ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝ

ثم إنه تعالى بين حالهم عند ذلك الوعد وهو قوله : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ ، أي : الموعود، أو العذاب، زلفة أي : قريباً، فهو حال.
وقال القرطبيُّ١ :«مصدر، بمعنى مزدلفاً، أي : قريباً، قاله مجاهد »٢.
ولا بد من حذف مضاف، أي : ذا زلفة، وجعل الزلفة مبالغة.
وقيل :«زُلْفَة » تقديره : مكاناً ذا زلفةٍ، فينتصب انتصاب المصدرِ.

فصل في المراد بالعذاب.


قال الحسنُ٣ : عياناً. وأكثر المفسرين على أن المراد عذابُ الآخرةِ.
وقال مجاهدٌ : عذاب يوم بدر٤.
وقيل : رأوا ما يوعدون من الحشر قريباً منهم، لقوله : وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ .
وقال ابن عباس : يعني علمهم الشيء قريباً.
قوله :«سِيئَتْ »، الأصل :«ساء » أحزن وجوههم العذاب ورؤيته، ثم بني للمفعول، وساء هنا ليست المرادفة ل «بئس » كما تقدم مراراً.
وأشم كسرة السين الضم٥ : نافع وابن عامر والكسائي، كما فعلوا ذلك في سيء بِهِمْ [ هود : ٨٧ ] في «هود » كما تقدم. والباقون : بإخلاص الكسر، وتقدم تحقيق هذا وتصريفه في أول «البقرة »، وأن فيه لغات عند قوله : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ [ البقرة : ١١ ].

فصل في معنى الآية


قال ابن عباس٦ :«سِيْئَتْ » أي : اسودت وعليها الكآبة والغبرة٧.
يقال : ساء الشيءُ يسوء، فهو مسيء إذا قبح، وساء يساء إذا قبح، وهو فعل لازم ومتعدّ، ومعنى سِيئَتْ وُجُوهُ ، أي : قبحت، بان عليها الكآبةُ، وغشيها الكسوفُ والقترة وكلحوا.
قال الزجاج٨ : تبين فيها السوء، أي : ساءهم ذلك العذاب، وظهر على وجوههم سمة تدل على كفرهم، كقوله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : ١٠٦ ].
قوله : وَقِيلَ هذا الذي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ ، أي : قال لهم الخزنة.
قال الفراء :«تفتعلون » من الدعاء. وهو قول أكثر العلماءِ، أي : تتمنون، وتسألون.
وقال ابن عباس : تكذبون٩، وتأويله : هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأحاديث، قاله الزجاج١٠.
وقرأ العامة : بتشديد الدال مفتوحة.
فقيل : من الدعوى، أي : تدعون أنه لا جنة ولا نار، قاله الحسنُ.
وقيل : من الدعاء، أي : تطلبونه وتستعجلونه.
وقرأ الحسنُ وقتادةُ وأبو رجاء١١ والضحاك، ويعقوب وأبو زيد وأبو بكر وابن أبي عبلة ونافع في رواية الأصمعي : بسكون الدالِ، وهي مؤيدة للقول بأنها من الدعاء في قراءة العامة.
وقال قتادة : هو قولهم : رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ١٢[ ص : ١٦ ].
وقال الضحاك : هو قولهم : إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ [ الأنفال : ٣٢ ] الآية.
وقال النحاس : تدَّعون، وتدْعون، بمعنى واحد، كما يقال : قدر واقتدر، وعدى واعتدى، إلا أن في «افتعل » معنى شيء بعد شيء، و «فَعَل » يصح للقيل والكثير.
١ ينظر المصدر السابق..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٧٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٨٥) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٧٣)..
٤ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٣٧٣) عن مجاهد وذكره أيضا القرطبي (١٨/١٤٣)..
٥ وكذلك أبو جعفر، والحسن، وابن كثير، وأبو رجاء، وشيبة، وابن وثاب وطلحة كما في: المحرر الوجيز ٥/٣٤٣، والبحر المحيط (٨/٢٩٨)، والدر المصون ٦/٣٤٨..
٦ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٣٧٣) عن مجاهد، وذكره أيضا القرطبي (١٨/١٤٣)..
٧ في ب: والقترة..
٨ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٥/٢٠١..
٩ ينظر القرطبي (١٨/١٤٤)..
١٠ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٥/٢٠١..
١١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣٤٣، والبحر المحيط ٨/٢٩٨، والدر المصون ٦/٣٤٨..
١٢ ينظر: القرطبي (١٨/١٤٤)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية