وأنه أي : ومما أوحي إليّ أن الشأن لمَّا قام عبدُ الله ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يدعوه ؛ يعبده في الصلاة، ويقرأ القرآن في صلاة الفجر، كما تقدم في الأحقاف(١)، ولم يقل : نبي الله، أو رسول الله ؛ لأنَّ العبودية من أشرف الخصال، أو : لأنه لمّا كان واقعاً في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسِه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو : لأنَّ عبادة عبد الله ليست بأمر مستبعد حتّى يجتمعوا عليه، كما قال : كادوا أي : كاد الجن يكونون عليه لِبداً ؛ جماعات متراكبين من ازدحامهم عليه، تعجُّباً مما رأوا من عبادته، واقتداء أصحابه به، أو إعجاباً مما تلي من القرآن ؛ لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا بنظيره. وقيل : معناه : لمَّا قام عليه السلام يعبد اللهَ وحدَه مخالفاً للمشركين، كادوا يزدحمون عليه متراكبين. واللبدّ : جمع لبدة، وهي ما تلبّد بعضه على بعض. وعن قتادة : تلبّدت الإنس والجن على أن يُطفئوا نوره، فأبى اللهُ إلاَّ أن يُظهره على مَن ناوأه. قال ابن عطية : قوله تعالى :( وأنه. . . ) الخ، يحتمل أن يكون خطاباً من الله تعالى، وأن يكون إخباراً عن الجن.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي