ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

تمهيد :
نجد في ختام السورة مثلا لزوجتين كافرتين في بيتي نبيّين كريمين، ومع شدة القرب بين الزوجة وزوجها، فإن هذا القرب لم يغنِ عنهما من عذاب الله شيئا.
فموازين الله عادلة، ولكل عامل جزء عمله، ولن ينفع المسيء قرب أفضل الرسل منه، ولن يضرّ لصالح قرب أظلم الناس منه.
لذلك ضرب الله مثلا للذين آمنوا بزوجة فرعون، فهذا المَلِك كان يملك الملك والجاه والسلطان والقصر، وزوجته في الذروة العليا من مظاهر الدنيا، لكنها تعالت على كل ذلك، وطلبت النجاة من فرعون وعمله، ومن الظالمين من حاشيته وملئه، ورغبت في جنة الله، وفي بيت من بيوت هذه الجنة، إنها نموذج حيّ لعائشة وحفصة ولسائر المؤمنات، وفي الآية الأخيرة نموذج ثان لامرأة مؤمنة، آمنت بالله وتحصنت بالعفة، فنفخ جبريل بأمر الله في جيب قميصها، فوصلت النفخة إلى فرجها، فحملت بعيسى وصدّقت بكتب الله وكلماته، وكانت من القانتين العابدين، فجعلها الله نموذجا يحتذى لأهل الإيمان، وجعلها ضمن أربع كاملات فضليات سيدات نساء أهل الجنة :

١-
آسية امرأة فرعون.

٢-
مريم ابنة عمران.

٣-
خديجة الكبرى.

٤-
فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم.
المفردات :
أحصنت فرجها : حفظته وصانته.
الفرج : شق جيب الدرع ( القميص ) إذ الفرج لغة : كل فُرجة بين الشيئين، ويراد بذلك عفتها.
كلمات ربها : شرائعه وكتبه التي أنزلها على رسله.
القانتين : الطائعين المخبتين إلى الله، المتمثلين أوامره.
التفسير :
١٢- وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ .
ونموذج آخر للمثل الأعلى للمرأة المؤمنة، و مريم ابنة عمران البتول الطاهرة المتعبدة الصالحة الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا. أي : حفظته من كل فاحشة، كالحصن الذي يتحصن به الجنود فلا يصل إليهم الأعداء، والمرأة المحصنة هي الفاضلة المستقيمة البعيدة عن الريبة، فقد وصفها الله بالطهارة والاستقامة، وبُعدها عن الفاحشة، حيث أحصنت فرجها وحفظته عن الحرام.
وحينما ظهر لها جبريل في صورة بشر، قالت : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( ١٨ ) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ( ١٩ ) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( ٢٠ ) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ( ٢١ ) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا. ( مريم : ١٨-٢٢ ) .
هذه المرأة رفعها إيمانها الكامل، وطاعتها لربها، وعفتها وإحصانها لفرجها، وبُعدها عن الزنا والفاحشة، فنفخ جبريل في جيب قميصها، فوصلت النفخة إلى فرجها، فحملت بعيسى عليه السلام، كما هو مفصّل في سورة مريم وغيرها من السّور.
وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ .
وآمنت بشرائع الله وكتبه وصحفه، كصحف إدريس وصحف إبراهيم وموسى، وصدقت ببشارة الله لها، أنها ستحمل ولدا بدون أب، ليكون آية بينة للبشرية كلها على قدرة الله الخارقة، وأنه سبحانه هو المسبب للأسباب، وأن أمره بين الكاف والنون.
قال تعالى : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . ( يس : ٨٢ ).
وقال تعالى : إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون . ( آل عمران : ٥٩ )
وثبت في الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كَمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع : آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". ١٠

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير