أخرج الشيخان عن جابر ابن عبد الله قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عير قد قدمت فخرجوا إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا )١ وقال ابن عباس في رواية الكلبي لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط وفي صحيح أبي عوانة أن جابرا قال كنت فيمن بقي رواه الدارقطني بلفظ فلم يبق إلا أربعون رجلا وإسناده ضعيف تفرد به علي ابن عاصم وخالف أصحاب حصين فيه، وروى العقيلي من حديث جابر أيضا وزاد كان من الباقين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وأبو عبيدة أو عمار الشك من أسد ابن عمر الراوي وبلال وابن مسعود وهؤلاء أحد عشر رجلا وجابر ثاني عشر فأنزل الله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا أي تفرقوا إليها الجملة الشرطية معطوفة على الشرطية السابقة وفيها التفات من الخطاب على الغيبة أفراد الضمير للتجارة برد الكناية إليها لأنها المقصود فإن المراد من اللهو الطبل الذي كانوا يستقبلون به العير والترديد للدلالة على أن منهم من انفض لمجرد سماع ورؤيته، وأخرج ابن جرير عن جابر أيضا قال كان الجواري إذا نكحوا يمرون بالكبر والمزامير ويتركون النبي صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر فينفضون إليها فنزلت قال صاحب لباب النقول فكأنها نزلت في الأمرين معا قال ثم رأيت ابن المنذر أخرجه عن جابر بقصة النكاح وقدوم العير معا من طريق واحد وأنها نزلت في الأمرين فلله الحمد وعلى هذا فالوجه لإفراد الضمير راجعا إلى التجارة للدلالة على أن الانفضاض إلى التجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموما كان الانفضاض إلى اللهو أولى بذلك، وقيل تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه وقال الحسن وأبو مالك أصاب أهل المدينة جوع وإلا سعر فقدم دحية ابن خليفة زيت من الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا رهط منهن أبو بكر وعمر فنزلت هذه الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى لا يبق منكم أحد سال بكم الوادي نارا ) وقال مقاتل بيننا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذا أقبل دحية ابن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة فكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق إلا أتته وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق وبرو غيره فنزل عند أحجار الزيت وهو مكان من سوق لمدينة ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج إليه الناسي ليبتاعوا منه فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس فلم يبق في المجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كم بقي في المسجد فقالوا اثنا عشر رجلا وامرأة فقال النبي صلى اله عليه وسلم :( لولا هؤلاء لقد سومت لهم الحجارة من السماء ) فأنزل الله هذه الآية وأراد باللهو الطبل، قيل كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفيق وتركوك قائما تخطب كذا صرح مسلم في رواية أنهم انفضوا وهو يخطب ورجحه البيهقي على رواية من روى وهو يصلي يجمع بينهما بأن يراد من قال وهو يصلي يخطب مجازا وقد مر فيما سبق حديث كعب ابن عجرة وقال علقمة سئل عبد الله كان النبي صلى الله عليه وسلم قائما أو قاعدا قال أما تقرأ وتركوك قائما وفي قصة انفضاض الناس في حالة الخطبة وبقاء اثني عشر رجلا دليل على جواز الجمعة بأقل من أربعين رجلا واحتمال أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل بهم الجمعة وصلى الظهر أو أنهم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد الانفضاض أو اجتمع إليه رجال آخرون وغيرهم فصلى بهم أمر لا يقتضيه سياق القصة لا دليل عليه، ولو كان شيء من الاحتمالات المذكورة نقل والله تعالى أعلم، وليس في القصة دليل على اشتراط اثني عشر رجلا كما قال بعضهم كما أنه لا دليل في قصة أسعد ابن زرارة أنه صلى أول جمعة جمع أربعين على اشتراط أربعين رجلا، ولا في صلاته صلى الله عليه وسلم في بني سالم ابن عمر بمائة رجل على اشتراط المائة والله تعالى أعلم.
مسألة : لو شرع الإمام بعدد ينعقد بهم الجمعة على اختلاف الأقوال فذهب منهم واحد ولم يبق ذلك العدد، قال أبو حنيفة قبل سجود الإمام في الركعة الأولى بطلت الجمعة ويستأنف بالظهر وإن ذهب بعد سجوده أتمها جمعة وقال مالك إن انفضوا بعد تمام الركعة بسجدتيها أتمها جمعة وقال أحمد إن انفضوا بعد إحرام أتمها جمعة وقال الشافعي في أصح أقواله أن بقاء الأربعين إلا آخر الصلاة شرط كما إن بقاء الوقت أن يصلوها أربعا ظهرا وفي قول الشافعي إن بقي معه اثنان أتمها جمعة وفي قول له إن بقي واحد أتمها جمعة وعند المزني إن انفضوا بعدما صلى بهم الإمام ركعة أتمها جمعة وإن لم يبق مع الإمام واحد وإن كان في الركعة الأولى يتمها أربعا إن انتقص من أربعين واحد وقال زفر إن نفروا قبل القعدة بطلت الجمعة واستأنفت ظهرا.
مسألة : إذ أدرك المسبوق مع الإمام شيئا من الصلاة سواء أدرك قعدة أو سجدة سهو أتمها جمعة عند أبي حنيفة وعند مالك والشافعي وأحمد أدرك ركعة أدرك الجمعة وأتمها وإن أدرك دونها أتمها ظهرا وقال الطاووس لا يدرك الجمعة ما لم يدرك الخطبتين والله تعالى أعلم قل ما عند الله من الثواب على الصلاة والثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم ( خير من اللهو ومن التجارة ) فإن ذلك محقق قوي محلا بخلاف ما يتوهمون من نفعها والله خير الرازقين أنه يوجب الأرزاق فإياه فاسئلوا ومنه طلبوا.
مسألة : يستحب الإجمال في طلب الرزق واقتصاد ويكره الحرص وحب المال عن أبي حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( أجملوا في طلب الدنيا فإن كلكم ميسر لما كتب له ) رواه الحاكم وأبو الشيخ وابن ماجه ونحوه، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا أيها الذين إن الغني ليس عن كثرة العرض لكن الغنى غنى النفس وإن الله يؤتي عبده ما كتب له من الرزق فأجملوا في الطلب خذوا ما حل ودعوا ما حرم ) رواه أبو يعلى وسنده حسن وأوله متفق عليه، وعن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الرزق ليطلب العبد كما يطلب الأجل ) رواه ابن حبان والبزار والطبراني ولفظه ( إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه )وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لو فر أحدكم من رزقه أدركه كما يدركه ) رواه الطبراني في الأوسط والصغير بسند حسن، وعن سعد ابن أبي وقاص يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي ) رواه أبو عوانة وابن حبان، وعن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من أصبح وهمه الدنيا ليس من الله في شيء ومن لم يهتم بالمسلمين فليس منهم ومن أعطي الذلة في نفسه ذائعا غير مكره فليس منا ) رواه الطبراني، وعن كعب ابن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف )٢ رواه الترمذي صححه هو وابن حبان وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع ) ٣ رواه النسائي وهو عند مسلم والترمذي من حديث زيد ابن أرقم وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لو كان لابن آدم واديان من مال لا يبتغى إليهما ثالثا وما يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب } ٤.
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد ٢٣٧٦.
٣ أخرجه النسائي في كتاب: الاستعاذة باب: الاستعاذة من قلب لا يخشع ٥٤٤٠ وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والاستغفار باب: التعوذ من شر ما عمل وشر ما لم يعمل ٢٧٢٢ وأخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات ٣٤٨٢.
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق باب: ما يتقي من قتنة المال ٦٤٣٦ وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة باب: لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثا ١٠٤٩.
التفسير المظهري
المظهري