ﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ

٣ - قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ قال ابن عباس: يريد بيّنا له سبل الهدى (١).
وقال الفراء: هديناه السبيل، وإلى السبيل، كل ذلك جائز، يقول عرفناه السبيل (٢).
وقوله تعالى: إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا قال ابن عباس: يريد إما موحّدًا طائعًا لله، و (إمّا) مشركًا بالله (٣) في علم الله (٤).
قال الفراء: و (إمَّا) هاهنا تكون جزاء، أي إن شكروا (٥) أو كفروا (٦).
ومعنى الآية: إن الله تعالى ذكر أنه بين سبيل التوحيد، ودل عليه بنصب الأدلة، وبعث الرسل، شكر الإنسان فآمن، أو كفر فجحد.
ومعنى: (هدينا) هاهنا: بيَّنَّا، وليس معناه خلقنا الهداية، ألا ترى (٧) أنه ذكر السبيل فقال: {هديناه السبيل (٨) (أي: أريناه ذلك، ثم إن وفقه للسلوك سلك فآمن، وإن خذله كفر (٩).

(١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله عن عطاء في الوسيط: ٤/ ٣٩٨.
(٢) "معاني القرآن" ٣/ ٢١٤ بيسير من التصرف.
(٣) غير واضحة في (ع).
(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٥) في (ع). اشكروا.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢١٤ بيسير من التصرف.
(٧) في (أ): ترا.
(٨) في (ع). للسبيل.
(٩) وهذا المعنى للهداية هو المرتبة الثانية من مراتب الهدى الأربعة، والتي أولها: الهدى العام، وثانيها: هدى البيان والدلالة -وهو ما جاء بيانه-، وثالثها: هداية =

صفحة رقم 16

وفي الآية قول آخر: قال مقاتل: يعني بينا له سبيل الهدي، وسبيل الضلالة، إما أن يكون موحدًا فيما بيّن له، أو كافرًا فلا يوحده (١).
وقال مجاهد: (إنا هديناه السبيل) قال: الشقاء والسعادة (٢).
والمعنى على هذا: بينا له سبيل الحق، والباطل، وعرفناه طريق الخير والشر، كقوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (٣)
قال الفراء: و (إما) (أنْ) (٤) تكون على: (إما) التي في قوله: إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ (٥) فكأنه قال: خلقناه شقيًا، أو سعيدًا (٦).

= التوفيق والإلهام، ورابعها: الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة. انظرت "شفاء العليل" لابن قيم الجوزية: ١١٧.
(١) "تفسير مقاتل" ٢١٩/ ب.
(٢) "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٦، "النكت والعيون" ٦/ ١٦٤، "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٢٠. وانظر مجموع "فتاوى ابن تيمية" ١٦/ ١٤٣، وعزاه إلى ابن أبي حاتم. والهداية بقول مجاهد -هي هداية التوفيق والإلهام، وهي المرتبة الثالثة من مراتب الهدى، وهذه المرتبة تستلزم أمرين:
أحدهما: فعل الرب، وهو الهدى. والثاني: فعل العبد، وهو الاهتداء، وهو أثر فعله الله تعالى، فهو الهادي، والعبد المهتدي. قال تعالى: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ [الإسراء: ٩٧]، ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد، ولهذا قال تعالى: إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ [النحل: ٣٧]. "شفاء العليل" ١٤١.
(٣) سورة البلد: ١٠.
(٤) ساقط من (ع).
(٥) سورة التوبة: ١٠٦. قال تعالى: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
(٦) "معاني القرآن" ٣/ ٢١٤ بنصه.

صفحة رقم 17

وقال الزجاج: معناه: هديناه الطريق إما الشِقْوة، وإما السَّعادة (١).
والآية حجة على القدرية (٢)؛ لأن الله تعالى ذكر أنه هدى الإنسان (إلى) (٣) طرق السعادة، والشقاوة، وانتصب شاكرًا أو كفورًا على القول الأول بإضمار على التقدير (٤): إما (كان) (٥) شاكرًا، وإما جعلناه (٦) كفورًا، ودل عليه قوله: هديناه السبيل على هذا المضمر.
ويجوز أن ينتصب على الجار بتقدير: هديناه السبيل شاكرًا أو كفورًا

(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٥٧.
(٢) القائلة بأن العبد يخلق فعله، وأن الله لا يخلق أفعال العباد، ورتبوا عليها مسألة الهدى والضلالة، فقالت المعتزلة: الهدى من الله بيان طريق الصواب، والإضلال: تسمية العبد ضالاً، وحكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه، -وهذا مبني على أصلهم الفاسد، أن أفعال العباد مخلوقة لهم-. والصحيح: أن الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلاً، ويُضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلًا، ودليله قوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: ٥٦]. ولو كان الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي عن نبيه؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- بين الطريق لمن أحب وأبغض. وقال تعالى: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ولو كان الهدى من الله البيان، وهو عاصم في كل نفس لما صح التقييد بالمشيئة. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" ٩٨. وللاستزادة والتفصيل يراجع كتاب: "المعتزلة في أصولهم الخمسة ورأي أهل السنة فيها"، رسالة ماجستير، إعداد: عبد الله المعتق: ٢٠٩ - ٢٢٩.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ع).
(٤) في (ع): تقدير.
(٥) ساقطة من (أ).
(٦) في (أ): جعلاه.

صفحة رقم 18

كأنك لم تذكر (إما) وهو قول الأخفش (١).
ثم بين ما أعد للكافرين، فقال: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ
قال ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣): يريد في جهنم طولها سبعون ذراعًا كقوله: ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا [الحاقة: ٣٢] الآية. وتقرأ: (سلاسلًا) بالتنوين (٤)، وكذلك: (قواريرًا قواريرًا) (٥).
ومنهم من يصل بغير تنوين، ويقف بالألف (٦).
ولمن نون وصرف وجهان:

(١) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣) "تفسير مقاتل" ٢١٩/ ب.
(٤) قرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم، والكسائي، وأبو جعفر: "سلاسلاً" منونة.
وقرأ الباقون: "سلاسل" بغير تنوين. انظر كتاب "السبعة" ٦٦٤، "القراءات وعلل النحويين " فيها: ٢/ ٧٣٣، الحجة: ٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩، "المبسوط" ٣٨٩، "حجة القراءات" ٧٣٨ - ٧٣٩، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٤، "إتحاف فضلاء البشر" ٤٢٨ - ٤٢٩.
(٥) سورة الإنسان: ١٥ - ١٦.
(٦) قرأ نافع، وأبو بكر، والكسائي، وأبو جعفر: "قواريرًا قواريرًا" منونًا كلاهما، وإذا وقفوا وقفوا عليهما بألف.
وقرأ ابن كثير، وخلف: "قواريرًا" منونًا، والوقف بغير ألف، و"قواريرا من فضة" بغير تنوين، والوقف عليه بالألف. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وحفص: "قواريرَ قواريرَ" بغير تنوين، ووقفوا على الأولى بالألف؛ لأنها رأس آية، ووقفوا على الثانية بغير ألف لأنها ليست برأس آية. ووقف حمزة، ويعقوب: "قوارير" بغير تنوين في جميعها، والوقف بغير ألف عليهما. [المرجع]

صفحة رقم 19

أحدهما: أن أبا الحسن الأخفش قال: قد سمعنا من العرب (١) من يصرف هذا الجنس، ويصرف جميع ما لا ينصرف، وقال: هذا لغة الشعراء؛ (لأنهم اضطروا إليه في الشعر) (٢) (٣)، فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك.
والوجه الثاني: أن هذه الجموع أشبهت الآحاد؛ لأنهم قد قالوا: (صواحبات يوسف) (٤)، فلما جمعوه جمع الآحاد المنصرفة، جعلوها في حكمها (٥)، فصرفوها، وكثير من العرب يقولون: (موالياتٌ) يريدون:

(١) وهم بنو أسد. انظر: "الإتحاف" ٤٢٩.
(٢) انظر شواهد ذلك من الشعر في: "الحجة" ٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩، "حجة القراءات" ٧٣٨ - ٧٣٩.
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) نص الحديث كما في الصحيح: ما رواه أبو موسى، قال: مرض النبي -صلى الله عليه وسلم- فاشتد مرضه، فقال: مُروا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس. فقالت عائشة: إنه رجل رقيق، إذا قام مقامك لم يستطع أن يُصلِّيَ بالناس، قال: مُروا أبا بكر فليُصلِّ بالناس، فعادت. فقال: مُري أبا بكر فليُصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف. فأتاه الرسول، فصلى بالناس في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-" الحديث. الجامع الصحيح للبخاري: ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥: ح: ٦٧٨، ٦٧٩، ٦٨٢، كتاب الأذان، باب: ٤٦. كما أخرجه مالك في: "الموطأ" ١/ ١٥٥ - ١٥٦: ح: ٨٣، كتاب فضل الصلاة في السفر، باب: ٢٤. والإمام أحمد في "المسند" ٦/ ٢١٠، ٢٢٤، ٢٢٩، ٢٧٠. ومعنى: "إنكن صواحب يوسف" جمع صاحبة، والمراد: أنهن مثلهن في إظهار خلاف ما في الباطن، والخطاب -وإن كان بلفظ الجمع- فالمراد به عائشة فقط. انظر: "الموطأ" ١٥٥ - ١٥٦ حاشية (أ).
(٥) في (أ): حكها.

صفحة رقم 20

الموالي، ومن ترك الصرف فإنه جعله كقوله تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ [الحج: ٤٠].
وأما إلحاق (الألف) في الوقف فهو كإلحاقها في قوله (١): (الظنونا) (٢)، و (الرسولا) (٣)، و (السبيلا) (٤) أشبه (٥) ذلك بالإطلاق في القوافي (٦) (٧).
وقوله تعالى: وَأَغْلَالًا يعني في أيديهم تغل (٨) أعناقهم وَسَعِيرًا وقودًا لا تُوصف شدته، قاله ابن عباس (٩)، ومقاتل (١٠).
ثم ذكر ما أعد (١١) للشاكرين الموحدين فقال: إِنَّ الْأَبْرَارَ قال

(١) غير مقروءة لسواد في النسخة (أ).
(٢) الأحزاب: ١٠.
(٣) الأحزاب: ٦٦.
(٤) الأحزاب: ٦٧.
(٥) في (ع): شبه.
(٦) والشبه من حيث كانت مثلها في أنها كلام تام نحو: * أقلي اللوم عاذِلَ والعتابا * انظر الحجة: ٦/ ٣٥١.
(٧) ما ذكره المؤلف هنا من القراءات وتوجيهها نقله عن أبي علي من الحجة باختصار شديد: ٦/ ٣٤٨ - ٣٥١.
(٨) الغُلُّ: مختص بما يقيد به، فيجعل الأعضاء وسطه، وجمعه أغلال، وغُل فلان: قُيد به. انظر المفردات في غريب القرآن: ٣٦٣.
(٩) أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه في: الوسيط من غير عزو: ٤/ ٣٩٩.
(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله، والذي ورد عنه في تفسيره: ٢١٩/ ب، قال: "وقودًا لا يطفأ".
(١١) في (أ): وأما.

صفحة رقم 21

عطاء: هم الذين بروا الآباء، والأمهات، والأبناء، مع اليقين والمعرفة بالله (١).
وقال مقاتل: يعني المطيعين (لله) (٢) في التوحيد (٣).
وقوله تعالى: يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ يعني: (من إناء فيه الشراب) (٤)، ولهذا قال ابن عباس: يريد الخمرة (٥). وقال مقاتل: يعني الخمر (٦). كَانَ مِزَاجُهَا ما يمازجها، ومنه: مزاج البدن، وهو ما يمازجه من الصفراء، والسوداء، والحرارة، والبرودة (٧).
وقوله: كَافُورًا قال عطاء (٨)، والكلبي (٩) عن ابن عباس: هو

(١) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٢) ساقطة من (أ).
(٣) "تفسير مقاتل" ٢١٩/ ب، "النكت والعيون" ٦/ ١٦٤ مختصرًا. قال الخازن: الأبرار: واحدهم: بار، وبر، وأصله التوسع، فمعنى البر: المتوسع في الطاعة. لباب التأويل: ٤/ ٣٣٨ - ٣٣٩. وعن ابن عاشور: الأبرار جمع: بَر -بفتح الباء-، وجمع بار أيضًا، والبار، أو البَرّ: المكثر من البِر- بكسر الباء- وهو فعل الخير. التحرير والتنوير: ٢٩/ ٣٧٩.
(٤) ما بين القوسين نقله عن الزجاج. انظر معاني القرآن وإعرابه: ٥/ ٢٥٨.
(٥) "التفسير الكبير" ٣٠/ ٢٤٠، الجامع لأحكام القرآن: ١٩/ ١٢٣.
(٦) "تفسير مقاتل" ٢١٩/ ب، "التفسير الكبير" ٣٠/ ٢٤٠.
(٧) مَزَج الشَّراب: خلطه بغيره، ومِزاج الشراب: ما يُمزج به، ومِزاج البدن ما رُكب عليه من الطبائع. انظر: "الصحاح" ١/ ٣٤١: مادة: (مزج).
(٨) ورد عن عطاء من قوله: معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٧، "زاد المسير" ٨/ ١٤٤. عن ابن عباس من غير ذكر الطريق إليه في: "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٢٣، و"لباب التأويل" ٤/ ٢٣٩.
(٩) ورد عن الكلبي من قوله: معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٧، "زاد المسير" ٨/ ١٤٤، "البحر المحيط" ٨/ ٣٩٥.

صفحة رقم 22

اسم عين ماءٍ في الجنة يقال: هو عين الكافور (١).
والمعنى: أن ذلك الشراب يمازجه ماء هذه العين التي تسمى كافورًا.
وقال آخرون: يعني الكافور الذي له رائحة طيبة. وهو قول مقاتل (٢)، ومجاهد (٣).
وعلى هذا له معنيان:
أحدهما: أن يمازجه ريح الكافور، فيكون طيب الريح.
والآخر: أن يمازجه عين الكافور، ولا يكون في ذلك ضرر لأهل الجنة، لا يمسهم الضرر فيما يأكلون ويشربون. (ذكرهما الزجاج) (٤) (٥).
وقال مقاتل: ليس ككافور الدنيا؛ ولكن الله سمى ما عنده بما عندكم حتى يهدي له القلوب (٦).
ويدل على صحة القول الأول قوله: (عينًا).
قال الفراء: إن شئت جعلتها متابعة للكافور كالمفسرة، وإن شئت نصبتها على القطع (٧) من (الهاء) في: (مزاجها) (٨) (٩).

(١) في (أ): الكافون. ومعنى الكافور: هو أخلاط تجمع من الطيب تُركب من كافور الطلع. انظر: "لسان العرب" ٥/ ١٤٩ مادة: (كفر).
(٢) ورد بمعناه في: معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٧، ولم أعثر عليه في تفسيره.
(٣) المصدر السابق.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٥٨ بتصرف.
(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٦) "تفسير مقاتل" ٢١٩/ ب، وبمعناه في: "معالم التنزيل" ٤/ ٤٢٧، "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٢٤، "فتح القدير" ٥/ ٣٤٦.
(٧) يعبر عن الحال بالقطع عند الكوفيين. انظر: "نحو القراء الكوفيين" ٣٤٩.
(٨) غير واضحة في (ع).
(٩) "معاني القرآن" ٣/ ٢١٥ بنصه.

صفحة رقم 23

وهذا على أن يجعل (العين) حالاً للكأس؛ لأن ضميرها معرفة، ويكون التقدير: كان مزاج الكأس، وهي (١) عين كافورًا، وهذا يوجب أن تكون العين الكأس، وليس المعنى على هذا.
وقال الأخفش: وإن شئت نصبت على وجه المدح، كما يذكر لك الرجل، فتقول: العاقل اللبيب، أي ذكرتم العاقل اللبيب، فتجعل النصب هاهنا على أعْني: [عينًا] (٢).
وقال أبو إسحاق: الأجود أن يكون المعنى من عين (٣).
وقوله تعالى: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ قال الفراء: (يشرب بها) وَيشْرَبها سواء، المعنى: كأن (٤) يشرب بها، يريد ينقع بها، ويروى بها (٥).
قال ابن عباس: يشرب بها أولياء الله (٦).
وقال مقاتل: يشربها المقربون، وهم الصديقون، والشهداء صِرفًا، وتمزج لسائر أهل الجنة الخمر، واللبن، والعسل (٧).
وقوله تعالى: يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا قال الكلبي: يقول: يفجرون تلك العيون الكافور في الجنة حيث يريدون؛ كما يفجر الرجل النهر يكون له في

(١) في (أ): هي.
(٢) في كلا النسختين: هاهنا، والمثبت من كتاب الأخفش: "معاني القرآن" ٢/ ٧٢٢.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢٥٨ بنصه.
(٤) في (ع): وكان.
(٥) "معاني القرآن" ٣/ ٢١٥ بيسير من التصرف.
(٦) معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٨، "لباب التأويل" ٤/ ٣٣٩.
(٧) "النكت والعيون" ٦/ ١٦٥ بنحوه، والذي ورد عنه في تفسيره: ٢١٩/ ب قال: "عباد الله يعني أولياء الله، يمزجون ذلك الخمر مزجًا".

صفحة رقم 24

الدنيا -هاهنا- وهاهنا حيث يريد (١).
وذكرنا معنى التفجير عند قوله: فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ (٢) الآية.
ثم نعتهم فقال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قال صاحب النظم: (كان) في قوله: كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا زائدة لا يحتاج إليها، والعرب تزيدها في أضعاف الكلام، ولا معنى لها، كما قال:
وَجِيرانٍ لنا كانوا كرامِ (٣)
قال: وكما يزيدون [كان] (٤) وليس لها معنى، يحذفونها من مواضع يحتاجون إليها كقوله: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ (والمعنى: كانوا يوفون بالنذر) (٥)، لأن هذا إخبار عما كانوا عليه في الدنيا (٦).
وهذا قول الفراء، قال: هذه من صفاتهم في الدنيا كأن فيها إضمار

(١) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٢) سورة الإسراء: ٩١، وعند تعرضه للآية أحال إلى سورة البقرة في بيان معنى التفجير، [البقرة: ٦٠]، ومما جاء في تفسيرها: قال: "وأصل الفجر في اللغة: الشق، وسمي فجر النهار لانصداعه، أو لشقه ظلمة الليل، ويقال: انفجر الصبح إذا سال ضوؤه في سواد الليل كانفجار الماء في النهر، ويقال: فَجَرَ وأفجَرَ ينبوعًا من ماء، أي: شقه وأخرجه، قال الليث: والمَفْجَر: الموضع الذي يُفْجَر منه".
(٣) البيت للفرزدق من قصيدة يمدح فيها هشام بن عبد الملك، وصدر البيت:
فَكَيْفَ إذا رأيت ديارَ قوْمي
ورد البيت في ديوانه: ٢/ ٢٩٠ ط دار صادر.
(٤) ساقطة من النسختين، وأثبت ما يستقيم به المعنى.
(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٦) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد قال بقوله أبو علي في: "المسائل البصريات" ٢/ ٨٧٥.

صفحة رقم 25

(كانوا) (١).
ونحو هذا قال مقاتل، فقال: كانوا في الدنيا يوفون بالنذر (٢).
ومعنى يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قال قتادة: بطاعة الله، والصلاة (٣)، والحج (٤).
وعلى هذا معنى النذر: ما أوجبه الله [عليهم] (٥). النذر معناه: الإيجاب (٦).
وقال الكلبي: يتممون العهود (٧).
وقال مجاهد (٨)، وعكرمة (٩): يعني: إذا نذروا في طاعة الله وثوابه.

(١) "معاني القرآن" ٣/ ٣١٦ بيسير من التصرف.
(٢) بمعناه في: "تفسير مقاتل" ٢١٩/ ب، وعبارته "قال: يعني من نذر لله نذرا فقضى الله حاجته، فيوفي لله بما قد نذره".
(٣) في (ع): الصلوات.
(٤) "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٣٣٦، "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٨، وبنحوه في: "الكشف والبيان" ١٣/ ١٤/ أ، "زاد المسير" ٨/ ١٤٥ بمعناه، "القرطبي" ١٩/ ١٢٥.
(٥) في كلا النسختين: عنهم، ولا تستقيم العبارة بذلك، والأوفق للسياق لفظ: عليهم. والله أعلم.
(٦) قال الليث: النَّذْر: النَّحْب، وهو ما ينذره الإنسان فيجعله على نفسه نحبًا واجبًا، ومنه قولك: نذرت على نفسي، أي أوجبت. انظر مادة: (نذر) في: تهذيب اللغة: ١٤/ ٤٢٠،"لسان العرب" ٥/ ٢٠٠، وأيضًا "مقاييس اللغة" ٥/ ٤١٤.
(٧) "النكت والعيون" ٦/ ١٦٦ بمعناه، "التفسير الكبير" ٣/ ٢٤٢، "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٢٥، "فتح القدير" ٥/ ٣٤٧.
(٨) "الكشف والبيان" ١٣: ١٤/ أ، "زاد المسير" ٨/ ١٤٥، "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٢٥ بنحوه.
(٩) المراجع السابقة.

صفحة رقم 26

وقوله تعالى: وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا قال أبو عبيدة (١)، وغيره (٢): فاشيًا منتشرًا.
وقال الزجاج: بالغًا أقصى المبالغ (٣).
وقال الفراء: ممتدًا قال: والعرب تقول: استطار الصَّدع في القارورة، واستطال، ولا يقال في الحائط (٤).
وقال ابن قتيبة: يقال: استطار الحريق إذا انتشر، واستطار الصبح إذا انتشر ضوؤه (٥).
وأنشدوا (٦) للأعشى:

فَبَانَتْ وقَدْ أَسْأرتْ في الفؤاد صَدْعًا على نأيها مسْتطيرا (٧)
(١) مجاز القرآن: ٢/ ٢٧٩، وعبارته: "فاشيًا".
(٢) قال بذلك: ابن عباس، ومقاتل، وإليه ذهب الأخفش. انظر: "تفسير مقاتل" ٢١٩/ ب، "النكت والعيون" ٦/ ١٦٦، معالم التنزيل: ٤/ ٤٢٨، "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٢٦.
(٣) معاني القرآن وإعرابه: ٥/ ٢٥٨ بنحوه
(٤) "معاني القرآن" ٣/ ٢١٦ بإضافة عبارة: "ولا يقال في الحائط".
(٥) "تفسير غريب القرآن" ٥٠٢ بيسير من التصرف.
(٦) وممن أنشد قول الأعشى: "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠٩، "الكشف والبيان" ١٣/ ١٤/ أ، "النكت والعيون" ٦/ ١٦٦. وبه قال أيضا: "المحرر الوجيز" ٥/ ٤١٠، "زاد المسير" ٨/ ١٤٥، "الجامع لأحكام القرآن" ١٩/ ١٢٦، "ابن كثير" ٤/ ٤٨٤.
(٧) ديوانه: ٨٩ برواية: (وقد أورثت) بدلًا من: (أسأرت)، و (يخالط عثَّارها) بدلاً من: (على نأيها مستطيرا)، وليس فيه موطن الشاهد، وله في شعر يمدح فيه هوذة بن علي الحنفي، وليس فيه موضع شاهد أيضًا:

صفحة رقم 27

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية
بانَتْ وقدْ أسْأرَتْ في النَّفْسِ حاجَتَها بَعْدَ ائتلاف وخَيْرُ الوُدِّ ما نَفَعا