إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " ولذا قال هنا لما اقترحوا هذه الآية، اقترحوها عنادا لا استرشادا وطلبا للهدى، مع أنهم جاءهم من الآيات ما يكفي، والناس عاينوا من معجزاته صلى الله عليه وسلم أشياء تبهر العقول، كشق القمر. وتسبيح الحصى في يده، وكحنين الجدع في هذا المسجد لما تحول عنه إلى المنبر، سمعوه يحن حنين العشار، ولم يسكت حتى جاءه صلى الله عليه وسلم يسكته كما تسكت الأم ولدها. ومعجزاته صلوات الله وسلامه عليه كثيرة جدا، ولكن أعظمها القرآن ؛ ولذا حصرها فيه بقوله : " وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ". ولذا أنكر الله على من لم يكتف بهذا القرآن العظيم حيث قال : أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم [ العنكبوت : آية ٥١ ] وقال : وما كان هذا القرءان أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه [ يونس : آية ٣٧ ] ولأجل تعنتهم وعدم علمهم بأن الآيات إذا أتي بها من اقترحها ثم كفر جاءه العذاب المستأصل، كان طلبهم للآية طلب جهلة متعنتين لا يتأملون في العواقب ؛ ولذا قال الله : ولكن أكثرهم لا يعلمون ومن أكثرهم الذين لا يعلمون هم الذين تعنتوا واقترحوا وطلبوا هذه الآيات ؛ لأن عندهم تعنتات كثيرة، كما ذكره الله عنهم في آيات كثيرة من كتابه، كقوله في أخريات سورة بني إسرائيل : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا [ الإسراء : آية ٩٠ ] وفي القراءة الأخرى : حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت [ الإسراء : الآيات ٩٠ ٩٢ ] يعنون قوله : إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء [ سبأ : آية ٩ ] أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف يعنون بالزخرف الذهب أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه [ الإسراء : الآيتان ٩٢، ٩٣ ] هذه تعنتاتهم، ومن هذه التعنتات : اقتراحهم للآيات، فأخبرهم أن ربه قادر على أن ينزلها، ولكن إنزالها لا خير لهم فيه، أولا هو تعنت لا يراد به الحق، ولو أنزلها لكفروا فأهلكهم كما أهلك من كفر قبلهم، كما أشار له بقوله : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون [ الإسراء : آية ٥٩ ] وقد أتاهم من المعجزات بما فيه الكفاية، ولا يبقى في الحق معه لبس. أما التعنتات فلا داعي للإجابة فيها ؛ ولذا قال : قل إن الله قادر على أن ينزل ءاية ولكن أكثرهم لا يعلمون [ الأنعام : آية ٣٧ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير