جربتموها وما أحدثت من قتل وأسر، وإن تعودوا لمحاربته وقتاله، وإلى ما كنتم من الكفر والضلالة، نعد إلى نصر النبي وهزيمتكم، ولن تفيدكم جماعتكم شيئا ولو كثرت، لأن الكثرة ليست دائما من وسائل النصر أمام القلة، فقد يحدث العكس، والله مع المؤمنين بالنصر والتأييد والتوفيق إلى النجاح، كما قال تعالى: إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)
[الصافات: ٣٧/ ١٧٣].
وجوب الطاعة لله والرسول
هناك تلازم واضح في شريعة القرآن بين الإيمان أو التصديق بالله تعالى وبرسوله، وبين وجوب طاعة الله والرسول، فلا يعقل بحال من الأحوال أن يكون هناك شيء من التناقض أو المخالفة، فكل من آمن بشيء وأحبه وجب عليه طاعته واحترام أوامره، ومما لا شك فيه أن الإيمان مصدر خير، فيكون داعيا إلى كل خير، ومن مستلزمات كون الشيء خيرا الإقبال عليه وملازمته، لذا جاءت الآيات القرآنية مقترنة دائما بين الخطاب بصفة الإيمان وما يدعو إليه ويقتضيه من طاعة الآمر ومحبته، كما في هذه الآيات:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٠ الى ٢٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
«١» [الأنفال: ٨/ ٢٠- ٢٣].
يتعهد الحق تبارك وتعالى عباده بالتربية والتوجيه، والتذكير وعقد المقارنات أو
الموازنات بين أهل الإيمان وأهل الكفر والعصيان، فإذا كان الشأن في غير المؤمنين ألا يسمعوا لأوامر الله ورسوله، وألا يطيعوا مطالبهما، فإن شأن المؤمنين والامتثال والطاعة، تحقيقا للسعادة، وللظفر برضوان الله وجنته، لذا أمر الله عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، وزجر عن مخالفته والتشبه بالكافرين المعاندين.
ومعنى الآية: يا أيها المتصفون بالإيمان، المصدقون بالله والرسول، أطيعوا الله والرسول في كل ما دعاكم إليه من أحكام التشريع في الدنيا والآخرة، والدعوة إلى جهاد الأعداء وترك الركون إلى الراحة والمال والشهوات والأهواء. ولا تتركوا الطاعة بحال، فإذا أمركم الله بالجهاد وبذل المال وغيرهما، امتثلتم، والحال أنكم تسمعون كلامه ومواعظه، وتعلمون ما دعاكم إليه القرآن من الأحكام والآداب والمواعظ، والمراد بالسماع: هو ما يفيد ويدفع إلى العمل، وهو سماع تدبر وفهم وتأمل في المسموع، وهذا هو شأن المؤمنين، بأن يقولوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢/ ٢٨٥]. وشأن غير المؤمنين أن يقولوا: سمعنا وعصينا.
فاحذروا أن تكونوا مثل غير المؤمنين الذين قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون، وهم المنافقون والمشركون، فإنهم يتظاهرون بالسماع والاستجابة، والواقع أنهم لا يسمعون أبدا.
ثم أخبر الله تعالى عن هؤلاء العتاة المتمردين غير السامعين لأوامر الله والرسول بأنهم شر الناس أو المخلوقات عند الله عز وجل، وأنهم أخس المنازل لديه، وأشبه بالدواب، وشرّ المخلوقات التي تدب على الأرض عند الله الصمّ الذين لا يسمعون الحق فيتبعونه، ولا ينطقون بالحق ولا يفهمونه، ولا يعقلون الفرق بين الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والإسلام والكفر، أي فكأنهم لتعطيلهم وسائط المعرفة وهي الحواس التي تكون طريقا للنفع والفائدة والخير،
فقدوا هذه القوى والمشاعر المدركة، وهم لو استخدموا عقولهم متجردين عن التقليد والعصبية الجاهلية، لاهتدوا إلى الحق والصواب، وأدركوا الصالح المفيد لهم وهو الإسلام، إلا أنهم في الواقع فقدوا صفة الإنسان، لأنهم لا يعقلون الأمور والمصالح الدائمة، ووصفهم الله بالصمم والبكم وسلب العقول.
روي أن هذه الآية نزلت في طائفة من بني عبد الدار، وظاهرها العموم فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بهذه الأوصاف.
ثم أخبر الله تعالى بأن عدم سمعهم وهداهم إنما هو بما علمه الله منهم وسبق من قضائه عليهم، بما عرفه من اختيارهم وتوجههم. فلو علم الله في نفوسهم ميلا إلى الخير والاستعداد للإيمان والاهتداء بنور الإسلام والنبوة لأفهمهم، وأسمعهم بتوفيقه كلام الله ورسوله سماع تدبر وتفهم واتعاظ، ولكن لا خير فيهم لأنه تعالى يعلم أنه لو أسمعهم أي أفهمهم، لتولوا عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك، وهم معرضون عنه من قبل ذلك، بقلوبهم والعمل به، فهم في الواقع لا خير فيهم أصلا.
وإذا سلب الإنسان أهليته واستعداده وخواصه في إدراك الخير والعمل بمقتضاه، لم يعد كفئا لأي شيء، ولم يرج منه نفع أو خير، وكان أحق باتصافه بالصفة غير الإنسانية، وهذا هو تشبيه القرآن لهؤلاء بالدواب الذين لا يعقلون ولا يفهمون.
الاستجابة لدعوة القرآن
القرآن الكريم دعوة صريحة حاسمة للسعادة الدائمة، والحياة الأبدية، لأنه تضمن نظام الدين الذي هو أساس الأنظمة وسبب الفلاح والصلاح وقاعدة التحضر والتمدن والاجتماع الفاضل، ولقد كان القرآن العظيم سبب عزة العرب والمسلمين قاطبة، وباعث نهضتهم وطريق الحفاظ على وجودهم وكرامتهم واستقلالهم، ودحر
التفسير الوسيط
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي