(و) ضرب الله مثلاً للذين آمنوا (مريم ابن عمران) أي حالها وصفتها فمثل حال المؤمنين بامرأتين، كما مثل حال الكفار بامرأتين، وقيل: التقدير اذكر مريم والمقصود من ذكرها أن الله سبحانه جمع لها بين كرامتي الدنيا والآخرة، واصطفاها على نساء العالمين مع كونها بين قوم كافرين (التي أحصنت) حفظت (فرجها) عن الفواحش وعن الرجال فلم يصل إليها رجل لا بنكاح ولا بزنا، والمحصنة العفيفة، وقد تقدم تفسير هذا في سورة
صفحة رقم 223
النساء، قال المفسرون: المراد بالفرج هنا الجيب لقوله: (فنفخنا فيه من روحنا) المخلوقة لنا، وذلك أن جبريل نفخ في جيب درعها أي طوق قميصها، فحملت بعيسى عقب النفخ، فالنفخ والحمل والوضع في ساعة واحدة، والإسناد في نفخنا مجازي، أي فأسند إلى الله من حيث أنه الخالق والموجد، وقيل المراد بالروح روح عيسى التي صار بها حياً فوصلت إلى فرجها بواسطة نفخ جبريل، وإضافة الروح إلى الله إضافة مخلوق لخالقه للتشريف.
(وصدقت بكلمات ربها) يعني بشرائعه التي شرعها الله لعباده، وقيل: المراد بالكلمات عيسى وقيل صحفه التي أنزلها على إدريس وغيره، قرأ الجمهور صدقت بالتشديد، وقرىء بالجمع والمراد على الأول الجنس، فيكون في معنى الجمع وهي الكتب المنزلة على الأنبياء كإبراهيم وموسى وابنها عيسى.
(وكانت من القانتين) قال قتادة من القوم المطيعين لربهم، وقال عطاء: من المصلين كانت تصلي بين المغرب والعشاء، ويجوز أن يراد بالقانتين رهطها وعشيرتها الذين كانت منهم، وكانوا مطيعين أهل بيت صلاح وطاعة، ولا كان القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين غلب ذكوره على إناثه، وفيه إشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين حتى عدت من جملتهم، ومن للتبعيض، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية على أنها ولدت من القانتين، لأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليهما السلام.
" عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسيا بنت مزاحم امرأة فرعون، ما قص الله علينا من خبرها في القرآن قالت رب ابن لي عندك الآية (١) أخرجه أحمد والطبراني والحاكم، وفي الصحيحين وغيرهما:
_________
(١) رواه أحمد.
" من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " (١).
_________
(١) رواه مسلم.
سورة الملك
وتسمى سورة تبارك والواقية والمنجية، وتدعى في التوراة (١)، المانعة، وهي ثلاثون آية، وهي مكية قال القرطبي: في قول الجميع، وعن ابن عباس قال: نزلت بمكة.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له تبارك الذي بيده الملك " (٢)، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن الضريس والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الشعب والترمذي وقال: هذا حديث حسن.
وعن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: " سورة في القرآن خاصمت عن صحابها حتى أدخلته الجنة: تبارك " الآية أخرجه الطبراني في الأوسط وابن مردويه والضياء في المختارة.
وعن ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي - ﷺ -
_________
(١) كيف ورد ذكرها في التوراة لا ندري؟؟ سامح الله المؤلف.
(٢) رواه أحمد؛ المسند وأصحاب السنن الأربعة بسند حسن.
خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي - ﷺ - فأخبره فقال رسول الله - ﷺ -: " هي المانعة هي المنجية من عذاب القبر " أخرجه الحاكم وابن مردويه وابن نصر والبيهقي في الدلائل والترمذي وقال هذا حديث غريب من هذا الوجه.
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: " تبارك هي المانعة من عذاب القبر " (١) أخرجه ابن مردويه والنسائي وصححه الحاكم.
وعن رافع بن خديج وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول: أنزلت عليّ سورة تبارك وهي ثلاثون آية جملة واحدة وهي المانعة في القبور " أخرجه ابن مردويه.
وعن ابن عباس أنه قال لرجل ألا أتحفك بحديث تفرح به، قال بلى قال اقرأ تبارك الذي بيده الملك وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيك وجيرانك فإنها المنجية والمجادلة تجادل يوم القيامة عند ربها لقارئها وتطلب له أن ينجيه الله من عذاب النار وينجو بها صاحبها من عذاب القبر، قال رسول الله - ﷺ -: " لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي " أخرجه عبد بن حميد في مسنده والطبراني والحاكم وابن مردويه.
_________
(١) ذكره السيوطي في الدر ٦/ ٢٤٦ من رواية ابن مردويه عن ابن مسعود موقوفاً عليه وهو ضعيف.
بسم الله الرحمن الرحيم
تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) صفحة رقم 229فتح البيان في مقاصد القرآن
أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي
عبد الله بن إبراهيم الأنصاري