– وقوله تعالى : وأشهدوا ذوى عدل منكم :
اختلف في الإشهاد المأمور به على أي شيء أمر الله تعالى أن يكون ؟ فقال الجمهور : الرجعة. وقال ابن عباس : المراد على الرجعة وعلى الطلاق لأن الإشهاد يرفع من النوازل إشكالات كثيرة ١ وهو أظهر لأنه جاء عقبهما جميعا فوجب أن يرجع إليهما. وقد اختلف في الإشهاد على الرجعة هل هو واجب أم لا ؟ فحكى ابن القصار في كتابه أنه مستحب. وحكى إسماعيل القاضي عن مالك أنه واجب لرفع الدعاوي وتحصين الفروج والأنساب والطلاق في هذا ينبغي أن يكون كالرجعة لأن اللفظ يعمهما كما قدمنا على القول الأظهر. وإذا كان كذلك فإما أن يكون الإشهاد عليهما جميعا ندبا وإما أن يكون واجبا. وحكى عبد الحق ٢ عن بعض شيوخه الفرق بين وجوب الإشهاد على الرجعة وعدم وجوبه في الطلاق والبيع. وذلك في أن الفرق بين الرجعة والبيع أن الله تعالى قال في البيع : فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته [ البقرة : ٢٨٣ ] فدل ذلك على أن الإشهاد على البيع غير واجب، وسكت عن الفرق بين الرجعة والطلاق، ولا فرق بينهما لما قدمناه. وقال ابن بكير : معنى ذلك أن يشهد ذوي عهد على مراجعتها إن راجعها وعند انقضاء عدتها إن لم يراجعها أنه قد طلقها وأن عدتها قد انقضت خوفا من أن يموت فتدعي أنها زوجة لم تطلق، أو تموت هي فيدعي الزوج ذلك. قال : وينبغي إن طلق طلاقا بائنا أن يشهد أيضا حين الطلاق أنها قد بانت منه حسبما ذكرنا لأن معنى البائن معنى التي انقضت عدتها ويلزم ٣ على قياس قوله أن يلزم الإشهاد في الطلاق الرجعي حين الطلاق مخافة الموت. وإذا قلنا إن الإشهاد بالآية واجب فمعناه إنما يكون بتركه إنما لتضييع ٤ الفروج وما يتعلق بذلك من الحقوق من غير أن يكون ذلك شرطا في صحة الرجعة أو الطلاق. وقد تقدم الكلام في العدالة ما هي فلا معنى لإعادته. ويؤخذ من هذه الآية أنه إنما يشهد في النكاح أو الطلاق الرجال دون النساء لقوله تعالى : ذوى عدل منكم خلافا لمن أجاز في ذلك شهادة النساء من أهل العراق، وخلافا لمن أجازها منهم في النكاح دون الطلاق لأنه تعالى لما قال : ذوى عدل منكم على أنه لا يجيء غير ذلك لأنه تعالى إنما ذكر أقل ما يجوز في ذلك كقوله تعالى في شهادة الأموال : فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان [ البقرة : ٢٨٢ ] ولا فرق بين النكاح والطلاق وبين الحدود. وقد منعوا شهادتهن في الحدود، ولا فرق بينهما ٥.
وقوله تعالى : وأقيموا الشهادة لله :
أمر بالشهود بأن يشهدوا إذا استشهدوا. وهو عند أهل العلم أمر وجوب يقوم به بعض الناس عن بعض كالجهاد وصلاة الجنازة وما أشبههما. فإذا كان الرجل في موضع ليس فيه من يحمل ذلك عنه تعين عليه الوجوب في خاصته ٦.
وقوله : ذلكم يوعظ به :
إشارة إلى إقامة الشهادة.
وقوله تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا :
اختلف في معناه. فقال ابن عباس : أي من يتق الله تعالى يخلصه من كرب الدنيا وكرب الآخرة. وقال بعضهم ما يعضد هذا التأويل ٧. قال نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي ٨ وذلك أنه أسر ولده وقدر عليه رزقه فشكى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره بالتقوى. فلم يلبث أن تفلت ولده وأخذ قطيعا من غنم الذين أسروه. فسأل عوف رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتطيب له تلك الغنم ؟ قال : " نعم " فنزلت الآية ٩. وقال علي بن أبي طالب وأكثر المفسرين : معناه في الطلاق أي من لا يتعدى في طلاق السنة إلى طلاق الثلاث يجعل الله تعالى له مخرجا إن ندم بالرجعة ويرزقه ما يطعم أهله ويوسع عليه. ومن لا يتقي الله فربما طلق وبت وندم فلم يكن له مخرج وزال عنه رزق زوجته. وهذا القول في الآية يدل على أن طلاق الثلاث إذا وقع لازم لأنه لم يجعل لمن أوقعه مخرجا أي أنها قد بانت منه بما قال فلا رجعة له، وعلى هذا الذي دلت عليه الآية أئمة الفتوى. وكان الحجاج بن أرطأة ١٠ لا يرى طلاق الثلاث شيئا، وهو قول داود الظاهري. وكان محمد بن إسحاق ١١ يقول ترد الثلاثة إلى واحدة١٢ ويحتج بحديث ركانة١٣ روي عن ابن عباس قال : قد طلق ركانة بن يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا. فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف طلقتها ؟ " قال : ثلاثا في مجلس واحد. قال : " إنما ذلك واحدة فارتجعها إن شئت ". فارتجعها. قال الطحاوي : وهو حديث منكر قد خالفه ما هو أولى منه، وهو حديث خطأ. وإنما طلق ركانة زوجته ألبتة لا ثلاثا، كذلك رواه الثقات من أهل بيت ركانة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أردت ؟ " قال : والله ما أردت إلا واحدة. فردها النبي صلى الله عليه وسلم. فطلقها الثانية في زمان عمر والثالثة في زمان عثمان. قال أبو داود : وهذا أصح ما روي في حديث ركانة ١٤. وجاء عن ابن عباس أيضا أنه قال لمطلق ثلاثا : إنك لم تتق الله فبانت منك امرأتك ولا أرى لك مخرجا ١٥ وفسر بذلك الآية.
٢ عبد الحق: هو أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية الغرناطي. مفسر وفقيه أندلسي. صاحب المحرر الوجيز. اختلف في تاريخ وفاته. انظر قضاة الأندلس ص ١٩..
٣ "بائنا أن يشهد أيضا حين الطلاق.... إلى: ويلزم " كلام ساقط في (أ)..
٤ في (هـ): "في تركه إنما لتحصين"..
٥ راجع أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٢٤، والجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٥٨، ١٥٩..
٦ في (أ)، (ز): "في خاصة نفسه"..
٧ وقيل غير ذلك فراجعه في الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٥٩..
٨ عوف بن مالك الأشجعي: هو الصحابي الشجاع عوف بن مالك الأشجعي الغطفاني حضر خيبر. توفي سنة ٧٣هـ/ ٦٧٢م. انظر الإصابة لابن حجر ٣/ ٤٣..
٩ راجع لباب النقول ص ٧٨٠..
١٠ الحجاج بن أرطأة: هو الحجاج بن أرطأة النخعي من رواة الحديث وحفاظه. ولي القضاء بالبصرة. توفي سنة ١٤٥هـ/ ٧٦٢م. انظر تهذيب التهذيب ٢/ ١٩٦..
١١ محمد بن إسحاق: هو محمد بن إسحاق بن سيار المدني من أكبر مؤرخي العرب له السيرة النبوية وكتاب الخلفاء. توفي سنة ١٥٩هـ/ ٧٦٨م. انظر تهذيب التهذيب ٧/ ١٣٨..
١٢ راجع المنتقى، كتاب الطلاق، باب: ما جاء في البتة ٤/ ٣..
١٣ ركانة: هو ركانة بن يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف المطلبي. أسلم في الفتح وقيل غير ذلك. مات في خلافة معاوية وقيل في خلافة عثمان. انظر الإصابة ١/ ٥٠٦..
١٤ الحديث أخرجه أبو داود في سننه عن ابن عمر، كتاب الطلاق، باب: في كراهية الطلاق ٢/ ٦٣٢..
١٥ ذكره الباجي عن مجاهد في المنتقى، كتاب الطلاق، باب: ما يجوز إيقاعه في الطلاق ٤/٥..
أحكام القرآن
ابن الفرس