جعلها مضغة مخلقة بعد أربعين اخرى اى قطعة لحم قابل لتفريق الأعضاء وتمييز بعضها من بعض وجعل المضغة عظاما تتميز بها الأعضاء بأن صلبها فكسا العظام لحما يحسن به خلقه وتصويره ويستعد لافاضة القوى ونفخ الروح فَسَوَّى فعدله وكمن نشأته (قال الكاشفى) پس راست كرد صورت وأندام او را وروح در دميد. وفى المفردات جعل خلقه على ما اقتضته الحكمة الالهية اى جعله معادلا لما تقتضيه الحكمة وقال بعضهم معنى النسوية والتعديل جعل كل عضو من أعضائه الزوج معادلا لزوجه فَجَعَلَ مِنْهُ اى من الإنسان باعتبار الجنس او من المنى وجعل بمعنى خلق ولذا اكتفى بمفعول واحد وهو قوله الزَّوْجَيْنِ اى الصنفين الذَّكَرَ وَالْأُنْثى بدل من الزوجين ويجوز أن يكونا منصوبين بإضمار أعنى ولا يخفى ان الفاء تفيد التعقيب فلا بد من مغايرة بين المتعاقبين فلعل قوله فخلق فسوى محمول على مقدار مقدر من الخلق يصلح به للتفرقة بين الزوجين وقوله فجعل منه الزوجين على التفرقة الواقعة أَلَيْسَ ذلِكَ العظيم الشان الذي انشأ هذا الإنشاء البديع بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى وهو أهون من البدء فى قياس العقل لوجود المادة وهو عجب الذنب والعناصر الاصلية (روى) ان النبي عليه السلام كان إذا قرأها قال سبحانك اللهم بلى تنزيها له تعالى عن عدم القدرة على الاحياء واثباتا لوقوعها عليه وفى رواية بلى والله بلى والله وقال ابن عباس رضى الله عنهما من قرأ سبح اسم ربك الأعلى اماما كان او غيره فليقل سبحان ربى الأعلى ومن قرأ لا اقسم بيوم القيامة فاذا انتهى الى آخرها فليقل سبحانك اللهم بلى اماما كان او غيره وفى الحديث (من قرأ منكم والتين والزيتون فانتهى الى آخرها أليس الله بأحكم الحاكمين فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ومن قرأ لا اقسم بيوم القيامة فانتهى الى أليس ذلك بقادر على ان يحيى الموتى فليقل سبحانك بلى ومن قرأ والمرسلات عرفا فبلغ فبأى حديث بعد، يؤمنون فليقل آمنا بالله) وفى الآية اشارة الى ان الله يحيى موتى اهل الدنيا بالاعراض عنها والإقبال على الآخرة والمولى وايضا يحيى موتى النفوس بسطوع أنوار القلوب عليها وايضا يحيى موتى القلوب تحت ظلمة النفوس الكافرة الظالمة بنور الروح والسر والخفي ومن أسند العجز الى الله فقد كفر بالله نسأل الله تعالى العصمة وحسن الخاتمة تمت سورة القيامة بعون من له الرحمة العامة فى الحادي والعشرين من ذى الحجة من سنة ست عشرة ومائة وألف
تفسير سورة الإنسان
احدى وثلاثون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم
هَلْ أَتى استفهام تقرير ونقريب فان هل بمعنى قد والأصل أهل أتى اى قد أتى وبالفارسية آيا آمد يعنى بدرستى كه آمد. تركوا الالف قبل هل لانها لا تقع الا فى الاستفهام وانما لزوم اداة الاستفهام ملفوظة او مقدرة إذا كان بمعنى قد ليستفاد التقرير من همزة الاستفهام والتقريب من قد فانها موضوعة لتقريب الماضي الى الحال والدليل على ان الاستفهام غير مراد
القلب فملكه واستأسر النفس والهوى فلم يجدا الى الحركة سبيلا فجانست النفس الروح وجانس الهوى العقل وصارت كلمة الله هى العليا قال الله تعالى قاتلوهم حتى لا تكون فتنة إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ مرتب على ما قبله من إعطاء الحواس فانه استئناف تعليلى لجعله سميعا بصيرا يعنى ان إعطاء الحواس الظاهرة والباطنة والتحلي بها متقدم على الهداية والمعنى أريناه وعرفناه طريق الخير والشر والنجاة والهلاك بانزال الآيات ونصب الدلائل كما قال وهديناه النجدين اى بيناله طريق الخير والشر فان النجد الطريق الواضح المرتفع فالمراد بالهداية مجرد الدلالة لا الدلالة الموصلة الى البغية كما فى بعض التفاسير إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً حالان من مفعول هديناه قال فى الإرشاد اى مكناه وأقدرناه على سلوك الطريق الموصل الى البغية فى حالتيه جميعا فاما التفصيل ذى الحال فانه مجمل من حيث الدلالة على الأحوال لا يعلم ان المراد هدايته فى حال كفره او فى حال إيمانه وبالتفصيل تبين انها تعلقت به فى كل واحدة من الحالين فالشاكر الموحد والكفور الجاحد لان الشكر الإقرار بالمنعم ورأس الكفر ان جحوده ويقال شاكر النعمة وكفورها قال الراغب الكفور يقال فى كافر النعمة وكافر الدين جميعا ويجوز أن يكون اما للتقسيم بأن يعتبر ذو الحال من حيث انه مطلق وهو اللفظ الدال على الماهية من حيث هى ويجعل كل واحد من مدخولى اما قيد اله فيحصل بالتقييد بكل منهما قسم منه اى مقسوما إليهما بعضهم شاكر بالاهتداء والاخذ فيه وبعضهم كفور بالاعراض عنه وإيراد الكفور لمراعاة الفواصل اى رؤوس الآي والاشعار بأن الإنسان قلما يخلو من كفران ما وانما المؤاخذ عليه الكفر المفرط والشكور قليل منهم ولذا لم يقل اما شكورا واما كفورا واما شاكرا واما كافرا والحاصل ان الشاكر والكفور كنايتان عن المثاب والمعاقب ولما لم يكن مجرد الكفران مستلزما للمواخذة لم يصح أن يجعل كناية عنها بخلاف مجرد الشكر فانه ملزوم الاثابة بمقتضى وعد الكريم فأدير أمر الاثابة على مطلق الشكر لا على المبالغة فيه كما ادير المؤاخذة على المبالغة فى الكفران لا على أصله وكل ذلك بمقتضى سعة رحمة الله وسبقها على غضبه وقرأ ابو السماك بفتح الهمزة فى اما وهى قراءة حسنة والمعنى اما كونه شاكرا فبتوفيقنا واما كونه كفورا فبسوء اختياره وفى التأويلات النجمية انا خير ناه فى الاهتداء الى سبيل الشكر المتعلق باليد اليمنى الجمالية او الى سبيل الكفر المتعلق باليد اليسرى الجلالية فاختار بعضهم سبيل الشكر من مقتضى حقائقهم واستعداداتهم الازلية واختار بعضهم سبيل الكفر من مقتضى حقائقهم وقابلياتهم الازلية ايضا كما قال هؤلاء اهل الجنة ولا أبالي وهؤلاء اهل النار ولا أبالي اى المدح والذم يتعلق بهم لا بي ولما ذكر الفريقين اتبعهما الوعيد والوعد فقال إِنَّا أَعْتَدْنا هيأنا فى الآخرة فان الاعتاد اعداد الشيء حتى يكون عتيدا حاضرا متى احتيج اليه لِلْكافِرِينَ من افراد الإنسان الذي هديناه السبيل سَلاسِلَ بها يقادون الى جهنم وفى كشف الاسرار اعتدنا للكافرين فى جهنم سلاسل كل سلسلة سبعون ذراعا وهو بغير تنوين فى قراءة حفص واما الوقف فبالالف تارة وبدونها اخرى وتسلسل الشيء اضطرب كأنه تصور
صفحة رقم 261روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء