ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎ

المعنى الجملي : بعد أن نعى على اليهود فرارهم من الموت حبا في الدنيا والتمتع بطيباتها- ذكر هنا أن المؤمن لا يمنع من اجتناء ثمار الدنيا وخيراتها مع السعي لما ينفعه في الآخرة كالصلاة يوم الجمعة في المسجد مع الجماعة، فعليه أن يعمل للدنيا والآخرة معا، فما الدنيا إلا مزرعة الآخرة كما ورد في الأثر :" اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ".
ثم نعى على المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تشاغلهم عن سماع عظاته وهو يخطب على المنبر بأمور الدنيا من تجارة وضرب دفّ وغناء بالمزامير ونحو ذلك، وأبان لهم أن ما عند الله من الثواب والنعيم المقيم خير لهم من خيرات الدنيا والتمتع بلذاتها الفانية.
والمراد باللهو : الطبول والمزامير ونحوها، انفضوا : أي انصرفوا، قائما : أي على المنبر وأنت تخطب.
ثم عاتب سبحانه عباده المؤمنين على ما كان منهم من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ فقال :
وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما أي وإذا رأى المؤمنون عيرة تجارة أو لهوا أسرعوا وتركوك قائما وأنت تخطب الناس.
أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي في جماعة عن جابر بن عبد الله قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائما إذا قدمت عير ( إبل محملة طعاما من دقيق وبرّ وزيت ) فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلا أنا فيهم وأبو بكر وعمر فأنزل الله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا إلى آخر السورة.
والذي قدم بهذه التجارة دحية الكلبي من الشام، وكان إذا قدم لم تبق عاتق ( الشابة حين أدركت ) بالمدينة، إلا أتته ؛ ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه، فيخرجوا ليبتاعوا منهم، وكان ذلك طريق الإعلان عن التجارة حينئذ.
ثم رغبهم في سماع العظات فقال :
قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة أي قل لهم مبينا خطأ ما عملوا : ما عند الله مما ينفعكم في الآخرة خير لكم مما يفيدكم في الدنيا من التمتع بخيراتها، وكسب لذاتها، فتلك باقية، وهذه فانية.
والله خير الرازقين فإليه سبحانه فاسعوا، ومنه فاطلبوا الرزق، ولن يفوتكم ذلك بسماع عظاته، فالله كفيل برزقكم، ولن ينقص بترككم البيع والشراع حين الصلاة، وحين سماع العظات والنصائح.
ولله الحمد في الآخرة والأولى، وله الحكم وإليه ترجعون.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير