اللسان؛ لينطق بحوائجهم في الدنيا، ويعرف بعضهم من بعض حاجته في الدنيا، ويدرك به الأزلي، فإذا لم ينتفعوا بذلك أزال عنهم ذلك وسماهم العُمْي والصم والبكم؛ ألا ترى أنه قال: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)، لما لم ينتفعوا بذلك؟!
ألا ترى أنه إذ لم يدرك الأزلي والأبدي من ذلك سماه أعمى؛ حيث قال: (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا).
والحياة حياتان: حياة مكتسبة: وهي الحياة التي تكتسب بالهدى والطاعات.
وحياة منشأة: وهي حياة الأجسام؛ فالكافر له حياة الجسد وليس له حياة مكتسبة، وأما المؤمن: فله الحياتان جميعًا المكتسبة والمنشأة فيسمى كل بالأسماء التي اكتسبها فالمؤمن اكتسب أفعالا طيبة فسماه بذلك، والكافر اكتسب أفعالا قبيحة فسماه بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً... (٣٧)
هَؤُلَاءِ قوم همتهم العناد والمكابرة وإلا قد كان أنزل عليه آيات عقليات وسمعيات وحسيات،
فأما الآيات العقليات: فهي ما ذكر: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ..) الآية.
وأما الآيات السمعيات: فهي ما أنباهم عن أشياء كانت غائبة عنهم، من غير أن كان له اختلاف إلى من يعلمها وينبئه عنها.
والآيات الحسيات: هي ما سَقى أقوامًا كثيرة بلبن قليل من قصعة، وما قطع
مسيرة شهرين بليلة واحدة، ونطق العناق الذي شوي له، وحنين المنبر، وغير ذلك من الأشياء مما يكثر ذكرها. لكنهم عاندوا، وكانت همتهم العناد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً): التي سألوك، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ): يحتمل وجهين:
يحتمل: أن يكون أن أكثرهم لا يعلمون أنه إذا أنزل آية على أثر السؤال لأنزل عليهم العذاب واستأصلهم إذا عاندوا.
ويحتمل قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ): أنه لا ينزل الآية إلا عند الحاجة أبهم، إليها.
ويحتمل ألا يسألوا الآية ليعلموا، ولكن يسألون؛ ليتعنتوا.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم