ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

وَلَعَلَّ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ كَانَتْ مِنْ بَنَاتِ إِسْرَائِيلَ تَزَوَّجَهَا فِرْعَوْنُ فَكَانَتْ مُؤْمِنَةً بِرِسَالَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ حَكَى بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهَا عَمَّةُ مُوسَى، أَوْ تَكُونُ هَدَاهَا اللَّهُ إِلَى الْإِيمَان بمُوسَى كَمَا هَدَى الرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ غَافِرٍ.
وسماها النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آسِيَةَ
فِي قَوْلِهِ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَأَرَادَتْ بِعَمَلِ فِرْعَوْنَ ظُلْمَهُ، أَيْ نَجِّنِي مِنْ تَبِعَةِ أَعْمَالِهِ فَيَكُونُ مَعْنَى نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ مِنْ صُحْبَتِهِ طَلَبَتْ لِنَفْسِهَا فَرَجًا وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
وَمَعْنَى قالَتْ أَنَّهَا أَعْلَنَتْ بِهِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ فِرْعَوْنَ اطَّلَعَ عَلَيْهَا وَأَعْلَنَ ذَلِكَ لِقَوْمِهِ وَأَمَرَ بِتَعْذِيبِهَا فَمَاتَتْ فِي تَعْذِيبِهِ وَلَمْ تَحُسَّ أَلَمًا.
وَالْقَوْمُ الظَّالِمُونَ: هُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ. وَظُلْمُهُمْ: إِشْرَاكُهُمْ بِاللهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهَا: ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ مُؤْذِنٌ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ صَدُّوهَا عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ وزيّنوا لَهَا أَنا إِنْ آمَنَتْ بِمُوسَى تُضَيِّعْ مُلْكًا عَظِيمًا وَقَصْرًا فَخِيمًا أَوْ أَنَّ فِرْعَوْنَ وَعَظَهَا بِأَنَّهَا إِنْ أَصَرَّتْ عَلَى ذَلِكَ تُقْتَلْ، فَلَا يَكُونُ مَدْفَنُهَا الْهَرَمَ الَّذِي بَنَاهُ فِرْعَوْنُ لِنَفْسِهِ لدفنه فِي بادىء الْمُلُوكِ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا رَوَاهُ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ بَيْتَهَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ دُرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَتَكُونُ مُشَابِهَةَ الْهَرَمِ الَّذِي كَانَ مُعَدًّا لِحَفْظِ جُثَّتِهَا بَعْدَ مَوْتِهَا وَزَوْجِهَا. فَقَوْلُهَا ذَلِكَ كَقَوْلِ السَّحَرَةِ الَّذِينَ آمَنُوا جَوَابًا عَنْ تَهْدِيدِ فِرْعَوْنَ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى مَا جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قاضٍ الْآيَةَ فِي سُورَة طه [٧٢].
[١٢]
[سُورَة التَّحْرِيم (٦٦) : آيَة ١٢]
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)
عطف على امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ، أَيْ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ، فَضَرَبَ مَثَلَيْنِ فِي الشَّرِّ وَمَثَلَيْنِ فِي الْخَيْرِ.
وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَسَبِهَا وَكَرَامَتِهَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَغَيْرِهَا،

صفحة رقم 377

وَقَدْ ذكر الله باسمها فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ ابْنُ التِّلْمِسَانِيِّ فِي «شَرْحِ الشِّفَاءِ» لِعِيَاضٍ: لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ امْرَأَةً فِي الْقُرْآنِ بِاسْمِهَا إِلَّا مَرْيَم للتّنْبِيه عَلَى أَنَّهَا أَمَةُ اللَّهِ إِبْطَالًا لِعَقَائِدِ النَّصَارَى.
وَالْإِحْصَانُ: جَعْلُ الشَّيْءِ حَصِينًا، أَيْ لَا يُسْلَكُ إِلَيْهِ. وَمَعْنَاهُ: مَنَعَتْ فَرْجَهَا عَنِ الرِّجَالِ.
وَتَفْرِيعُ فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا تَفْرِيعُ الْعَطِيَّةِ عَلَى الْعَمَلِ لِأَجْلِهِ. أَيْ جَزَيْنَاهَا عَلَى
إِحْصَانِ فَرْجِهَا، أَيْ بِأَنْ كَوَّنَ اللَّهُ فِيهِ نَبِيئًا بِصِفَةٍ خَارِقَةِ لِلْعَادَةِ فَخَلَّدَ بِذَلِكَ ذِكْرَهَا فِي الصَّالِحَاتِ.
وَالنَّفْخُ: مُسْتَعَارٌ لِسُرْعَةِ إِبْدَاعِ الْحَيَاةِ فِي الْمُكَوَّنِ فِي رَحِمِهَا. وَإِضَافَةُ الرُّوحِ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ لِأَنَّ تَكْوِينَ الْمَخْلُوقِ الْحَيِّ فِي رَحِمِهَا كَانَ دُونَ الْأَسْبَابِ الْمُعْتَادَةِ، أَوْ أُرِيدَ بِالرُّوحِ الْمَلَكُ الَّذِي يُؤْمَرُ بِنَفْخِ الْأَرْوَاحِ فِي الْأَجِنَّةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ مِنْ تَبْعِيضِيَّةً، وَعَلَى الثَّانِي تَكُونُ ابْتِدَائِيَّةً، وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ [٩١].
وَتَصْدِيقُهَا: يَقِينُهَا بِأَنَّ مَا أَبْلَغَ إِلَيْهَا الْمَلَكُ مِنْ إِرَادَةِ الله حملهَا.
وبِكَلِماتِ رَبِّها: هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَيْهَا بِطَرِيقِ الْوَحْي.
ووَ كُتُبِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ «الْإِنْجِيلَ» الَّذِي جَاءَ بِهِ ابْنُهَا عِيسَى وَهُوَ إِن لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا فِي زَمَنِ عِيسَى فَقَدْ كَتَبَهُ الْحَوَارِيُّونَ فِي حَيَاةِ مَرْيَمَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَاد ب كُتُبِهِ، أَرَادَهُ اللَّهُ وَقَدَّرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْ دُونِ مَسِّ رَجُلٍ إِيَّاهَا مِنْ بَابِ وَكَانَ كِتَابًا مَفْعُولًا.
وَالْقَانِتُ: الْمُتَمَحِّضُ لِلطَّاعَةِ. يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ومِنْ لِلِابْتِدَاءِ.
وَالْمُرَادُ بِالْقَانِتِينَ: الْمُكْثِرُونَ مِنَ الْعِبَادَةِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهَا كَانَتْ سَلِيلَةَ قَوْمٍ صَالِحِينَ، أَيْ فَجَاءَتْ عَلَى طَرِيقَةِ أُصُولِهَا فِي الْخَيْرِ وَالْعَفَافِ.
وَهَلْ يُنْبِتُ الْخَطِّيُّ إِلَّا وَشِيجَهُ

صفحة رقم 378

وَهَذَا إِيمَاءٌ إِلَى تَبْرِئَتِهَا مِمَّا رَمَاهَا بِهِ الْقَوْمُ الْبُهْتُ.
وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ [النُّور: ٢٦].
وَيَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، أَيْ هِيَ بَعْضُ مَنْ قَنَتَ لِلَّهِ. وَغَلَبَتْ صِيغَةُ جَمْعِ الذُّكُورِ وَلَمْ يَقُلْ: مِنَ الْقَانِتَاتِ، جَرْيًا عَلَى طَرِيقَةِ التغليب وَهُوَ من تَخْرِيجُ الْكَلَامِ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ مِثَالٌ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي.
وَنُكْتَتُهُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهَا فِي عِدَادِ أَهْلِ الْإِكْثَارِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَأَنَّ شَأْنَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِلرِّجَالِ لِأَنَّ نِسَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كُنَّ مَعْفَيَاتٍ مِنْ عبادات كَثِيرَة.
ووصفت مَرْيَمَ بِالْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ لِأَنَّهَا عُرِفَتْ بِتِلْكَ الصِّلَةِ مِنْ قَصَّتِهَا الْمَعْرُوفَةِ مِنْ تَكَرُّرِ ذِكْرِهَا فِيمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
وَفِي ذِكْرِ الْقانِتِينَ إِيمَاءٌ إِلَى مَا أَوْصَى اللَّهُ بِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ [الْأَحْزَاب: ٣١] الْآيَةَ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَكِتَابِهِ. وَقَرَأَهُ حَفْصٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ وَكُتُبِهِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، أَيْ آمَنَتْ بِالْكُتُبِ الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَ عِيسَى وَهِي «التَّوْرَاة» و «الزبُور» وَكُتُبُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بني إِسْرَائِيل، و «الْإِنْجِيل» إِنْ كَانَ قَدْ كَتَبَهُ الْحَوَارِيُّونَ فِي حَيَاتهَا.
الْجُزْء التَّاسِع وَالْعشْرُونَ

صفحة رقم 379

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

٦٧- سُورَةُ الْمُلْكِ
سَمَّاهَا النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «سُورَةَ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ»
فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لرجل حَتَّى غفر لَهُ وَهِيَ «سُورَةُ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ»
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
فَهَذَا تَسْمِيَةٌ لِلسُّورَةِ بِأَوَّلِ جُمْلَةٍ وَقَعَتْ فِيهَا فَتَكُونُ تَسْمِيَةً بِجُمْلَةٍ كَمَا سُمِّيَ ثَابِتُ بْنُ جَابِرٍ (تَأَبَّطَ شَرًّا) وَلَفْظُ «سُورَةٍ» مُضَافٌ إِلَى تِلْكَ الْجُمْلَةِ الْمَحْكِيَّةِ.
وَسُمِّيَتْ أَيْضًا «تَبَارَكَ الْمُلْكُ» بِمَجْمُوعِ الْكَلِمَتَيْنِ فِي عهد النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيسمع مِنْهُ فِيمَا
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: ضَرَبْتُ خِبَائِي عَلَى قَبْرٍ وَأَنَا لَا أَحْسَبُ أَنَّهُ قَبْرٌ فَإِذَا فِيهِ إِنْسَانٌ (أَيْ دَفِينٌ فِيهِ) يَقْرَأُ سُورَةَ «تَبَارَكَ الْمُلْكُ» حَتَّى خَتَمَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ الْمُنْجِيَةُ تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»
حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ فَيَكُونُ اسْمُ السُّورَةِ مَجْمُوعَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلَى طَرِيقَةِ عَدِّ الْكَلِمَاتِ فِي اللَّفْظِ دُونَ إِضَافَةِ إِحْدَاهُمَا إِلَى

صفحة رقم 5

الْأُخْرَى مِثْلَ تَسْمِيَةِ (لَامِ أَلِفٍ). وَنَظِيرُهُ أَسْمَاءُ السُّوَرِ بِالْأَحْرُفِ الْمُقَطَّعَةِ الَّتِي فِي أَوَّلِهَا عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ فِي الْمُرَادِ مِنْهَا وَعَلَيْهِ فَيُحْكَى لَفْظُ «تَبَارَكَ» بِصِيغَةِ الْمَاضِي وَيُحْكَى لَفْظُ «الْمُلْكُ» مَرْفُوعًا كَمَا هُوَ فِي الْآيَةِ، فَيَكُونُ لَفْظُ «سُورَةٍ» مُضَافًا مِنْ إِضَافَةِ الْمُسَمَّى إِلَى الِاسْمِ. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْرِيفُ السُّورَةِ بِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ عَلَى حِكَايَةِ اللَّفْظَيْنِ الْوَاقِعَيْنِ فِي أَوَّلِهَا مَعَ اخْتِصَارِ مَا بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ وَذَلِكَ قصدا للْفرق بَينهَا وَبَيْنَ «تَبَارَكَ الْفُرْقَانِ»، كَمَا قَالُوا: عُبَيْدُ اللَّهِ الرُّقَيَّاتِ، بِإِضَافَةِ مَجْمُوعِ «عُبَيْدِ اللَّهِ» إِلَى «الرُّقَيَّاتِ» تَمْيِيزًا لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْعَامِرِيِّ (١) الشَّاعِرِ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُشْبِهُ اسْمُهُ اسْمَهُ مِثْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ
ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَوْ لمُجَرّد اشتهاره بالتشبيب فِي نِسَاءٍ كَانَ اسْمُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رُقَيَّةَ (٢) وَهُنَّ ثَلَاثٌ وَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ «تَبَارَكَ» فِي هَذَا الْمُرَكَّبِ مَفْتُوحَ الْآخِرِ. وَلَفْظُ «الْمُلْكُ» مَضْمُومُ الْكَافِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ ضَبْطُهُ فِي نُسْخَةِ «جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ» وكِلْتَاهُمَا حَرَكَةُ حِكَايَةٍ.
وَالشَّائِعُ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ وَفِي أَكْثَرِ الْمَصَاحِفِ تَسْمِيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ «سُورَةَ الْمُلْكِ» وَكَذَلِكَ تَرْجَمَهَا التِّرْمِذِيُّ: بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ سُورَةِ الْمُلْكِ. وَكَذَلِكَ عَنْوَنَهَا الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ «صَحِيحِهِ».
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «كُنَّا نُسَمِّيهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ الْمَانِعَةَ»، أَيْ أَخْذًا مِنْ وَصْفِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا بِأَنَّهَا الْمَانِعَةُ الْمُنْجِيَةُ كَمَا فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ الْمَذْكُورِ آنِفًا وَلَيْسَ بِالصَّرِيحِ فِي التَّسْمِيَةِ.
وَفِي «الْإِتْقَانِ» عَنْ «تَارِيخِ ابْنِ عَسَاكِرَ» مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهَا الْمُنْجِيَةَ»
وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ وَصْفِهِ إِيِّاَهاَ بِالْمُنْجِيَةِ فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَلَيْسَ أَيْضًا بِالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ اسْمٌ.
وَفِي «الْإِتْقَانِ» عَنْ «كِتَابِ جَمَالِ الْقُرَّاءِ» تُسَمَّى أَيْضًا «الْوَاقِيَةَ»، وَتُسَمَّى «الْمَنَّاعَةَ» بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ.
_________
(١) هُوَ من بني عَامر بن لؤَي شَاعِر مجيد من شعراء الْعَصْر الْأمَوِي.
(٢) هِيَ رقية بنت عبد الْوَاحِد بن أبي سعد من بني عَامر بن لؤَي، وَابْنَة عَم لَهَا يُقَال لَهَا: رقية، ورقية أُخْرَى امْرَأَة من بني أُميَّة وَكن فِي عصر وَاحِد.

صفحة رقم 6

وَذَكَرَ الْفَخْرُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُسَمِّيهَا «الْمُجَادَلَةَ» لِأَنَّهَا تُجَادِلُ عَنْ قَارِئِهَا عِنْدَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِ الْفَخْرِ.
فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَسْمَاءٍ سُمِّيَتْ بِهَا هَذِهِ السُّورَةُ.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْقُرْطُبِيُّ: بِاتِفَّاقِ الْجَمِيعِ.
وَفِي «الْإِتْقَانِ» أَخْرَجَ جُوَيْبِرٌ (١) فِي «تَفْسِيرِهِ» «عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ
تَبَارَكَ الْمُلْكُ فِي أَهْلِ مَكَّةَ إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ اهـ. فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الضَّحَّاكَ عَنَى اسْتِثْنَاءَ ثَلَاثِ آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْمَدِينَةِ. وَهَذَا الِاحْتِمَالُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ إِخْرَاجُ صَاحِبِ «الْإِتْقَانِ» هَذَا النَّقْلَ فِي عِدَادِ السُّوَرِ الْمُخْتَلَفِ فِي بَعْضِ آيَاتِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْهَا غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِهَا أَهْلُ مَكَّةَ، وَعَلَى كِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ فَهُوَ لَمْ يُعَيِّنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ وَلَيْسَ فِي آيَاتِ السُّورَةِ ثَلَاثُ آيَاتٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً بَلْ نَجِدُ الْخَمْسَ الْآيَاتِ الْأَوَائِلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ مِنْهَا الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى قَوْلِهِ: عَذابَ السَّعِيرِ [الْملك: ٥].
وَقَالَ فِي «الْإِتْقَانِ» أَيْضًا «فِيهَا قَوْلٌ غَرِيبٌ (لَمْ يَعْزُهُ) أَنَّ جَمِيعَ السُّورَةِ مَدَنِيٌّ». وَهِيَ السَّادِسَةُ وَالسَّبْعُونَ فِي عِدَادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَبْلَ سُورَةِ الْحَاقَّةِ.
وَآيُهَا فِي عَدِّ أَهْلِ الْحِجَازِ إِحْدَى وَثَلَاثُونَ وَفِي عَدِّ غَيْرِهِمْ ثَلَاثُونَ.
أَغْرَاضُ السُّورَةِ
وَالْأَغْرَاضُ الَّتِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ جَارِيَةٌ عَلَى سُنَنِ الْأَغْرَاضِ فِي السُّور المكية.
ابتدئت بِتَعْرِيفِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَانِيَ مِنَ الْعِلْمِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَفَرُّدَهُ بِالْمُلْكِ الْحَقِّ وَالنَّظَرَ فِي إِتْقَانِ صُنْعِهِ الدَّالِّ عَلَى تَفَرُّدِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ فَبِذَلِكَ يَكُونُ فِي تِلْكَ الْآيَاتِ حَظٌّ لِعِظَةِ الْمُشْرِكِيَن.
_________
(١) كتب فِي نُسْخَة مخطوطة جُوَيْبِر بِصِيغَة تَصْغِير جَابر وَالَّذِي فِي المطبوعة جُبَير بِصِيغَة تَصْغِير جبر تَرْجمهُ فِي طَبَقَات الْمُفَسّرين فِي اسْم جُبَير بن غَالب يكنى أَبَا فراس كَانَ فَقِيها شَاعِرًا خَطِيبًا فصيحا، لَهُ كتاب «أَحْكَام الْقُرْآن». وَكتاب «السّنَن وَالْأَحْكَام». و «الْجَامِع الْكَبِير» فِي الْفِقْه، وَله رِسَالَة كتب بهَا إِلَى مَالك بن أنس، ذكره ابْن النديم وعدّه من الشراة من الْخَوَارِج. [.....]

صفحة رقم 7

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية