ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ

وقوله تعالى :( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ /٢٠٠-أ/ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) قال عامة أهل التأويل : إن الغنيمة هي التي أصاب المسلمون من أموال المشركين بالقتال عنوة، والفيء ما يعطون بأيديهم صلحا. والغنيمة : يأخذ الإمام الخمس منها، والباقي يقسم بينهم، والفيء يأخذه الإمام، فيضعه في مصلحة المسلمين، وليس فيه الخمس. وقال بعضهم : الغنيمة والفيء واحد.
ثم قوله تعالى :( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) إلى آخر ما ذكر ؛ ذكر الخمس، ولم يذكر أربعة[ في الأصل وم : الأربعة ] الأخماس أنها لمن ؟ لكنها للمقابلة يقول تعالى :( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا )[ الأنفال : ٦٩ ] فكانت الغنيمة كلها لمن غنمها بظاهر هذه الآية إلا ما استثنى الله منها بالآية الأولى، وهو الخمس. وهذا مما أجمع عليه أهل العلم. وعلى ذلك تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صحابته موقوفة من بعده.
روي أن اليبي صلى الله عليه وسلم :«سئل عن المال ؛ يعني الغنيمة، فقال[ في الأصل وم : قال ] : لي خمسه، وأربعة أخماسه لهؤلاء »[ البيهقي في شعب الإيمان٤٣٢٩ ] يعني المسلمين. وروي أنه قسمها بين المقاتلة ؛ يعني أربعة[ في الأصل وم : الأربعة ] الأخماس.
وفي بعض الأخبار أن أبا الدرداء، وعبادة بن الصامت، والحارث بن معاوية، كانوا جلوسا، فقال أبو الدرداء :«أيكم يذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث صلى إلى بعير من المغنم، فلما انصرف، فتناول من وبر البعير، فقال : ما يحل لي من غنائمكم ما يزن هذه إلا الخمس، ثم هو مردود فيكم » ؟ [ النسائي٧/١٣١ ].
وعن ابن عمر رضي الله عنه، [ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قال : كانت الغنائم تجزأ خمسة أجزاء، ثم يسهم عليها، فلما صار لرسول الله فهو له.
وعن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قال : كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس ؛ أربعة منها لمن قاتل عليها، وغير ذلك من الأخبار، وعلى ذلك اتفاق الأمة.
ومنهم من يقول : تقسم على ستة : سهم لله يجعل في ستر الكعبة، وسهم لرسول الله ينتفع به. ومنهم من قال : يقسم على خمسة : سهم لرسول الله، وأربعة أخماس لمن غنم. ومنهم من يقول : تقسم على أربعة : سهم لرسول الله، وثلاثة أرباع[ في الأصل وم : أرباعه ] لمن غنم.
ثم قوله تعالى :( فأن لله خمسه وللرسول ) تحتمل إضافة ذلك إلى نفسه وجهين :
أحدهما : لما جعل ذلك لإقامة العبادات وأنواع البر والخير، والقرب التي هي لله، فأضيفت[ في الأصل وم : فأضيف ] إليه إلى ما أضيفت المساجد إليه بقوله تعالى :( وأن المساجد لله )[ الجن : ١٨ ] وإن كانت البقاع كلها لله. وكذلك ما سمى الكعبة بيت الله وإن كانت البيوت كلها لله لما جعلها لإقامة العبادات وأنواع القرب. فأضيف إلى الله ذلك. فعلى ذلك تحتمل إضافة ذلك السهم إلى الله لما جعله لإقامة العبادات والقرب وأنواع البر، والله أعلم.
والثاني : أضاف ذلك إلى نفسه خصوصية، ولرسول[ الواو ساقطة من الأصل وم ] الله إذا كان ذلك لرسوله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله وأموره لله خالصا، لم يكن لنفسه ولا لأحد من الخلق. فعلى ذلك جميع ماله وما تحويه يده لم يكن له، إنما كان ذلك لله خالصا، يصرف ذلك في أنواع القرب والبر في القرابة، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل الأحياء منهم والأموات جميعا، والقريب منهم والبعيد جميعا.
ألا ترى أنه قال :«يا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة » ؟ [ التمهيد٧/١٧٥ ] هذا يدل على أن ما يترك صدقة، لا يورث منه، ولو كان له لتوارث ورثته ما يورث من غيره. دل أن نفسه وماله كان لله خالصا، وكذلك جميع أموره لله.
ألا ترى أنه روي في الخبر أنه كان يجوع يوما، ويشبع يوما، ويجوع ثلاثا، وكان يربط الحجر على بطنه للجوع ؟
فإذا كانت إضافة ذلك الخمس إلى الله لخصوصية له وخلوص نفسه وماله له، وإن كانت جميع الخلائق وما تحويه أيديهم لله حقيقة، لكن لهم فيها الانتفاع وقضاء الحوائج والتدبير لأنواع التصرف في ذلك [ ومشاركته في غير ][ من م، في الأصل : ومشاركة غير ] ذلك، لم يختص[ من م، في الأصل وم : يخص ] بالإضافة إليه، [ وإن كان ذلك كله لله حقيقة، ولما ][ من م، في الأصل : وإن ] كانت نفس رسول الله وما تحويه يده لله[ من م، في الأصل : الله ] لا تدبير له في ذلك، [ ولا شرك لأحد فيه، خص بإضافة[ في م : بالإضافة ] ذلك ][ من م، ساقطة من الأصل ] إليه [ لأن ذلك ][ ساقطة من الأصل وم ] كله لله حقيقة.
وهذا كما قال تعالى : والله أعلم ( الملك يومئذ لله )[ الحج : ٥٦ ] وقال :( لمن الملك اليوم لله )[ غافر : ١٦ ] وقال :( وبرزوا لله جميعا )[ إبراهيم : ٢١ ] خص بالذكر ملك ذلك اليوم والبروز له لما ينقطع يومئذ تدبير جميع ملوك الأرض، ويذهب سلطانهم عنهم، ويصفو البروز له، وإن كان الملك في الأحوال كلها والأوقات جميعا وكذلك البروز له، والمصير إليه، وإن كان ذلك راجعا إليه في كل الأحوال فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
ثم ليس في ظاهر الآية دليل أن المراد بقوله تعالى :( ولذي القربى ) قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل في ظاهره دلالة أنه أراد به قرابة أهل السهام في ذلك لأنه خاطب به الكل بقوله تعالى :( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ) وظاهره أنه أراد به قربى من خاطب، وكان الخطاب لهم جميعا.
ألا ترى أنه لم يفهم من قوله تعالى :( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون )[ النساء : ٧ ] قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن قرابة المخاطبين ؟ وكذلك لم يرجع قوله تعالى :( إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين )[ البقرة : ١٨٠ ] إلى قرابة رسول الله بل إلى قرابة المخاطبين به ؟
فعلى ذلك الظاهر من قوله تعالى :( ولذي القربى ) إلا أن يقال : أراد قرابة رسول الله بدلالة أخرى سوى ظاهر الآية.
وهو ما روي [ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قسم الخمس بين بني هاشم، وما روي أنه قال :«مالي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم »[ النسائي٧/١٣٢ ] وما روي أن نجدة [ ابن عويمر الحروري ][ ساقطة من الأصل وم، انظر تفسير الطبري١٣/٥٥٥ ] كتب إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى لمن هو ؟ [ فكتب إليه ابن عباس ][ في الأصل وم : و ] : هو لنا أهل البيت.
وقد كان عمر دعانا إلى أن ننكح منه أيا منا، ونقضي منه مغرمنا، فأبينا إلا أن نسلمه إلينا، فأبى ذلك علينا. فدل فعل عمر هذا على أن التأويل في الخمس كان عنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصل به قرابته، ويسد بالخمس حاجتهم ؛ إذ كان جعل سبل الخمس ما ذكرنا أنه لله بمعنى أنه يصرف في وجوه القرب إليه.
فلو كان الخمس حقا لجميع القرابة أعطى من ذلك غنيهم وفقيرهم، وما يأخذه الأغنياء من الخمس فإنه لا يجري مجرى الصدقة، ولا يجري [ مجرى ][ ساقطة من الأصل وم ] القربة، فبان بذلك أنه لا يعطى منه أغنياؤهم، بل يصرف[ ساقطة من م ] إلى فقرائهم على قد رحاجتهم ؛ إذ لم يكن لفقيرهم[ في الأصل وم : له ] مكاسب سواه يوصل[ في الأصل وم : يصل ] بها كما يكون لغيره من الناس من المكاسب وأنواع الحرف.
ومما يدل على أن رسول الله أعطى بعض القرابة دون بعض ما روي عن جبير بن مطعم[ أنه ][ ساقطة من الأصل وم ] قال : لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني [ عبد ][ ساقطة من الأصل وم ] المطلب، أتيت أنا وعثمان، فقلنا : يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم، لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله فيهم. أرأيت بني [ عبد ][ ساقطة من الأصل وم ] المطلب، أعطيتهم، ومنعتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة ؟ فقال :«إنهم لم[ في الأصل وم : لا ] يفارقوني في جاهلية ولا إسلام ؛ بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد، وشبك أصابعه »[ أحمد٤/٨١ ].
وقوله تعالى :( فأن لله خمسه وللرسول ) إلى آخر ما ذكر، بين أن خمس الغنيمة يصرف في وجوه البر والقرب إلى الله.
ثم فسر تلك الوجوه، فقال :( وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) فكانت تسمية هذه الأصناف، والله أعلم، تعليما لنا أن الخمس يصرف في من ذكر من أهلها /٢٠٠-ب/ دون غيرهم، وليس إيجابا منه لكل صنف منها شيئا معلوما، ولكن بيان الأهل والموضع، وهو كقوله تعالى :( إنما الصدقات للفقراء والمساكين )الآية[ التوبة : ٦٠ ].
حمل أصحابنا ذلك على أن الصدقة لا تجوز إلا لمن كان من أهل هذه الأصناف دون غيرهم، ولم يحملوا الأمر على أن لكل صنف منهم شيئا معلوما محدودا، ولكن على بيان أهلها.
وعلى ذلك [ ما ][ ساقطة من الأصل وم ] روي عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، منهم عمر وعلي وحذيفة، وابن عباس، وجماعة من السلف ما يكثر عددهم [ أنهم ][ ساقطة من الأصل وم ] قالوا : إذا وضعت الصدقة في صنف واحد أجزأك. فلو كان لأهل كل صنف الثمن منها كان المعطى بها صنفا واحدا مخالفا لما أمر به.
فعلى ذلك قوله تعالى :( فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ) الآية معناه، والله أعلم : أن الخمس الذي يتقرب به من الغنيمة إلى الله لا يستحقه إلا الرسول ومن كان من الأصناف التي ذكره. فإلى أيهم دفع ذلك الخمس أجزأه. وإذا كان التأويل ما وصفنا لم يكن لأحد من هذه الأصناف أن يدعي منه خمسا أو ربعا، ولكن يعطى كل من حضر منهم بقدر فاقته وحاجته وعلى قدر يراه الإمام.
فإذا جاء فريق آخرون أعطوا مما يدفع إلى الإمام من ذلك الخمس من المال كفايتهم. وكذلك روي عن ابن عمر أن ابن عباس قال : كان عمر يعطينا من الخمس نحو مما كان يرى أنه لنا، فرغبنا عن ذلك، وقلنا : حق ذي القربى خمس الخمس، فقال عمر : إنما جعل الله الخمس لأصناف سماها. [ فأسعد به ][ في الأصل وم : أسعدهم بها ] أكثرهم عددا وأشدهم فاقة، فأخذ ذلك ناس، وتركه ناس.
وكذلك فعل عمر لما ولي الأمر، [ وهو ][ ساقطة من الأصل وم ] ما روي عن ابن عباس ؛ قال : عرض علينا عمر أن يزوج من الخمس أيا منا، ونقضي منه مغرمنا، فأبينا إلا أن يسلمه إلينا، فأبى ذلك علينا. فدل فعل عمر على أن القرابة يعطون من الخمس قدر حاجتهم، وما يسد به فاقتهم ؛ إذ لو كان الخمس حقا لجميع القرابة أعطي من ذلك غنيهم وفقيرهم لقسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم كما قسم أربعة الأخماس بين المقاتلة، بل أعطى منه بعض القرابة، وحرم بعضا لما ذكرنا في جبير بن مطعم.
ومما يدل أيضا على أن ذلك لأهل الحاجة منهم دون الكل ما روي أن الفضل بن عباس [ وربيعة بن عبد المطلب ][ في الأصل وم : وفلان ] دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، فقال [ أحدهما ][ ساقطة من الأصل وم ] : يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس، وقد[ من م، في الأصل : ولو ] بلغنا النكاح، فجئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات، فتؤدي إليك ما يؤدي العمال، ونصيب منها ما يصيبون، فسكت طويلا حتى أردنا [ أن نعلمه ثانيا، قال : وجعلت ][ في الأصل وم : ثانيا وم : ثانيا حتى ] زينب تلمح إلينا من وراء الحجاب ألا[ في الأصل وم : أنه ] تكلماه، ثم قال «ألا إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد ؛ إنما هي أوساخ الناس، ادعوا ل

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية