ﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ

قوله : إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل أي : بيَّنا له وعرفناه بطريق الهدى والضلال والخير والشر ببعث الرسل فآمن أو كفر.
وقال مجاهد : السبيل هنا خروجه من الرحم١.
وقيل : منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله.

فصل في أن العقل متأخر عن الحواس


قال ابن الخطيب٢ : أخبر الله - تعالى - أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة بين له سبيل الهدى والضلال، قال : والآية تدل على أن العقل متأخر عن الحواس، وهو كذلك ثم ينشأ عنها عقائد صادقة أولية كعلمنا بان النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأن الكل أعظم من الجزء وهذه العلوم الأولية هي العقل.
قال الفراء : هذا يتعدى بنفسه وباللام.
قوله : إِمَّا شَاكِراً . نصب على الحال، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه حال من مفعول «هَدَيْنَاهُ » أي : هديناه مبيناً له كلتا حالتيه.
قال أبو البقاء : وقيل : وهي حال مقدرة.
قال شهاب الدين٣ : لأنه حمل الهداية على أول البيان له وفي ذلك الوقت غير متصف بإحدى الصفتين.
والثاني : أنه حال من «السبيل » على المجاز.
قال الزمخشري :«ويجوز أن يكونا حالين من السبيل أي عرفناه السبيل، إما سبيلاً شاكراً، وإما سبيلاً كفوراً، كقوله تعالى : وَهَدَيْنَاهُ النجدين [ البلد : ١٠ ]، فوصف السبيل بالشكر والكفر مجازاً ».
والعامة على كسر همزة «إما »، وهي المرادفة ل «أو » وقد تقدم خلاف النحويين فيها.
ونقل مكي عن الكوفيين أن هاهنا :«إن » الشرطية زيدت بعدها «ما » ثم قال :«وهذا لا يجيزه البصريون ؛ لأن » إن «الشرطية لا تدخل على الأسماء إلاَّ أن يضمر فعل نحو : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين [ التوبة : ٦ ]، ولا يصح إضمار الفعل، ويمكن أن يضمر فعل ينصب «شاكر »، وأيضاً لا دليل على الفعل » انتهى.
قال شهاب الدين٤ : لا نسلم أنه يلزم رفع «شاكراً » مع إضمار الفعل، ويمكن أن يضمر فعل ينصب «شاكراً » تقديره : إنا خلقناه شاكراً فشكوراً، وإنا حلقناه كافراً فكفوراً.
وقرأ أبو السمال٥، وأبو العجاج : بفتحها، وفيه وجهان :
أحدهما : أنها العاطفة وأنها لغة، وبعضهم فتح الهمزة ؛ وأنشدوا على ذلك :[ الطويل ]
٥٠٢٦- تُنفِّخُهَا أمَّا شِمالٌ عَرِيَّةٌ وأمَّا صَبَا جُنحِ العَشِيِّ هَبُوبُ٦
بفتح الهمزة.
ويجوز مع فتح الهمزة إبدال ميمها الأولى ياء ؛ قال [ البسيط ]
٥٠٢٧- *** أيْمَا إلَى جَنَّةٍ أيْمَا إلى نَارِ٧***
وحذف الواو بينهما.
والثاني : أنها «إما » التفصيلية وجوابها مقدر.
قال الزمخشري : وهي قراءة حسنة، والمعنى : إما شاكراً فبتوفيقنا، وإما كفوراً فبسوء اختياره انتهى، ولم يذكر غيره.

فصل في الكلام على الآية


قال ابن الخطيب بعد حكايته أن «شاكراً وكفوراً » حالان : إنّ المعنى : كلما يتعلق بهداية الله تعالى وإرشاده فقد تم حالتي الكفر والإيمان.
وقيل : وانتصب «شاكراً وكفوراً » بإضمار «كان » والتقدير : سواء كان شاكراً أو كان كفوراً.
وقيل : معناه إنا هديناه السبيل ليكون إما شاكراً وإما كفوراً، أي يتميز شكره من كفره، وطاعته من معصيته كقوله تعالى : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [ الملك : ٢ ] قال القفال : ومجاز هذه الكلمة على هذا التأويل كقولك :«قد نصحت لك إن شئت فاقبل، وإن شئت قاترك » فتحذف الفاء، وقد يحتمل أن يكون ذلك على جهة الوعيد، أي : إنا هديناه السبيل، فإن شاء فليشكر، وإن شاء فليكفر فإنا قد أعتدنا للكافرين كذا قوله وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : ٢٩ ].
وقيل : حالان من السبيل، فإن شاء فليشكر، وإن شاء فليكفر.
وقيل : حالان من السبيل، أي عرفناه السبيل إما سبيلاً شاكراً وإما سبيلاً كفوراً، ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز.
قال ابن الخطيب٨ ٩ : وهذه الأقوال لائقةٌ بمذهب المعتزلة.
وقيل قول الخامس مطابق لمذهب أهل السنة واختاره الفراء وهو أن تكون «إما » في هذه الآية كما في قوله تعالى : إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [ التوبة : ١٠٦ ] والتقدير : إنا هديناه السبيل، ثم جعلناه تارة شاكراً، وتارة كفوراً ويؤيده قراءة أبي السمال المتقدمة، قالت المعتزلة : هذا التأويل باطل لتهديده الكفار بعد هذه الآية بقوله تعالى إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلاَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً ، ولو كان كفر الكافر من الله وبخلقه لما جاز منه أن يهدده عليه، ولما بطل هذا التأويل الأول، وهو أنه - تعالى - هدى جميع المكلفين، سواء آمن أو كفر، وبهذا بطل قول المجبرة.
وأجيب : بأنه - تعالى - لما علم من الكافر أنه لا يؤمن، ثم كلفه بأن يؤمن فقد كلفه بالجمع بين العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان، وهذا تكليف بالجمع بين متنافيين، فإن لم يصر هذا عذراً في سقوط التهديد والوعيد جاز أيضا أن يخلق الكفر فيه، ولا يصير ذلك عذراً في سقوط التهديد والوعيد، فإذا ثبت هذا ظهر أن هنا التأويل هو الحق، وبطل تأويل المعتزلة.

فصل في جمعه تعالى بين الشاكر والكفور


قال القرطبي١٠ :«جمع بين الشاكر والكفور ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة نفياً للمبالغة في الشكر، وإثباتاً لها في الكفر ؛ لأن شكر الله - تعالى - لا يؤدّى فانتفت عنه المبالغة، ولم ينتف عن الكفر المبالغة فقلَّ شكره لكثرة النعم عليه وكثرة كفره وإن قلّ مع الإحسان إليه، حكاه الماوردي ».
١ ذكره الماوردي (٦/١٦٤) والقرطبي (١٩/٨٠) عن أبي صالح والضحاك والسدي..
٢ الفخر الرازي ٣٠/٢١٠..
٣ الدر المصون ٦/٤٣٨..
٤ السابق..
٥ ينظر المحرر الوجيز ٥/٤٠٩، والبحر المحيط ٨/٣٨٦..
٦ البيت لأبي القمقام الأسدي ينظر خزانة الأدب ١١/٨٧، وشرح جمل الزجاجي لابن عصفور ١/٢٣٢، والبحر ٨/٣٨٧، والدر المصون ٦/٤٣٩..
٧ تقدم..
٨ الفخر الرازي ٣٠/٢١١..
٩ السابق..
١٠ الجامع لأحكام القرآن ١٩/٨٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية