٢٤٦- قال الشافعي : وإنما نزلت : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شيء فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى اِلْقُرْبى بعد بَدْرٍ على ما وصفت لك(١)، يرفع خمسها، ويقسم أربعة أخماسها وافرا على من حضر الحرب من المسلمين ؛ إلا السَلَبُ(٢) فإنه سنَّ أنه للقاتل في الإقبال، فكان السلب خارجا منه ؛ وإلا الصَّفِيّ(٣) فإنه قد اختلف فيه، فقيل : كان يأخذه من سهمه من الخمس ؛ وإلا البالغين من السبي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن فيهم سننا فقتل بعضهم، وفادى ببعضهم أسرى المسلمين. ( الأم : ٧/٣٤٠. ون الأم : ٤/١٤٣. وأحكام الشافعي : ٢/٣٦-٣٨. )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
٢٤٧- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ (٤) الآية. وقال الله تعالى : مَّا أَفَاء اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ أهل اِلْقُرى (٥) الآية. وقال عز وجل : وَمَا أَفَاء اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ (٦) الآية. قال الشافعي : فالغنيمة والفيء يجتمعان في أن فيهما معا الخمس من جميعهما لمن سماه الله تعالى له، ومن سماه الله عز وجل في الآيتين معا سواء مجتمعين غير مفترقين. قال : ثم يتعرف الحكم في الأربعة الأخماس بما بين الله عز وجل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وفي فعله، فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة، والغنيمة هي المُوجَفُ عليها بالخيل والركاب لمن حضر من غني وفقير، والفيءُ : وهو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم في قرى عرينة التي أفاءها الله عليه : أن أربعة أخماسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون المسلمين يضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أراه الله عز وجل.
أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان(٧). قال : سمعت عمر ابن الخطاب، وعلي والعباس رحمة الله عليهم يختصمان إليه في أموال النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب. فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خالصا دون المسلمين، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفق منها على أهله نفقة سنة، فما فضُل جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل. ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم فولِيَها أبو بكر بمثل ما وليها به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وليها عمر بمثل ما وليها به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ثم سألتماني أن أوليكماها على أن تعملا فيها بمثل ما وليها به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وليها أبو بكر، ثم وليتها به، فجئتماني تختصمان أتريدان أن أدفع إلى كل واحد منكما نصفا ؟ أتريدان مني قضاء غير ما قضيت به بينكما أولا ؟ فلا والله الذي به تقوم السماء والأرض لا أقضي بينكما قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي أكفكماها(٨).
قال الشافعي : فقال لي سفيان : لم أسمعه من الزهري ولكن أخبرنيه عمرو بن دينار عن الزهري، قلت : كما قصصت ؟ قال : نعم(٩). ( الأم : ٤/١٣٩. ون أحكام الشافعي : ١/١٥٣-١٥٥. ومختصر المزني : ١٤٧-١٤٨. )
ــــــــــــ
٢٤٨- قال الشافعي رحمه الله : قال الله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ (١٠) الآية. وروي أن جبير بن مطعم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قسم سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان بن عفان رضي الله عنه، فقلنا : يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة(١١) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد(١٢) هكذا وشبك بين أصابعه »(١٣). وروى جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُعط بني عبد شمس ولا بني نوفل من ذلك شيئا.
قال الشافعي : فيعطى سهم ذي القربى في ذي القربى حيث كانوا، ولا يفضل أحد على أحد حضر القتال أو لم يحضر إلا سهمه في الغنيمة كسهم العامة. ولا فقير على غني ؛ ويعطى الرجل سهمين والمرأة سهما لأنهم أعطوا باسم القرابة.
فإن قيل : فقد أعطى صلى الله عليه وسلم بعضهم مائة وسق(١٤) وبعضهم أقل ؟ قيل : لأن بعضهم كان ذا وَلَدٍ فإذا أعطاه حظه وحظ غيره فقد أعطاه أكثر من غيره.
والدلالة على صحة ما حكيت من التسوية أن كل من لقيت من علماء أصحابنا لم يختلفوا في ذلك، وأن باسم القرابة أَعْطُوا، وأن حديث جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب.
قال الشافعي رحمه الله : ويفرق ثلاثة أخماس الخمس على من سمى الله تعالى : على اليتامى والمساكين وابن السبيل في بلاد الإسلام، يُحْصَوْنَ ثم يوزع بينهم لكل صنف منهم سهمه لا يعطى لأحد منهم سهم صاحبه. ( مختصر المزني ص : ١٥٠. ون الأم : ٤/١٤٦-١٤٧. و ٤/١٥٤. والرسالة : ٦٧-٧١. )
ــــــــــــ
٢٤٩- قال الشافعي : وقال الله عز وجل : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى اِلْقُرْبى (١٥) فكانت هذه الآية في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم :« إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد »(١٦) وكان الدليل عليه : أن لا يوجد أمر يقطع العَنَتَ، ويُلزم أهل العلم ـ والله أعلم ـ إلا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما فرض الله على نبيه صلى الله عليه وسلم : أن يؤتي ذا القربى حقَّهُ، وأَعْلَمَهُ أن لله خمسه وللرسول ولذي القربى فأعطى سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب، دلَّ على أن الذين أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس، هم : آل محمد الذين أُمِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليهم معه، والذين اصطفاهم من خلقه بعد نبيه صلى الله عليه وسلم فإنه يقول : إِنَّ اَللَّهَ اَصْطَفى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى اَلْعَالَمِينَ (١٧) فأعلم أنه اصطفى الأنبياء صلوات الله عليهم وآلهم. ( أحكام الشافعي : ١/٧٦-٧٧. )
٢ - السَلَبُ: ما يركب عليه المحارب من فرس ونحوه، وما يحمله من سلاح وما يلبسه من درع وثياب وما يتبع ذلك من لجام وسرج وأزرار ونحو ذلك. ن معجم لغة الفقهاء: سلب.
وروى البخاري في الخمس (٦١) باب: من لم يخمس الأسلاب (١٨)(ر٢٩٧٣) عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين علا رجلا من المسلمين، فاستدرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني. فلحقت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه.. » الحديث. وأخرجه في المغازي (٦٧) باب قول الله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ اِذَ اَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ.. (٥١)(ر٤٠٦٦-٤٠٦٧). وفي الأحكام (٩٧) باب: الشهادة تكون عند الحاكم (٢١)(ر٦٧٤٩).
ورواه مسلم في الجهاد والسير (٣٢) باب: استحقاق القاتل سلب القتيل (١٣)(ر١٧٥١).
ورواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، كلهم في الجهاد. ورواه مالك، وأحمد، والدارمي، والبيهقي..
٣ - روى أبو داود في الخراج والإمارة والفيء (١٤) باب: ما جاء في سهم الصفي (٢١)(ر٢٩٩١) عن عامر الشعبي قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم سهم يدعى الصَّفِيَّ، إن شاء عبدا، وإن شاء أمة، وإن شاء فرسا، يختاره قبل الخمس.
وروى في نفس الباب (ر٢٩٩٢) عن ابن عون قال: سألت محمدا (يعني ابن سيرين) عن سهم النبي صلى الله عليه وسلم والصَّفِيَّ، قال: كان يضرب له بسهم من المسلمين وإن لم يشهد، والصفي يؤخذ له رأس من الخمس قبل كل شيء.
وروى في نفس الباب (ر٢٩٩٣) عن قتادة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا كان له سهم صاف يأخذه من حيث شاء، فكانت صفية من ذلك السهم، وكان إذا لم يغز بنفسه ضرب له بسهمه ولم يُخير.
قال المنذري: وهذه الأحاديث كلها مرسلة. ن سنن أبي داود ٣/٢٦٤..
٤ - الأنفال: ٤١. وتمامها: وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى اِلْقُرْبى وَالْيَتَامى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ اِلسَّبِيلِ..
٥ - الحشر: ٧. وتمامها: فَلِلهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى اِلْقُرْبى وَالْيَتَامى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ اِلسَّبِيلِ كَىْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ اَلاَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا ءَاتياكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهياكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اَللَّهَ إِنَّ اَللَّهَ شَدِيدُ اَلْعِقَابِ ..
٦ - الحشر: ٦. وتمامها: فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَـاكِنَّ اَللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُو عَلَى مَنْ يَّشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ..
٧ - مالك بن أوس بن الحدثان، أبو سعيد. قيل: رأى الصديق. سمع عمر وعثمان. وعنه: الزهري، وابن المنكدر. ت سنة: ٩٢هـ. الكاشف: ٣/٩٣. ون التهذيب: ٨/١٠. وقال في التقريب: له رؤية..
٨ - أخرجه البخاري مختصرا ومطولا في الجهاد (٦٠) باب: الْمِجَنُّ ومن يَتَتَرَّسُ بِتُرْسِ صاحبه (٧٩)(ر٢٧٤٨)، وفي الخمس (٦١) باب: فرض الخمس (١)(ر٢٩٢٧)، وفي المغازي (٦٧) باب: حديث بني النظير (١١)(ر٣٨٠٩). وفي تفسير الحشر (٦٨) باب قوله: وَمَا أَفَاء اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ (٣٦٣)(ر٤٦٠٣)، وفي النفقات (٧٢) باب: حبس نفقة الرجل قوتَ سنةٍ على أهله وكيف نفقات العيال (٣)(ر٥٠٤٣)، وفي الفرائض (٨٨) باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: « لا نورث ما تركنا صدقة » (٢)(ر٦٣٤٧)، وفي الاعتصام بالكتاب والسنة (٩٩) باب: ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع (٥)(ر٦٨٧٥).
وأخرجه مسلم في الجهاد والسير (٣٢) باب: حكم الفيء (١٥)(ر١٧٥٧).
وأخرجه أبو داود في الخراج والإمارة والفيء (١٤) باب: صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأموال (١٩)(ر٢٩٦٣ و ٢٩٦٤ و ٢٩٦٥).
وأخرجه الترمذي في السير (١٨) باب: ما جاء في تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم (٤٤)(ر١٦١٠)، وفي الجهاد (٢٠) باب: ما جاء في الفيء (٣٩)(ر١٧١٩).
وأخرجه النسائي في قسم الفيء (٣٨) الباب الأول (ر٤١٥١)..
٩ - رواه الشافعي في المسند (ر١٤٢٠) بهذا اللفظ.
ورواه البيهقي في كتاب قسم الفيء والغنيمة باب: بيان معرفة أربعة أخماس الفيء في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم: ٦/٢٩٦..
١٠ - الأنفال: ٤١..
١١ - أي لأن الجميع من بني عبد مناف، ولكن عثمان رضي الله عنه من بني عبد شمس، وجبير بن مطعم رضي الله عنه من بني نوفل..
١٢ - أي في الاستحقاق لنصرتهم له صلى الله عليه وسلم قبل إسلامهم وبعده..
١٣ - أخرجه البخاري في الخمس (٦١) باب: ومن الدليل على أن الخمس للإمام (١٧)(ر٣٩٧١). وفي المناقب (٦٥) باب: مناقب قريش (٢)(ر٣٣١١). وفي المغازي (٦٧) باب: غزوة خيبر (٣٦)(ر٣٩٨٩).
زاد البخاري: وقال ابن إسحاق: عبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم.
وأخرجه أبو داود في الخراج والإمارة والفيء (١٤) باب: في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى
(٢٠)(ر٢٩٧٨).
وأخرجه النسائي في الفيء (٣٨)(ر٤١٤٧ و ٤١٤٨).
وأخرجه ابن ماجة في الجهاد (٢٤) باب: قسمة الفيء (٤٦)(ر٢٨٨١).
ورواه أحمد، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١٤٢٤)..
١٤ - الوَسْقُ: مكيال قدره حمل بعير أو ستون صاعا أي ١٦٥ لترا. ن معجم لغة الفقهاء: وسق..
١٥ - الأنفال: ٤١..
١٦ - لم أقف عليه بهذا اللفظ. وقد رواه مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بلفظ « إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد..» الحديث. كتاب الزكاة (١٢) باب: ترك استعمال آل النبي على الصدقة (٥١)(ر١٠٧٢).
ورواه أحمد في مسنده من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب بلفظ « لا تحل لمحمد ولا لآل محمد » وبلفظ: « ألا إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد ».
ورواه البيهقي عن أبي رافع في كتاب الصدقات باب: موالي بني هاشم وبني المطلب ٧/٣٢. بلفظ: « إن الصدقة لا تحل لنا »، وعن مهران مولى النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ: « إنا أهل بيت نهينا عن الصدقة »..
١٧ - آل عمران: ٣٣..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي