وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين [ الأنعام : آية ٨٦ ] وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا قرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا حمزة، والكسائي : وإسماعيل واليسع . وقرأه حمزة والكسائي : وإسماعيل والليسع بتشديد اللام وسكون الياء وهما قراءتان سبعيتان معروفتان. أي : وهدينا إسماعيل، وهدينا الليسع، وهدينا اليسع.
بعض العلماء يقول : اليسع هو يوشع بن نون. وأكثر المؤرخين يقولون : إنه اليسع بن أخطوب بن العجوز. والله ( جل وعلا ) ذكره في مواضع من كتابه في جملة الأنبياء.
وقوله : ويونس هو نبي الله يونس بن متى، أرسله الله إلى مئة ألف أو يزيدون، في بلد ( نينوى ) من بلاد الموصل. وقصته مشهورة، ذكرها الله في آيات كثير من كتابه. أرسله الله إلى مئة ألف أو يزيدون، ولم يرسل الله نبيا لقوم إلا كذبوه وأهلكهم الله بعذاب مستأصل، ولم يستثن من هذا أحد إلا الجماعة الذين أرسل إليهم نبي الله يونس بن متى ( عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ). سيأتيكم في مواضع في الصافات، وفي القلم، وغيرها : أن نبي الله يونس لما كذبه قومه وعدهم بالهلاك، وأن العذاب ينزل عليهم، وخرج عنهم، وسافر من قبل أن يأذن له ربه، كأنه ضجر منهم وعجل. وذلك الضجر والعجلة هو الذي نهى الله عنه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في سورة القلم، مؤدبا له بالتأني والحمل والصبر، قال : ولا تكن كصاحب الحوت يعني يونس بن متى إذ نادى وهو مكظوم [ القلم : آية ٤٨ ] حيث ضجر وعجل.
زعم بعض المفسرين أنه كان شرعهم ونظامهم أن من جرب عليه الكذب أنهم يقتلونه. هكذا زعموا، وأن نبي الله يونس وعدهم بالعذاب، والله ( جل وعلا ) جاءهم بالعذاب، فلما أظلهم وعاينوا أوائله خافوا خوفا عظيما، وأنابوا إلى الله إنابة صادقة، وتوبة عظيمة، وضجوا جميعهم، وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الآدميين والحيوانات، وصار الجميع يضج مبتهلين إلى الله، فرفع الله عنهم العذاب، ولم يوجد هذا لناس غيرهم أبدا، كما نص الله عليه في سورة يونس : فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين [ يونس : آية ٩٨ ] فقوله هنا في الحياة الدنيا الظاهر أنه ما كشف عنهم خزي العذاب في الحياة الدنيا إلا وهو يكشفه عنهم في الآخرة إذا داموا ولم ينكثوا. ويدل عليه الإطلاق في الصافات في قوله : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فئامنوا فمتعناهم إلى حين [ الصافات : الآيتان ١٤٧، ١٤٨ ] فلما سلموا ولم يأتهم العذاب كان نبي الله يونس زعم أنه إن رجع إليهم قالوا : قلت : إنا نهلك بالعذاب ولم نهلك، فقد جربنا عليك الكذب. فخرج من غير إذن، فدخل في البحر، فلما دخل معهم في البحر وقفت السفينة ولم تمش، فقالوا : لعل فيها عبدا آبق على ربه، هنا عبد آبق على ربه، فاجعلوا القرعة نقترع، فإن سقطت القرعة على واحد ألقيناه في البحر، فهو العبد الآبق على ربه. فصاروا كلما اقترعوا تسقط القرعة على يونس. فقالوا : هذا العبد آبق على ربه ؛ لأنه خرج بغير إذن. كما قال تعالى : إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين [ الصافات : الآيتان ١٤٠، ١٤١ ] يعني كان سهمه داحضا ؛ لأنه هو الذي تأتي القرعة أنه يرمى في البحر. فرموه في البحر فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون [ الصافات : الآيات ١٤٢ ١٤٤ ] كما قص الله قصته في آيات من كتابه، وهو نبي الله يونس بن متى. والمؤرخون لا يكادون يصلون له نسبا إلى محله، وهو ابن متى ك ( حتى ) أرسل لجماعة في ( نينوى ) من بلاد الموصل، هكذا يقولون.
وقوله : ولوطا هو نبي الله لوط ابن أخي إبراهيم، وقد هاجر معه من بلاد العراق، إلى بلاد الشام، مهاجر إبراهيم، كما قال الله جل وعلا : فئامن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي [ العنكبوت : آية ٢٦ ] بعض المؤرخين يقولون : هاجر معه، وبعضهم يقول : لم يهاجر معه. واستدل بما ثبت في الصحيح أن إبراهيم قال لسارة : ليس على وجه الأرض مسلم غيري وغيرك. وعلى كل حال : الله بين أن لوطا آمن بإبراهيم.
والمعروف في التاريخ أنه هاجر معه إلى الشام، ثم إن الله أرسل لوطا إلى قرى ( سدوم )، كما هو معروف.
وكلا فضلنا على العالمين وكلا من أولئك الأنبياء فضلنا على العالمين، عالمي زمانهم، فلا يلزم من ذلك تفضيلهم على من بعدهم كالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه أفضلهم.
وكان بعض العلماء يقول : آية الأنعام هذه مما استدل به العلماء على أن الأنبياء من الآدميين أفضل من الملائكة ؛ لأن الملائكة يدخلون في اسم العالمين ، بدليل قوله : قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين [ الشعراء : الآيتان ٢٣، ٢٤ ] قالوا : والله فضلهم على العالمين، والتفضيل بين الرسل والملائكة معروف عند العلماء، ولم يقم عليه دليل قاطع، ولا حاجة لنا فيه. لو لقي الإنسان ربه وهو لم يبحث في التفضيل بينهم لم يسأله عن ذلك، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وهذا معنى قوله : وكلا فضلنا على العالمين .
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير