ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل [ الأنعام : آية ٨٤ ]، صيغة الجمع في قوله ووهبنا للتعظيم، ومعنى وهبنا له : أعطيناه إياهما. وقد بين الله ( جل وعلا ) أن هبته إياه إسحاق كانت على كبر عظيم منه، وعلى كبر من امرأته، بحيث لا يحمل مثلها عادة، وأن الرسل الذين بعثوا إلى قوم لوط لما نزلوا عنده، وذبح لهم عجله، وأنضجه، ونكرهم لما رأى أيديهم لا تصل إليه وخاف منهم، في ذلك الوقت بشروه بإسحاق، ومن وراء إسحاق : يعقوب، بشروه بأن امرأته تلد إسحاق، وأنه يولد له يعقوب، حتى تقر به أعينهما وهما حيان، كما نص الله عليه في سورة هود : وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب [ هود : آية ٧١ ] حتى إن امرأته لشدة تعجبها من أنها تلد وهي عجوز فانية صرخت، وصكت وجهها، كما قال تعالى في الذاريات : فأقبلت امرأته في صرة [ الذاريات : آية ٢٩ ] يعني : في صيحة وضجة فصكت وجهها لاستعجابها واستغرابها من هذا الخبر، وكذلك قال عنها في سورة هود : قالت يا ويلتي ءألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب [ هود : آية ٧٢ ]. أما إسماعيل فقد أعطاه الله إياه قبل ذلك من سريته هاجر، كما هو مشهور في التاريخ، ولم يعطه إسماعيل أيضا إلا بعد أن كبر وطعن في السن، كما نص عليه في سورة إبراهيم الخليل الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء [ إبراهيم : آية ٣٩ ]. إلا أن وقت بشارته بإسحاق كان كبيرا كبرا شديدا، وامرأته عجوز فانية، أكبر من زمن إيتائه إسماعيل، وإن كان كبيرا عند الوقتين. وهذا معنى قوله : ووهبنا له إسحاق ويعقوب [ الأنعام : آية ٨٤ ].
وآية هود هذه من النصوص الدالة على أن الذبيح : إسماعيل، وليس بإسحاق ؛ لأن ذلك دل عليه القرآن في موضعين، وهو الصحيح. إلا أن الإسرائيليين يحكون إسرائيليات كثيرة في أنه إسحاق، اغتر بها بعض من علماء المسلمين، فظن أنه إسحاق، وهو غلط، والتحقيق أن الذبيح : إسماعيل، وأن آية هود التي ذكرنا هي دليل قوي على ذلك، كما دلت عليه آية الصافات.
أما وجه دلالة آية هود لأن الله قال، وهو أصدق من يقول وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب [ هود : آية ٧١ ] أي : وبشرناها بأن إسحاق – وهو ولدها – يلد يعقوب، وهو ولد ولدها، فبعد البشارة بالوحي الصادق أن إسحاق لن يموت حتى يلد يعقوب فليس من المعقول أن يؤمر بذبحه وهو صغير ! ! وهذا معروف.
أما الآية الأخرى التي هي في الصافات فهي واضحة جدا في ذلك ؛ لأن الله قال : فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى [ الصافات : آية ١٠٢ ] حتى جاء بقصة إسماعيل الذبيح تامة، قال بعدها لما أنهاها : وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق [ الصافات : الآيتان ١١٢، ١١٣ ]. فصار صريح القرآن أن الذبيح غير إسحاق، حيث قال في ذلك الغلام : بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى [ الصافات : الآيتان ١٠١، ١٠٢ ] حتى انتهى من قصته، وجاء بقصة إسحاق مستقلة بعدها، حيث قال : وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ... [ الصافات : الآيتان ١١٢، ١١٣ ]. وهذه الآية الكريمة يفهم منها معنى أوضحه الله في سورة مريم ؛ ذلك أنه قال هنا إن إبراهيم سفه أحلام قومه، وعاداهم وكفرهم وضللهم، حتى اضطره ذلك إلى الخروج عنهم، والهجرة إلى بلاد الشام، كما يأتي في قوله : فئامن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي [ العنكبوت : آية ٢٦ ] وكان في قرية بسواد العراق تسمى ( كوثى ).
لما هجر قومه وخرج من الوطن في الله عوضه الله عنهم قرة عين تؤنسه، وهي الأولاد الصالحون الكرام، يخلفون له الوطن والأقارب ؛ لأنه لما ذكر قصته معهم هنا قال بعدها : ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا [ الأنعام : آية ٨٤ ] فهذا يدل على أن إقرار عينه بالذرية الصالحين ؛ لأنه هجر الوطن، وخرج عن القرباء والأحباء في الله، وقد أوضح الله هذا في سورة مريم حيث قال : فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب [ مريم : آية ٤٩ ].
ويفهم من هذه الآيات أن من هجر الأوطان والأقارب لله أقر الله عينه من ظهره بما يسليه عنهم ؛ ولذا قال هنا : ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا [ الأنعام : آية ٨٤ ] نون التنوين عوض عن كلمة، أي : كل واحد منهم هدينا، و كلا مفعول به ل هدينا . وهذا تمام إقرار العين ؛ لأن الولد إذا كان غير صالح لم يكن قرة عين، فهبته والنعمة به إنما تتم إذا كان مهديا، لا إن كان غير مهدي ؛ ولذا قال : كلا هدينا .
ثم قال : ونوحا هدينا من قبل لما كانت قصة نوح شبيهة بقصة إبراهيم ذكره معه ؛ لأن نبي الله نوحا نشأ في قوم يعبدون الأصنام، وهو أول نبي أرسل لقوم يعبدون الأصنام، وجادلوه جدا في الأوثان وقالوا لا تذرن ءالهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا [ نوح : الآيتان ٢٣، ٢٤ ] وكان يجادلهم في عبادة الأصنام حتى قالوا له : قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين [ هود : آية ٣٢ ] وكان إبراهيم نشأ في قوم يعبدون أجرام السماء وأجرام الأرض كذلك، وخاصمهم مثل مخاصمة نوح، بين أنه هدى نوحا من قبل إبراهيم، كما هدى إبراهيم، وهذا معنى قوله : ونوحا هدينا من قبل [ الأنعام : آية ٨٤ ]. ( نوح ) : يسمونه ( آدم الصغير ) ؛ لأنه ليس على الأرض إنسان إلا وهو من ذريته، كما قال الله جل وعلا : وجعلنا ذريته هم الباقين [ الصافات : آية ٧٧ ] ونبي الله إبراهيم لم يكن بعده نبي إلا وهو من ذريته، فالأنبياء الذين ليسوا من ذريته : إما من سبقه، وإما من كان معاصرا له، كلوط ابن أخيه، أما من بعده فهم جميعهم من ذريته، فالأنبياء من ذرية نوح وإبراهيم، فالذي لم يكن من ذرية إبراهيم فهو من ذرية نوح، وإبراهيم من ذرية نوح، كما قال جل وعلا : ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب [ الحديد : آية ٢٦ ] وقال في سورة العنكبوت في إبراهيم : وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وءاتيناه أجره في الدنيا الآية [ العنكبوت : آية ٢٧ ] ولذا قال : ونوحا هدينا من قبل ، نوحا : مفعول به ل هدينا مقدما عليه.
وأهل التاريخ يزعمون أن ( نوحا ) أنه : ابن لملك بن متوشلخ بن خنوخ. ويزعمون أن خنوخ هو إدريس. هكذا يقولون. ويزعمون أن إبراهيم بن تارح. هذا المعروف في التاريخ، يقولون : إنه ابن تارح بن ناحور بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح. هكذا يقول المؤرخون، وهي أمور تذكر في التاريخ شبه الإسرائيليات، لم يقم على ضبطها وتحقيقها دليل. وهذا معنى قوله : ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان .
قوله : ومن ذريته أي : وهدينا من ذريته داود. فهذا معطوف على معمول هدينا . أي : وهدينا من ذريته داود.
واختلف العلماء في الضمير في قوله : ومن ذريته قال بعضهم : هو راجع إلى إبراهيم ؛ لأنه هو المحدث عنه، وهذا في حجاجه مع قومه، والآيات كلها فيه. وقال بعض العلماء : الضمير راجع إلى نوح. والذين قالوا : " يرجع إلى نوح " عضدوه بأمرين :
أحدهما : أنه هو أقرب مذكور، والضمير يرجع لأقرب مذكور.
الثاني : أن هؤلاء الرسل الذين قيل من ذريته ذكر فيهم لوط، ولوط ليس من ذرية إبراهيم ؛ لأنه ابن أخيه، وذكر فيهم يونس، وأكثر المؤرخين أن يونس ليس من ذرية إبراهيم، وإن زعم قوم أنه منه، ولا يكاد يختلف المؤرخون أن لوطا ليس ابن إبراهيم، وإنما هو ابن أخيه ؛ لأن لوط بن هاران بن تارح ابن أخي إبراهيم. قالوا : لو كان الضمير لإبراهيم لما ذكر لوطا ؛ لأنه ليس من ذريته. واختار أن الضمير راجع إلى نوح، اختاره ابن جرير لذكر لوط ؛ ولأن نوحا أقرب إلى الضمير من إبراهيم. وعن ابن عباس : أن الضمير لإبراهيم، وأن يونس من أنبياء بني لإسرائيل، أو من ذرية إبراهيم، خلاف ما يزعمه أكثر المؤرخين، وأن لوطا جعل من ذريته تغليبا ؛ لأنه ابن أخيه، فجعل من ذريته تغليبا ؛ كما جعل إسماعيل أبا له تغليبا، لما ذكرت آباؤه، وهو عمه. هكذا يقولون.
ومن ذريته داود أي : وهدينا من ذريته. أي : إبراهيم، أو نوح على الخلاف الذي ذكرنا.
داود هو نبي الله داود، وهو أول من جمع من أنبياء بني إسرائيل بين الملك والنبوة. وهو داود بن إيشي، يزعمون أنه ابن إيشي بن عوبد. على كل حال لهم أسماء يختلف فيها المؤرخون، عجمية، وعلى كل حال داود يقولون : هو داود بن إيشي بن عوبد. يزعمون أنه من سبط يهوذا. هكذا يقولون : وسليمان ولده.
وقوله : وأيوب أكثر المؤرخين يقولون : إن أيوب بن موص، أنه من ذرية عيص بن إسحاق بن إبراهيم. وفيه غير ذلك.
ويوسف : هو يوسف نبي الله ابن يعقوب. وموسى وهارون معروفان، أبناء عمران، وعمران : يزعمون – ابن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب.
ويعقوب : بن إسحاق بن إبراهيم. كما هو معروف.
وهؤلاء الأنبياء – كل هؤلاء المذكورين – لهم قصص معروفة في القرآن، بينها الله جل وعلا.
وكذلك نجزي المحسنين كما هدينا هؤلاء الرسل الكرام، ووفقناهم لطريق الصواب : كذلك الجزاء نجزي المحسنين، فنهديهم ونوفقهم إلى ما يرضينا. والمحسنون : جمع المحسن، وهو اسم فاعل الإحسان. والإحسان هو : الإتيان بالعمل حسنا. وطريق الإتيان بالعمل حسنا بينها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".
والآية تدل على أن من أحسن العمل لله زاده الله هدى ؛ لأن التشبيه في قوله : وكذلك نجزي عائد إلى الهدى في قوله : كلا هدينا ونوحا هدينا .
ومن ذريته داود أي : وهدينا من ذريته داود. كذلك الهدى والتوفيق نجزي ذلك الجزاء الحسن نجزي المحسنين مثل ذلك الجزاء ؛ لأن من آمن بالله وأحسن العمل زاده الله هدى والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتاهم تقواهم [ محمد : آية ١٧ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير