خلق الله الإنسان وهدايته السبيل
[سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣)الإعراب:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ هَلْ إما بمعنى قد أي أقد لأن الأصل أهل ثم حذفت الهمزة، أو يكون الاستفهام بمعنى التقرير، وهو تقرير موجه لمن أنكر البعث، يراد به انتزاع إقراره بهذه الحقيقة الأبدية فيقال له: من أحدث الإنسان بعد العدم؟ ونظرا لبداهة الجواب كان لا بد من (نعم) وإذا أقر بأن الخالق هو الله فكيف يمتنع عليه إعادة هذا الإنسان الذي خلقه أول مرة؟ فإن من قدر على إحداث شيء بعد أن لم يكن كان على إعادته أولى.
لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً الجملة حال من الإنسان. نَبْتَلِيهِ في موقع الحال.
إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً منصوبان على الحال من هاء: هَدَيْناهُ.
البلاغة:
شاكِراً وكَفُوراً بينهما طباق. وكفور صيغة مبالغة وعبر به وليس بالكافر مراعاة للفواصل وإشعارا بأن الإنسان لا يخلو عن كفران غالبا وإنما المؤاخذة بالتوغل بالكفر.
مَذْكُوراً بَصِيراً كَفُوراً مَنْثُوراً طَهُوراً مَشْكُوراً.. إلخ سجع مرصع وهو من مراعاة الفواصل.
المفردات اللغوية:
هَلْ استفهام تقرير وتقريب فهو بمعنى «قد». الْإِنْسانَ آدم عليه السلام أو جنس الإنسان وهو الراجح لقوله: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ حِينٌ جزء محدود من الزمان قدره بعضهم بأربعين سنة الدَّهْرِ الزمان الممتد غير المحدود. لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً كان صفحة رقم 281
شيئا منسيا لا يذكر معدوما لا يعرف. إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي جنس الإنسان. نُطْفَةٍ قليل من الماء. أَمْشاجٍ أخلاط جمع مشج ومشيج أي من اختلاط ماء الرجل وماء المرأة وامتزاجهما. نَبْتَلِيهِ نختبره بالتكليف أي مريدين اختباره عند التكليف والتأهل.
فَجَعَلْناهُ بسبب ذلك. سَمِيعاً بَصِيراً ليتمكن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات فهو كالمسبب من الابتلاء ولذلك عطف بالفاء على نَبْتَلِيهِ.
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ بيّنا له طريق الخير والهدى بإقامة الأدلة وإنزال الآيات وبعث الرسل.
التفسير والبيان:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً أي قد أتى على الإنسان (جنس الإنسان) زمن كان فيه منسيا غير موجود فلم يكن آدم وبنوه شيئا معروفا ولا مخلوقا ولا مذكورا لأحد من الخليقة المتقدمين عليه وهم الملائكة والجن. وهذا إخبار بكون الإنسان في بدء الخلق معدوما غير مخلوق والآية كالتقدمة والتوطئة للتي تعقبها وكالتأكيد لخاتمة السورة المتقدمة. وهي حقيقة لا ينكرها أحد ويؤكدها علماء طبقات الأرض الذين قالوا: لم يوجد الإنسان على الأرض إلا بعد خلقها بأحقاب طوال.
قال الفرّاء وثعلب: المعنى أنه كان جسدا مصوّرا ترابا وطينا لا يذكر ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به ثم نفخ فيه الروح فصار مذكورا.
والمراد بالإنسان هنا جنس بني آدم لقوله تعالى بعدئذ: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ.
ثم أخبر الله تعالى عن بدء تكاثر نوع الإنسان بعد خلق آدم عليه السلام فقال: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً أي إننا نحن الخالق الإله أوجدنا أو خلقنا ابن آدم من مني أو ماء قليل مختلط ممتزج بين ماءي الرجل والمرأة من يدين بهذا الخلق ابتلاءه أي اختباره بالخير
والشر وبالتكاليف الشرعية بعد بلوغ سن التكليف وأهلية الخطاب التشريعي وزوّدناه بطاقات الفهم والوعي والإدراك وهي السمع والبصر ليتمكن من حمل رسالة التكليف واجتياز الامتحان واستماع الآيات والتأمل في دلائل الكون والتفكر في براهين الوجود الدالة على الخالق الواحد الأحد.
فبالسمع والبصر والفؤاد وسائر الحواس يتمكن هذا الإنسان من الطاعة والمعصية. ولما جعله تعالى بهذا التركيب وامتن عليه بهاتين الصفتين (السمع والبصر) وهما آلة التمييز والفهم وأشرف الحواس التي تدرك بها أعظم المدركات أخبر تعالى أنه هداه السبيل أي أرشده إلى الطريق وعرفه مآله طريق النجاة ومآل طريق الهلاك وبيّن له طريق الهدى وطريق الضلال فقال:
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً أي بيّنا وأوضحنا له وعرّفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر وبصّرناه بعواقب الأمور وعرّفناه منافع الأشياء ومضارّها التي يهتدي إليها بطبعه السليم وكمال عقله فآل أمره إلى أن ينقسم نوع الإنسان إلى قسمين: شاكر لأنعم الله مؤمن به مهتد بهديه. وكافر جاحد للنعمة معرض عن الطاعة صادّ عن الهدي الإلهي.
ونظير الآية: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد ٩٠/ ١٠] أي بيّنا له طريق الخير وطريق الشر فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد وهذا قول الجمهور ولم نجبره أو نكرهه على شيء من الإيمان أو الكفر وإنما اختار الإنسان لنفسه ما شاء كما قال تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فصلت ٤١/ ١٧].
وروى مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- لم يكن الإنسان قبل خلقه بأمر ربه شيئا معروفا وظل على هذا النحو حينما من الزمان غير معروف.
٢- أوجد الله أصل الإنسان من تراب ثم نفخ فيه من روحه ثم حدث التناسل والتكاثر من شيء ضعيف مهين وهو التقاء نطفتي الرجل والمرأة.
٣- كان القصد من خلق الإنسان هو الابتلاء والاختبار لذا أمده الله تعالى بمفاتيح المعرفة والهداية والعلم وأعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر وهما كنايتان عن الفهم والتمييز.
٤- أخبر الله تعالى أنه بعد أن ركّب الإنسان وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة بيّن له سبيل الهدى والضلال بقوله: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ.
٥- الآية المتقدمة دالة على أن إعطاء الحواس كالمقدم على إعطاء العقل وهذا صحيح لأن الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء إلا أنه أعطاه آلات تعينه على تحصيل تلك المعارف وهي الحواس الظاهرة والباطنة.
٦- المراد من هداية السبيل: خلق الدلائل وخلق العقل الهادي وبعثة الأنبياء وإنزال الكتب.
٧- أيا كان نوع الإنسان ومنهجه شاكرا أو كفورا فقد بيّن الله ما يحتاج إليه من الخير والطاعة.
٨- ليس المراد بالشاكر: من يشتغل بفعل الشكر وفعل الكفران وإلا لم
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي