ثم ذكر سبحانه أنه أعطاه ما يصحّ معه الابتلاء، فقال : إِنَّا هديناه السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً أي بينا له وعرّفناه طريق الهدى والضلال، والخير والشرّ، كما في قوله : وهديناه النجدين [ البلد : ١٠ ] قال مجاهد : أي بينا السبيل إلى الشقاء والسعادة. وقال الضحاك والسديّ وأبو صالح : السبيل هنا خروجه من الرحم. وقيل : منافعه ومضارّه التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله، وانتصاب شاكراً و كفوراً على الحال من مفعول هديناه أي مكناه من سلوك الطريق في حالتيه جميعاً. وقيل : على الحال من سبيل على المجاز : أي عرّفناه السبيل إما سبيلاً شاكراً وإما سبيلاً كفوراً. وحكى مكيّ عن الكوفيين أن قوله : إمّا هي إن شرطية زيدت بعدها ما : أي بينا له الطريق إن شكر وإن كفر. واختار هذا الفرّاء، ولا يجيزه البصريون لأن إن الشرطية لا تدخل على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل، ولا يصح هنا إضمار الفعل لأنه كان يلزم رفع شاكراً و كفوراً . ويمكن أن يضمر فعل ينصب شاكراً وكفوراً، وتقديره : إن خلقناه شاكراً فشكور وإن خلقناه كافراً فكفور، وهذا على قراءة الجمهور : إما شاكراً وإما كفوراً بكسر همزة إما. وقرأ أبو السماك وأبو العجاج بفتحها وهي على الفتح إما العاطفة في لغة بعض العرب، أو هي التفصيلية وجوابها مقدّر. وقيل : انتصب شاكراً وكفوراً بإضمار كان، والتقدير : سواء كان شاكراً أو كان كفوراً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : هَلْ أتى عَلَى الإنسان قال : كل إنسان. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله : أَمْشَاجٍ قال : أمشاجها عروقها. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم أَمْشَاجٍ قال : العروق. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ قال : ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال : أَمْشَاجٍ ألوان : نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وحمراء. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : الأمشاج الذي يخرج على أثر البول كقطع الأوتار ومنه يكون الولد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً قال : فاشياً. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عنه أيضاً في قوله : وَأَسِيراً قال : هو المشرك. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : مِسْكِيناً قال :«فقيراً وَيَتِيماً قال لا أب له وَأَسِيراً قال : المملوك والمسجون». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : وَيُطْعِمُونَ الطعام الآية قال : نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله : يَوْماً عَبُوساً قال : ضيقاً قَمْطَرِيراً قال : طويلاً. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله : يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً قال :«يقبض ما بين الأبصار». وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس قال : القمطرير الرجل المنقبض ما بين عينيه ووجهه. وأخرج ابن المنذر عنه ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُوراً قال : نضرة في وجوههم وسروراً في صدورهم.