( ١ ) يوم الفرقان : المقصود هنا يوم النصر الذي يسره الله للمؤمنين، ففرق بذلك بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل.
شرح الآية
وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ..
وما ورد في صددها من تأويلات وأحاديث وتعليقات عليها.
في الآية إعلام للمسلمين على سبيل التشريع، فإن أي شيء غنموه فإن خمسه لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. وتوكيد عليهم بالوقوف عند هذا الأمر إذا كانوا قد آمنوا بما أنزل الله علي نبيه من النصر يوم التحام المعركة بينهم وبين الكفار. وهو يوم الفرقان الذي فرق الله به بين الحق والباطل ونصر الحق وأزهق الباطل.
وتخصيص التشريع بالخمس يؤكد كما قلنا الرواية المروية عن مجاهد التي أوردناها في سياق شرح الآيات الأولى من السورة من كون الخلاف والاعتراض كان على إفراز الخمس من الغنائم، فنزلت هذه الآية التشريعية بأسلوبها القوي لإقرار ذلك.
ومع أن الغنائم التي وقع عليها الخلاف واقتضت حكمة التنزيل إنزال هذا التشريع فيها هي غنائم بدر، فإن أسلوب التشريع جاء مطلقا ليكون خمس كل غنيمة يغتنمها المسلمون للجهات التي ذكرها التشريع حكما شرعيا مستمرا.
وهذا الحكم ذو خطورة عظمى من ناحية كونه أول تشريع قرآني مالي ورسمي محدد يستولي بموجبه السلطان الإسلامي الذي كان يتمثل حين نزوله في شخص النبي صلى الله عليه وسلم وينفقه على المصالح الإسلامية التي تتمثل حسب نص التشريع في الله ورسوله وذي القربى(١). وعلى الطبقات المعوزة التي تتمثل في اليتامى والمساكين وابن السبيل. وهكذا جعل التشريع القرآني مساعدة الطبقات المعوزة أساسية في نظام الدولة الإسلامية المالي كما هو واضح، فكانت الشريعة الإسلامية في ذلك أسبق الشرائع إلى تقرير هذا الأمر على الوجه والشمول والصراحة الذي جاء عليه. ولقد نبهنا على ما لهذا الأمر من خطورة في بيان المجتمع الإسلامي وصلاحه وأمنه وما انطوى فيه من حكمة ربانية في تعليقنا على الزكاة في تفسير سورة المزمل فنكتفي بهذا التنبيه.
وقد وصفنا تشريع الخمس بالأولية ؛ لأن مصارف الزكاة لم تكن قد حددت بعد تحديدا قرآنيا ؛ لأن هذا التحديد إنما ورد في آية سورة التوبة هذه إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٦٠ ) وسورة التوبة مما نزل في أواخر عهد رسول الله. وإن كان هذا لا ينفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يوزع الزكاة ـ وهي الصدقات ـ التي كان يأخذها من الذين عليهم الحق على المصارف المذكورة في الآية.
وفي كتب التفسير أحاديث وروايات عديدة ومتنوعة في فحوى الآية التشريعي :
أولا : إن المستفاد منها أن الجمهور من أهل السنة يؤولون الغنيمة بما يدخل في حوزة المسلمين من عدوهم من غنائم متنوعة نتيجة لحرب وقتال. أما ما يدخل في حوزتهم من عدوهم بدون حرب وقتال فهو الفيء الذي ورد فيه تشريع خاص في سورة الحشر التي يأتي تفسيرها في هذا الجزء.
ولقد روى الطبري عن قتادة أن هذه الآية نسخت تشريع سورة الحشر. وفنّد هذا القول. وهو حق وصواب، وقد يمكن أن يزاد إلى هذا أن سورة الحشر نزلت في صدد غنائم بني النضير التي كانت بعد وقعة بدر حيث يبدو قول النسخ غريبا.
وقد قيدنا الكلام لصفة الغنيمة بأنه مذهب جمهور أهل السنة ؛ لأن من الشيعة من يذهب إلى أن الغنيمة هي كل فائدة وعائدة للمسلمين من تجارة وكنوز فضلا عما يأخذونه من أعدائهم بالحرب ويوجب على كل ذلك الخمس استنادا على ما يبدو إلى إطلاق التعبير في جملة وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ والتعبير وإن كان مطلقا حقا وكلمة الغنيمة وإن كانت تفيد لغة ما لغنيمة المرء مطلقا فإن من اليقين أن التشريع في صدد غنائم حرب بدر ثم صار عاما لغنائم الحرب. وهناك أحاديث صحيحة تحصر الغنائم بغنائم الحرب على ما سوف نورده بعد قليل، ولم ترو رواية عن رسول الله وأصحابه فيما اطلعنا عليه بل وتابعيهم غير ذلك من غير طرق شيعية مما يجعل قول جمهور أهل السنة هو الوجه الحق. وقد يخطر للبال أن رؤساء الشيعة وأئمتهم قد توسعوا في الأمر لتوفير أكبر جباية ممكنة من مختلف ما يكسبه أتباعهم في الظروف التي كانوا شديدي النشاط فيها في سبيل دعوتهم ودعايتهم ومنافسة خصومهم الأمويين أولا والعباسيين بعدهم والحلول محلهم في السلطان. وقد وصل الأمر في هذا إلى أن يسجلوا حديثا عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه قال : إن جميع خمس الغنائم لأقارب رسول الله، وأنه لما قيل له إن الله يقول : وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ قال : هم أيتامنا ومساكيننا(٢).
وثانيا : يلحظ أن الآية لا تذكر إلا الخمس، أما الأخماس الأربعة الأخرى فالمأثورات المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم قد بينت ذلك ؛ حيث كانت توزع على الذين يشهدون ويشتركون في الحرب والقتال. ومن ذلك حديث رواه أبو العالية الرباحي جاء فيه :( كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يؤتى بالغنيمة فيخمسها على خمسة، أربعة منها لمن يشهدها ثم يأخذ الخمس )(٣). وحديث آخر رواه البيهقي بإسناد صحيح جاء فيه :( إن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب رجلا سأله عن الغنيمة، فقال : لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش. فقال له السائل : فما أحد أولى به من أحد ؟ قال : لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك لست أحق به من أخيك المسلم )(٤) وحديث رواه أبو داود والنسائي عن عمرو بن عبسة قال :" صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المغنم، ولما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال : ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس والخمس مردود فيكم " (٥). وحديث رواه الأربعة عن ابن عمر قال :" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم في النفل لفرس سهمين وللرجل سهما، وفي رواية ( أسهم لرجل وفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه )(٦).
وهناك رواية يرويها الإمامان أبو عبيد وأبو يوسف في كتابيهما " الأموال والخراج " تفيد أن النبي كان يقسم للفرس سهما وللرجل سهما. ومما رواه المفسرون : أن جميع النفل كان يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيخرج الخمس منه يرضخ لمن لا سهم له ممن يكونون شهدوا المعركة من النساء والعبيد والصبيان ولمن شاءت حكمته أن يرضخ له من ذوي البلاء المتميز، ثم يقسم الباقي سهاما على المجاهدين حسب النسبة المذكورة التي اختلفت رواياتها بين ثلاثة أسهم للفارس وفرسه وسهم للراجل وبين سهمين للفارس وفرسه وسهم للراجل. والأحاديث تفيد أن الغنائم كانت تسلم جميعها لرسول الله فيأخذ الخمس ويرضخ ما يرضخ ثم يقسم الباقي. وهذا يفيد أن هذه المهمة تكون منوطة بولي أمر المسلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد روت الروايات الكثيرة أن قواد الفتح بعد النبي كانوا يفرزون الخمس فيرسلونه إلى الخليفة ويقسمون الباقي على المجاهدين، والراجح أنهم كانوا يفعلون ذلك بتفويض من الخليفة... ومع ذلك فليس في عملهم شذوذ عن روح التشريع القرآني والنبوي.
ولقد كان المسلمون في زمن النبي والخلفاء الراشدين يتجهزون ويتمونون للجهاد من أموالهم الخاصة. والمتبادر أن حكمة توزيع الأخماس الأربعة عليهم متصلة بذلك عدا ما يخولهم ذاك إقدامهم على الجهاد والتضحية. وقد يرد في المال تجاه ما أخذ يجري في القرون المتأخرة واليوم من التزام بيت المال بتجهيز المحاربين سلاحا ومؤونة وحمولة ونفقة ومرتبات ما إذا يصح أن يكون الأمر موضع نظر واجتهاد تبعا للقاعدة الشرعية بتغير الأحكام بتغير الأزمان. وقد أخذ حكام الدول الإسلامية يجرون على الاستيلاء على جميع الغنائم لبيت المال بناء على ذلك على ما هو المتبادر. وقد يكون الوارد والعمل في محله. وقد يكون التلقين المنطوي في آية الفيء في سورة الحشر التي جعلت جميع الفيء لبيت المال دون المسلمين ؛ لأنهم لم يوجفوا بخيل ولا ركاب مما يمكن أن يورد في سبيل تدعيم ذلك. والله تعالى أعلم.
ثالثا : هناك من قال : إن عدد مصارف خمس الغنائم خمسة. وهي رسول الله وذو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. وإن ذكر الله للتشريف.
وهناك من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرز سهما للكعبة ويقول هذا سهم الله وينفقه على شؤونها، وليس هناك حديث نبوي وثيق وصريح. وفي مصارف الزكاة ذكر سبيل الله من مصارف الزكاة كما جاء في آية سورة التوبة هذه إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [ ٦٠ ] والمتبادر أن كلمة الله في آية الأنفال وكلمة سبيل الله في آية التوبة في معنى وهدف واحد ؛ حيث أرادت حكمة التنزيل أن ينفق من خمس الغنائم على شؤون الدين وسبيل الله والدعوة والجهاد إلخ فذكرت كلمة الله هنا في مقام كلمة سبيل الله في آية التوبة. وهكذا تكون سهام أو عدد مصارف خمس الغنائم ستة.
رابعا : هناك من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ سهما من الخمس فينفق منه ما هو في حاجة إليه ويضع الباقي حيث شاء. وهناك من روى أن رسول الله كان يعطي أقاربه ما بقي من سهمه. وليس من تعارض بين الروايتين. وتعددت الروايات في هذا السهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها أنه صار لخليفته، ومنها أنه من حق أقاربه ومنها أن أبا بكر رده إلى بيت المال، ومنها أنه جعله لشراء الكراع والسلاح وأن هذا تم بعد تشاور بينه وبين كبار أصحاب رسول الله، وأن هذا هو الذي جرى الأمر عليه بعد أبي بكر. والمستفاد من ما أورده جمهور المفسرين من أهل السنة من روايات وأقوال أن سهم رسول الله ينفق على سبيل الله. ولقد اتفق أصحاب رسول الله على تخصيص نفقة لخليفته الأول وصار الخلفاء يأخذون نفقة من بيت المال، ولم يكن شيء من ذلك للنبي في حياته. فلم يكن من محل لتحويل سهم رسول الله لخليفته. والشيعة يذهبون إلى أن هذا السهم إرث يستحقه ورثة النبي صلى الله عليه وسلم أو أبناء ابنته فاطمة رضي الله عنهم بخاصة. وهناك أحاديث معتبرة عند أهل السنة تتضمن دلائل قوية ضد هذا المذهب. والأحاديث تورد في صدد سهم رسول الله في الفيء الذي خصص جميعه لما خصص له خمس الغنائم، ولكن دلالتها شاملة لسهم رسول الله في حياته وبعد وفاته كما هو المتبادر القوي منها. منها حديث رواه الخمسة عن عمر قال :" كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي خاصة ينفق على أهله منه وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله " (٧). ومنها حديث رواه أبو داود عن عمر قال :" كانت لرسول الله ثلاث صفايا بنو النضير وخيبر وفدك.
وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ ( ١ ) يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ٤١ ) [ ٤١ ].
شرح الآية
وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ..
وما ورد في صددها من تأويلات وأحاديث وتعليقات عليها.
في الآية إعلام للمسلمين على سبيل التشريع، فإن أي شيء غنموه فإن خمسه لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. وتوكيد عليهم بالوقوف عند هذا الأمر إذا كانوا قد آمنوا بما أنزل الله علي نبيه من النصر يوم التحام المعركة بينهم وبين الكفار. وهو يوم الفرقان الذي فرق الله به بين الحق والباطل ونصر الحق وأزهق الباطل.
وتخصيص التشريع بالخمس يؤكد كما قلنا الرواية المروية عن مجاهد التي أوردناها في سياق شرح الآيات الأولى من السورة من كون الخلاف والاعتراض كان على إفراز الخمس من الغنائم، فنزلت هذه الآية التشريعية بأسلوبها القوي لإقرار ذلك.
ومع أن الغنائم التي وقع عليها الخلاف واقتضت حكمة التنزيل إنزال هذا التشريع فيها هي غنائم بدر، فإن أسلوب التشريع جاء مطلقا ليكون خمس كل غنيمة يغتنمها المسلمون للجهات التي ذكرها التشريع حكما شرعيا مستمرا.
وهذا الحكم ذو خطورة عظمى من ناحية كونه أول تشريع قرآني مالي ورسمي محدد يستولي بموجبه السلطان الإسلامي الذي كان يتمثل حين نزوله في شخص النبي صلى الله عليه وسلم وينفقه على المصالح الإسلامية التي تتمثل حسب نص التشريع في الله ورسوله وذي القربى(١). وعلى الطبقات المعوزة التي تتمثل في اليتامى والمساكين وابن السبيل. وهكذا جعل التشريع القرآني مساعدة الطبقات المعوزة أساسية في نظام الدولة الإسلامية المالي كما هو واضح، فكانت الشريعة الإسلامية في ذلك أسبق الشرائع إلى تقرير هذا الأمر على الوجه والشمول والصراحة الذي جاء عليه. ولقد نبهنا على ما لهذا الأمر من خطورة في بيان المجتمع الإسلامي وصلاحه وأمنه وما انطوى فيه من حكمة ربانية في تعليقنا على الزكاة في تفسير سورة المزمل فنكتفي بهذا التنبيه.
وقد وصفنا تشريع الخمس بالأولية ؛ لأن مصارف الزكاة لم تكن قد حددت بعد تحديدا قرآنيا ؛ لأن هذا التحديد إنما ورد في آية سورة التوبة هذه إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٦٠ ) وسورة التوبة مما نزل في أواخر عهد رسول الله. وإن كان هذا لا ينفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يوزع الزكاة ـ وهي الصدقات ـ التي كان يأخذها من الذين عليهم الحق على المصارف المذكورة في الآية.
وفي كتب التفسير أحاديث وروايات عديدة ومتنوعة في فحوى الآية التشريعي :
أولا : إن المستفاد منها أن الجمهور من أهل السنة يؤولون الغنيمة بما يدخل في حوزة المسلمين من عدوهم من غنائم متنوعة نتيجة لحرب وقتال. أما ما يدخل في حوزتهم من عدوهم بدون حرب وقتال فهو الفيء الذي ورد فيه تشريع خاص في سورة الحشر التي يأتي تفسيرها في هذا الجزء.
ولقد روى الطبري عن قتادة أن هذه الآية نسخت تشريع سورة الحشر. وفنّد هذا القول. وهو حق وصواب، وقد يمكن أن يزاد إلى هذا أن سورة الحشر نزلت في صدد غنائم بني النضير التي كانت بعد وقعة بدر حيث يبدو قول النسخ غريبا.
وقد قيدنا الكلام لصفة الغنيمة بأنه مذهب جمهور أهل السنة ؛ لأن من الشيعة من يذهب إلى أن الغنيمة هي كل فائدة وعائدة للمسلمين من تجارة وكنوز فضلا عما يأخذونه من أعدائهم بالحرب ويوجب على كل ذلك الخمس استنادا على ما يبدو إلى إطلاق التعبير في جملة وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ والتعبير وإن كان مطلقا حقا وكلمة الغنيمة وإن كانت تفيد لغة ما لغنيمة المرء مطلقا فإن من اليقين أن التشريع في صدد غنائم حرب بدر ثم صار عاما لغنائم الحرب. وهناك أحاديث صحيحة تحصر الغنائم بغنائم الحرب على ما سوف نورده بعد قليل، ولم ترو رواية عن رسول الله وأصحابه فيما اطلعنا عليه بل وتابعيهم غير ذلك من غير طرق شيعية مما يجعل قول جمهور أهل السنة هو الوجه الحق. وقد يخطر للبال أن رؤساء الشيعة وأئمتهم قد توسعوا في الأمر لتوفير أكبر جباية ممكنة من مختلف ما يكسبه أتباعهم في الظروف التي كانوا شديدي النشاط فيها في سبيل دعوتهم ودعايتهم ومنافسة خصومهم الأمويين أولا والعباسيين بعدهم والحلول محلهم في السلطان. وقد وصل الأمر في هذا إلى أن يسجلوا حديثا عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه قال : إن جميع خمس الغنائم لأقارب رسول الله، وأنه لما قيل له إن الله يقول : وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ قال : هم أيتامنا ومساكيننا(٢).
وثانيا : يلحظ أن الآية لا تذكر إلا الخمس، أما الأخماس الأربعة الأخرى فالمأثورات المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم قد بينت ذلك ؛ حيث كانت توزع على الذين يشهدون ويشتركون في الحرب والقتال. ومن ذلك حديث رواه أبو العالية الرباحي جاء فيه :( كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يؤتى بالغنيمة فيخمسها على خمسة، أربعة منها لمن يشهدها ثم يأخذ الخمس )(٣). وحديث آخر رواه البيهقي بإسناد صحيح جاء فيه :( إن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب رجلا سأله عن الغنيمة، فقال : لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش. فقال له السائل : فما أحد أولى به من أحد ؟ قال : لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك لست أحق به من أخيك المسلم )(٤) وحديث رواه أبو داود والنسائي عن عمرو بن عبسة قال :" صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المغنم، ولما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال : ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس والخمس مردود فيكم " (٥). وحديث رواه الأربعة عن ابن عمر قال :" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم في النفل لفرس سهمين وللرجل سهما، وفي رواية ( أسهم لرجل وفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه )(٦).
وهناك رواية يرويها الإمامان أبو عبيد وأبو يوسف في كتابيهما " الأموال والخراج " تفيد أن النبي كان يقسم للفرس سهما وللرجل سهما. ومما رواه المفسرون : أن جميع النفل كان يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيخرج الخمس منه يرضخ لمن لا سهم له ممن يكونون شهدوا المعركة من النساء والعبيد والصبيان ولمن شاءت حكمته أن يرضخ له من ذوي البلاء المتميز، ثم يقسم الباقي سهاما على المجاهدين حسب النسبة المذكورة التي اختلفت رواياتها بين ثلاثة أسهم للفارس وفرسه وسهم للراجل وبين سهمين للفارس وفرسه وسهم للراجل. والأحاديث تفيد أن الغنائم كانت تسلم جميعها لرسول الله فيأخذ الخمس ويرضخ ما يرضخ ثم يقسم الباقي. وهذا يفيد أن هذه المهمة تكون منوطة بولي أمر المسلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد روت الروايات الكثيرة أن قواد الفتح بعد النبي كانوا يفرزون الخمس فيرسلونه إلى الخليفة ويقسمون الباقي على المجاهدين، والراجح أنهم كانوا يفعلون ذلك بتفويض من الخليفة... ومع ذلك فليس في عملهم شذوذ عن روح التشريع القرآني والنبوي.
ولقد كان المسلمون في زمن النبي والخلفاء الراشدين يتجهزون ويتمونون للجهاد من أموالهم الخاصة. والمتبادر أن حكمة توزيع الأخماس الأربعة عليهم متصلة بذلك عدا ما يخولهم ذاك إقدامهم على الجهاد والتضحية. وقد يرد في المال تجاه ما أخذ يجري في القرون المتأخرة واليوم من التزام بيت المال بتجهيز المحاربين سلاحا ومؤونة وحمولة ونفقة ومرتبات ما إذا يصح أن يكون الأمر موضع نظر واجتهاد تبعا للقاعدة الشرعية بتغير الأحكام بتغير الأزمان. وقد أخذ حكام الدول الإسلامية يجرون على الاستيلاء على جميع الغنائم لبيت المال بناء على ذلك على ما هو المتبادر. وقد يكون الوارد والعمل في محله. وقد يكون التلقين المنطوي في آية الفيء في سورة الحشر التي جعلت جميع الفيء لبيت المال دون المسلمين ؛ لأنهم لم يوجفوا بخيل ولا ركاب مما يمكن أن يورد في سبيل تدعيم ذلك. والله تعالى أعلم.
ثالثا : هناك من قال : إن عدد مصارف خمس الغنائم خمسة. وهي رسول الله وذو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. وإن ذكر الله للتشريف.
وهناك من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرز سهما للكعبة ويقول هذا سهم الله وينفقه على شؤونها، وليس هناك حديث نبوي وثيق وصريح. وفي مصارف الزكاة ذكر سبيل الله من مصارف الزكاة كما جاء في آية سورة التوبة هذه إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [ ٦٠ ] والمتبادر أن كلمة الله في آية الأنفال وكلمة سبيل الله في آية التوبة في معنى وهدف واحد ؛ حيث أرادت حكمة التنزيل أن ينفق من خمس الغنائم على شؤون الدين وسبيل الله والدعوة والجهاد إلخ فذكرت كلمة الله هنا في مقام كلمة سبيل الله في آية التوبة. وهكذا تكون سهام أو عدد مصارف خمس الغنائم ستة.
رابعا : هناك من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ سهما من الخمس فينفق منه ما هو في حاجة إليه ويضع الباقي حيث شاء. وهناك من روى أن رسول الله كان يعطي أقاربه ما بقي من سهمه. وليس من تعارض بين الروايتين. وتعددت الروايات في هذا السهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها أنه صار لخليفته، ومنها أنه من حق أقاربه ومنها أن أبا بكر رده إلى بيت المال، ومنها أنه جعله لشراء الكراع والسلاح وأن هذا تم بعد تشاور بينه وبين كبار أصحاب رسول الله، وأن هذا هو الذي جرى الأمر عليه بعد أبي بكر. والمستفاد من ما أورده جمهور المفسرين من أهل السنة من روايات وأقوال أن سهم رسول الله ينفق على سبيل الله. ولقد اتفق أصحاب رسول الله على تخصيص نفقة لخليفته الأول وصار الخلفاء يأخذون نفقة من بيت المال، ولم يكن شيء من ذلك للنبي في حياته. فلم يكن من محل لتحويل سهم رسول الله لخليفته. والشيعة يذهبون إلى أن هذا السهم إرث يستحقه ورثة النبي صلى الله عليه وسلم أو أبناء ابنته فاطمة رضي الله عنهم بخاصة. وهناك أحاديث معتبرة عند أهل السنة تتضمن دلائل قوية ضد هذا المذهب. والأحاديث تورد في صدد سهم رسول الله في الفيء الذي خصص جميعه لما خصص له خمس الغنائم، ولكن دلالتها شاملة لسهم رسول الله في حياته وبعد وفاته كما هو المتبادر القوي منها. منها حديث رواه الخمسة عن عمر قال :" كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي خاصة ينفق على أهله منه وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله " (٧). ومنها حديث رواه أبو داود عن عمر قال :" كانت لرسول الله ثلاث صفايا بنو النضير وخيبر وفدك.
التفسير الحديث
دروزة