الكلام في قسمة الغنائم
قال الله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لله خُمُسَهُ ، وقال في آية أخرى : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً ، فرُوي عن ابن عباس، ومجاهد أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى : قُلِ الأَنْفَالُ لله والرَّسُولِ ؛ وذلك لأنه قد كان جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينفل ما أحرزوه بالقتال لمن شاء من الناس، لا حقَّ لأحد فيه إلا من جعله النبي صلى الله عليه وسلم له، وأن ذلك كان يوم بدر ؛ وقد ذكرنا حديث سعد في قصة السيف الذي استوهبه من النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" هَذَا السَّيْفُ لَيْسَ لي ولا لَكَ "، ثم لما نزل : قُلِ الأَنْفَالُ لله وَالرَّسُولِ دعاه، وقال :" إِنَّكَ سَأَلْتَنِي هَذَا السَّيْفَ وَلَيْسَ هُوَ لي ولا لَكَ وقَدْ جَعَلَهُ الله لي وجَعَلْتُهُ لَكَ "، وحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما حدثنا عبدالباقي بن قانع قال : حدثنا بشر بن موسى قال : حدثنا عبدالله بن صالح قال : حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : كان يوم بدر تعجَّل ناسٌ من المسلمين فأصابوا من الغنائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لم تَحِلَّ الغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّؤوس قَبْلَكُمْ، كان النَّبِيُّ إذا غَنِمَ هو وأَصْحَابُهُ جَمَعُوا غَنَائِمَهُمْ فَتَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ نَارٌ فَتَأْكُلُهَا "، فأنزل الله تعالى : لَوْلا كِتَابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً . وقال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن حنبل قال : حدثنا أبو نوح قال : أخبرنا عكرمة بن عمار قال : حدثنا سماك الحنفي قال : حدثني ابن عباس قال : حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الفداء فأنزل الله تعالى : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى إلى قوله : لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ من الفداء، ثم أحل لهم الغنائم. فأخبر في هذين الخبرين أن الغنائم إنما أُحِلَّت بعد وقعة بدر، وهذا مرتب على قوله تعالى : قُلِ الأَنْفَالُ لله والرَّسُولِ وأنها كانت موكولة إلى رأي النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذه الآية أول آية أبيحت بها الغنائم على جهة تخيير النبي صلى الله عليه وسلم في إعطائها من رأى، ثم نزل قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لله خُمُسَهُ ؛ وقوله تعالى : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وأن فداء الأسارى كان بعد نزول قوله تعالى : قُلِ الأَنْفَالُ لله والرَّسُولِ ، وإنما كان النكير عليهم في أخذ الفداء من الأسرى بديّاً، ولا دلالة فيه على أن الغنائم لم تكن قد أحلت قبل ذلك على الوجه الذي جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه جائز أن تكون الغنائم مباحة، وفداء الأسرى محظوراً، وكذلك يقول أبو حنيفة : إنه لا تجوز مفاداة أسرى المشركين. ويدل على أن الجيش لم يكونوا استحقوا قسمة الغنيمة بينهم يوم بدر إلا بجَعْلِ النبي ذلك لهم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يخمس غنائم بدر، ولم يبين سهام الفارس والراجل إلى أن نزل قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لله خُمُسَهُ ، فجعل بهذه الآية أربعة أخماس الغنيمة للغانمين والخمس للوجوه المذكورة، ونسخ به ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم من الأنفال إلا ما كان شرطه قبل إحراز الغنيمة، نحو أن يقول : من أصاب شيئاً فهو له، ومن قتل قتيلاً فله سلبه ؛ لأن ذلك لم ينتظمه قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ إذ لم يحصل ذلك غنيمة لغير آخذه أو قاتله.
وقد اختلف في النفل بعد إحراز الغنيمة.
ذكر الخلاف فيه
قال أصحابنا، والثوري :" لا نفل بعد إحراز الغنيمة إنما النفل أن يقول : من قتل قتيلاً فله سَلَبُهُ ومن أصاب شيئاً فهو له ". وقال الأوزاعي :" في رسول الله أسوة حسنة، كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث ". وقال مالك والشافعي :" يجوز أن ينفّل بعد إحراز الغنيمة على وجه الاجتهاد ". قال الشيخ : ولا خلاف في جواز النفل قبل إحراز الغنيمة، نحو أن يقول : من أخذ شيئاً فهو له، ومن قتل قتيلاً فله سَلَبُه، وقد رَوَى حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَفَّلَ في بدأته الربع، وفي رجعته الثلث بعد الخمس، فأما التنفيل في البدأة فقد ذكرنا اتفاق الفقهاء عليه، وأما قوله : في الرجعة الثلث، فإنه يحتمل وجهين، أحدهما : ما يصيب السرية في الرجعة بأن يقول لهم : ما أصبتم من شيء فلكم الثلث بعد الخمس ؛ ومعلوم أن ذلك ليس بلفظ عموم في سائر الغنائم وإنما هي حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم في شيء بعينه لم يبين كيفيته، وجائز أن يكون معناه ما ذكرناه من قوله للسرية في الرجعة ؛ وجعل لهم في الرجعة أكثر مما جعله في البدأة ؛ لأن في الرجعة يحتاج إلى حفظ الغنائم وإحرازها ويكون من حواليهم الكفار متأهّبين مستعدين للقتال لانتشار الخبر بوقوع الجيش إلى أرضهم. والوجه الآخر : أنه جائز أن يكون ذلك بعد إحراز الغنيمة، وكان ذلك في الوقت الذي كانت الغنيمة كلها للنبي صلى الله عليه وسلم فجعلها لمن شاء منهم، وذلك منسوخ بما ذكرنا.
فإن قيل : ذكر في حديث حبيب بن مسلمة الثلث بعد الخمس، فهذا يدل على أن ذلك كان بعد قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فأَنَّ لله خُمُسَهُ . قيل له : لا دلالة فيه على ما ذكرت ؛ لأنه لم يذكر أنه الخمس المستحق لأهله من جملة الغنيمة بقوله تعالى : فَأَنَّ لله خُمُسَهُ ، وجائز أن يكون ذلك على خمس من الغنيمة لا فرق بينه وبين الثلث والنصف. ولما احتمل حديث حبيب بن مسلمة ما وصفنا لم يجز الاعتراضُ به على ظاهر قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لله خُمُسَهُ إذ كان قوله ذلك يقتضي إيجاب الأربعة الأخماس للغانمين اقتضاءه إيجاب الخمس لأهله المذكورين، فمتى أُحرزت الغنيمة فقد ثبت حق الجميع فيها بظاهر الآية، فغير جائز أن يجعل شيء منها لغيره على غير مقتضى الآية إلا بما يجوز بمثله تخصيص الآية. وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى عن عبيد الله قال : حدثني نافع عن عبدالله بن عمر قال :" بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَرِيَّةٍ فبلغت سهامنا اثني عشر بعيراً ونَفَّلَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعيراً بعيراً "، فبيّن في هذا الحديث سُهْمَانَ الجيش، وأخبر أن النفل لم يكن من جملة الغنيمة وإنما كان بعد السهمان وذلك من الخمس.
ويدل على أن النفل بعد إحراز الغنيمة لا يجوز إلا من الخُمْسِ ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا الوليد بن عتبة قال : حدثنا الوليد قال : حدثنا عبدالله بن العلاء أنه سمع أبا سلام بن الأسود يقول، قال : سمعت عمرو بن عبسة قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المَغْنَم، فلما سلّم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال :" ولا يَحِلُّ لي مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلُ هَذَا إِلاّ الخُمُسُ والخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ "، فأخبر عليه السلام أنه لم يكن جائز التصرف إلا في الخمس من الغنائم، وأن الأربعة الأخماس للغانمين، وفي ذلك دليل على أن ما أُحرز من الغنيمة فهو لأهلها لا يجوز التنفيل منه. وفي هذا الحديث دليل على أن ما لا قيمة له ولا يتمانعه الناس من نحو النواة والتبنة والخِرَقِ التي يُرْمَى بها يجوز للإنسان أن يأخذه وينفله ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذه وبرة من جنب بعير من المغنم وقال :" لا يحل لي من غنائمكم مثل هذا " يعني في أن يأخذه لنفسه وينتفع به أو يجعله لغيره دون جماعتهم، إذ لم تكن لتلك الوبرة قيمة.
فإن قيل : فقد قال :" لا يحل لي مثل هذا ". قيل له : إنما أراد مثل هذا فيما يتمانعه الناس لا ذاك بعينه ؛ لأنه قد أخذه. ويدل على ما ذكرنا ما رواه ابن المبارك قال : حدثنا خالد الحذَّاءُ عن عبدالله بن شقيق، عن رجل من بَلْقَيْنِ ذكر قصة قال : قلنا : يا رسول الله ما تقول في هذا المال ؟ قال :" خُمُسُهُ لله وأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ للجَيْشِ " قال : قلت : هل أحق أحد به من أحد ؟ قال :" لو انْتَزَعْتَ سَهْمَكَ مِنْ جَنْبِكَ لَم تَكُنْ بأَحَقَّ بهِ مِنْ أَخِيكَ المُسْلِمِ ". وروى أبو عاصم النبيل، عن وهب أبي خالد الحمصي قال : حدثتني أم حبيبة عن أبيها العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ وبرة فقال :" ما لي فِيكُمْ هَذِهِ ما لي فيه إلاّ الخُمُس، فأدُّوا الخَيْطَ والمَخِيطَ فإنّهُ عَارٌ ونَارٌ وشَنَارٌ على صَاحِبِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ". وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ذكر غنائم هوازن وقال : ثم دنا النبي صلى الله عليه وسلم من بعير فأخذ وبرة من سنامه ثم قال :" يا أيُّها النَّاسُ إنّه لَيْسَ لي مِنْ هَذَا الفَيْءِ شَيْءٌ، ولا هذا " ورفع أصبعيه :" إِلاّ الخُمُسُ والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، فَأَدُّوا الخَيْطَ والمَخِيط "، فقام رجل في يده كُبَّةٌ من شَعَرٍ فقال : أخذت هذه لأصلح بها بُرْدَةً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أَمَّا ما كانَ لي ولبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فهو لَكَ " فقال : إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي فيها، ونبذها. فهذه الأخبار موافقة لظاهر الكتاب، فهو أوْلى مما يخالفه من حديث حبيب بن مسلمة مع احتمال حديثه للتأويل الذي وصفناه، وجمعنا يمنع أن يكون في الأربعة الأخماس حقّ لغير الغانمين، وبخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيها أنه لا حقّ له فيها.
وروى محمد بن سيرين : أن أنس بن مالك كان مع عبيدالله بن أبي بكرة في غزاة فأصابوا سبياً، فأراد عبيدالله أن يعطي أَنَساً من السَّبْي قبل أن يُقْسَم، فقال أنس : لا، ولكن اقسم ثم أعطني من الخمس ! فقال عبيدالله : لا، إلا من جميع الغنائم ! فأبى أنس أن يقبل، وأبى عبيدالله أن يعطيه من الخمس. وحدثنا عبدالباقي بن قانع قال : حدثنا إبراهيم بن عبدالله : حدثنا حجاج : حدثنا حماد عن محمد بن عمرو، عن سعيد بن المسيب أنه قال :" لا نفل بعد النبي صلى الله عليه وسلم ". قال الشيخ أيده الله : يجوز أن يريد به من جملة الغنيمة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كانت له الأنفال ثم نسخ بآية القسمة. وهذا مما يحتج به لصحة مذهبنا لأن ظاهره يقتضي أن لا يكون لأحد نفل بعد النبي صلى الله عليه وسلم في عموم الأحوال، إلا أنه قد قامت الدلالة في أن الإمام إذا قال من قتل قتيلاً فله سَلَبُه، أن يصير ذلك له بالاتفاق، فخصصناه وبقي الباقي على مقتضاه في أنه إذا لم يقل ذلك الإمام فلا شيء له، وقد رُوي عن سعيد بن المسيب قال : كان الناس يُعْطَوْنَ النفل من الخمس.
فإن قيل : قد أَعْطَى النبي صلى الله عليه وسلم م
أحكام القرآن
الجصاص