وقيل المعنى: واعلموا أنّ الله.
فيجوز الابتداء بها مفتوحة على هذا القول.
وقيل: إنه كله خطاب للمؤمنين، أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن مثل ما فعلتم من أخذ الغنائم والأسرى قَبْل الإذن فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ، وإن تعودوا إلى مثل ذلك نَعُدْ إلى توبيخكم، كما قال تعالى: لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ (لَمَسَّكُمْ) [الأنفال: ٦٨] الآية.
وقيل المعنى: وَإِن تَعُودُواْ أيها الكفار، إلى مثل قولكم واستفتاحكم نعد إلى نصرة المؤمنين.
قوله: يا أيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ، إلى قوله: وهم مُّعْرِضُونَ.
المعنى: إنّ الله نهى المؤمنين أن يُدْبِروا عن النبي ﷺ، مخالفين لأمره، وهم يسمعون أمره، ولا يكونوا كالكفار الذين قالوا: سَمِعْنَا، بآذاننا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ، بقلوبهم، ولا يعتبرون ما يتلى عليهم. وأنَّما قيل:
وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ، وقد سمعوا؛ لأنّ من لم ينتفع بما سمع كان بمنزلة من لم يسمع.
وقوله: إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الصم البكم.
أي: إنَّ شرَّ ما دبّ على وجه الأرض من خلق الله عند الله الصم: عن الحق، فلا ينتفعون به. ولا يتدبرونه، البكم: عن قول الحق والإقرار بالله، تعالى، ورسله، صلوات الله عليه الذين لاَ يَعْقِلُونَ: العُمْيُ عن الهدى.
قال مجاهد هم صُمُّ القُلوبِ وبُكْمها وعُميها، وقرأ: فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار [الحج: ٤٦] الآية.
وعُني بهذه الآية عند ابن عباس: نفر من بني عبد الدار.
وقيل عُني بها: المنافقون.
ثم قال: وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ.
أي: لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه. أي: لو علم من نياتهم وضمائرهم مثل ما ينطقون به بأفواههم من الإيمان الذي لا يتعقدونه لأَسْمَعَهُمْ، أي لجعلهم يعتقدون بقلوبهم مثل ما ينطقون به بأفواههم، فالإسماع في هذا إسماع القلوب وقبولها ما تسمع الآذان.
وقوله: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ.
عاقبهم بالطبع على قلوبهم، لِمَا علم من إعراضهم عن الإيمان، وما علم من كفرهم، ولذلك دعا موسى عليه السلام. على قومه، فقال: واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم [يونس: ٨٨]. عاقبهم بالدعاء عليهم لِمَا تبين من إصراررهم على الفكر، وتماديهم عليه، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ذلك لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ، حسداً ومُعاندةٌ.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي