ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ

يقول الله عز وعلا : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتمى والمسكين وابن السبيل إن كنتم ءامنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ( ٤١ ) [ الأنفال : الآية ٤١ ].
( اعلموا ) معناه : تيقنوا، لأن العلم إذا أطلق في القرآن معناه اليقين في جميع القرآن، وقد جاء في حرف في سورة الممتحنة إطلاق العلم مرادا به الظن الغالب، وهو قوله تعالى : إذا جاءكم المؤمنت مهجرت فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنت فلا ترجعوهن إلى الكفار [ الممتحنة : الآية ١٠ ] علمتموهن مؤمنت [ الممتحنة : الآية ١٠ ] أي : غلب على ظنكم، ظنا قويا مزاحما لليقين، ولا يكاد العلم في غير هذا الموضع يطلق في القرآن إلا مرادا به اليقين الجازم، الذي لا يخالجه ظن ولا وهم ولا شك.
أنما غنمتم من شيء ( ما ) موصولة، و ( أن ) مصدرية، أن الذي غنمتم من شيء، وصيغ الموصول قد تقرر في علم الأصول أنها من صيغ العموم، لأن الموصول يعم كل ما تشمله صلته، و من شيء بيان للموصول، من شيء كائنا ما كان، إلا ما سندركه مما أخرجه دليل مخصص.
فأن لله خمسه قراءة جماهير القراء، منهم السبعة : فأن لله خمسه وفي بعض الروايات الضعيفة عن بعض السبعة : فإن لله خمسه وقد رواه الجعفي عن أبي عمرو، أما الرواية التي عليها جمهور القراء، وهي رواية السبعة الصحيحة عنهم : فأن لله خمسه وهنا محذوف دل عليه المقام : فحقه أن لله خمسه : أو : فواجب حتم أن لله خمسه. والخمس معروف، وللرسول ولذي القربى واليتمى والمسكين وابن السبيل وهذه الآية الكريمة من سورة الأنفال قد تضمنت أحكاما كثيرة من أحكام الجهاد، ومن أحكام الغنائم، وقد يحتاج لها المسلمون، لأنا نرجو الله ( جل وعلا ) أن يرفع علم الجهاد، ويقوي كلمة لا إله إلا الله، وأن تخفق رايات المسلمين في أقطار الدنيا، فيحتاجون إلى تعلم ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أحكام الجهاد، ولما كان القرآن العظيم هو مصدر جميع العلوم، لأنه الكتاب الذي حوى جميع العلوم، وكانت أصول جميع الأشياء كلها فيه، أردنا هنا أن نبين جملا من الأحكام التي أشارت إليها هذه الآية الكريمة، واعلموا أنما غنمتم معناه : الذي غنمتم، وهي الغنائم التي يحوزها المسلمون من أموال الكفار إذا انتصروا عليهم فقهروهم، وأموال الكفار على قسمين :
قسم : ينتزعه المسلمون منهم بالقوة والغلبة.
وقسم : يصل إلى المسلمين من غير انتزاع بالقوة من أهله الكفار.
والاصطلاح المشهور عند الفقهاء أن بينهما فرقا، أن الغنيمة هي ما ينتزعه المسلمون بالقوة من الكفار، أما ما ييسره الله للمسلمين بلا قتال فهو المسمى ب ( الفيء ) وحكمهما مختلف على التحقيق الذي عليه جماهير العلماء ودل عليه القرآن، لأن الفيء هو المال الذي يناله المسلمون من الكفرة من غير أن ينتزعوه بالقوة، ولا أن يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب، كأموال بني النضير، فإنهم نزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم، ومكنه الله من أموالهم من غير أن تنتزع منهم بالقوة، وقد سمح لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحملوا على الإبل ما قدروا أن يحملوه، واستثنى السلاح كما سيأتي تفاصيله في سورة الحشر، لأنها كلها نزلت في قصة بني النضير، هذا هو الفيء، وهو المذكور في سورة الحشر، وقد نص الله في سورة الحشر على أن مصارفه هي مصارف خمس الغنيمة، لأنه قال هنا : فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتمى والمسكين وابن السبيل [ الأنفال : الآية ٤١ ] وقال هناك : وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب فبين بقوله : فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب [ الحشر : الآية ٦ ] الفرق بين الفيء والغنيمة، لأنه مال لم تنتزعوه بالقوة والسلاح من أهله، ولم تسرعوا في انتزاعه على الخيل والركاب التي هي الإبل. ثم قال مبينا مصارفه وأنها هي مصارف الخمس : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتمى والمسكين وابن السبيل [ الحشر : الآية ٧ ] مثل ما ذكر هنا في مصارف الخمس سواء بسواء، وشذ بعض العلماء فقال : إن الفيء والغنيمة سواء. هذا القول مشهور عن قتادة وطائفة من العلماء، وهو قول وإن كانت تساعده اللغة فالشرع والحقيقة الشرعية لا تساعده، لأن العرب تطلق في لغتها الفيء على جميع ما يغنم، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول مهلهل بن ربيعة الثغلبي أخي كليب :
فلا وأبي جليلة ما أفأنا *** من النعم المؤبل من بعير
ولكنا نهكنا القوم ضربا *** على الأثباج منهم والنحور
يعني : لم نشتغل بالغنائم، وإنما اشتغلنا بقتل الرجال.
وربما أطلق الفيء في القرآن مرادا به كل غنيمة، كقول قتادة، وذلك في قوله : وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك [ الأحزاب : الآية ٥٠ ] لأن المسبيات حكمها في هذا سواء، سواء كانت فيئا أو غنيمة، إلا أن الاصطلاح المعروف هو التفرقة بين ما أوجف عليه بالخيل والركاب، وبين ما أخذ عفوا من غير انتزاع بالقوة، كما قال هنا : أنما غنمتم من شيء فبين أنهم غنموه وانتزعوه منهم قهرا، وقال في الآخر الذي هو الفيء : فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب [ الحشر : الآية ٦ ] فكيف تستحقونه ولم تنتزعوه بالقوة، ولم توجفوا عليه بالخيل ولا إبل ؟ !
والإيجاف : الإسراع كما هو معروف.
وهذه الآية الكريمة دلت على أن أربعة أخماس الغنيمة [ أنه ](١) للمجاهدين الغانمين الذين غنموها، لأن قوله : فأن لله خمسه الآية على أن المعنى : وأما الأخماس الأربعة فهي للغانمين المجاهدين، ويدل على ذلك إسناده غنيمته إليهم في قوله : أنما غنمتم من شيء وهذا هو التحقيق، وعليه جماهير العلماء، أن أربع أخماس الغنيمة للمسلمين المجاهدين الذين غنموها، تقسم بينهم بالسواء، وأن خمس الغنيمة هو يصرف في هذه المصارف المذكورة وسنوضحها – إن شاء الله – واحدا واحدا. هذا هو المذهب الحق وعليه جماهير العلماء، وخالف في هذا قوم من العلماء – منهم طائفة من علماء المالكية وغيرهم – قالوا : إن الغنائم كلها والفيء شيء واحد، وأن التصرف فيه كله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الغانمين ما شاء ويمنعهم ما شاء. وهذا القول وإن قال به جماعة من المالكية وغيرهم من العلماء فهو خلاف التحقيق.
والذين قالوا هذا القول استدلوا بأدلة كلها مردودة مجاب عنها، قالوا : من أدلته أن الغنائم هي الأنفال، وقد تقدم في أول السورة قوله تعالى : يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول [ الأنفال : الآية١ ] فصرح بأنها لله وللرسول صلى الله عليه وسلم ولم يجعل للغانمين فيها حقا مستقلا إذا لم يشأ الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم. قالوا : ويتأيد هذا بأمور، منها : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقسم مكة حين افتتحها عنوة، وأنه ( صلوات الله وسلامه عليه ) في غزوة حنين لما أخذ غنائم هوازن أعطى صفوان بن أمية ما ملأ بين جبلين من الغنم، وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل، والأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عطايا كثيرة، ولم يعط الأنصار منها شيئا، حتى غضب الأنصار وقالوا : يعطي الغنائم عنا لقريش وسيوفنا تقطر من دمائهم ! ! فعلم النبي صلى الله عليه وسلم بما قالوه فأرسل من جمعهم وقال : " ألم أجدكم متعادين فألف الله بين قلوبكم بي ؟ ! " قالوا : بلى. قال : " ألم أجدكم على شفا حفرة من النار فأنقذكم الله منها بي ؟ " قالوا : بلى يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-. فلما عدد عليهم بعض النعم التي أنعم الله عليهم بسبب رسول الله صلى الله عليه وسلم اعترفوا بذلك كله وسكتوا، قال لهم : " ألا تجيبوني يا معشر الأنصار ؟ ! " قالوا : كيف نجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ؟ ! قال : " قولوا : ألم يكذبك الناس فصدقناك ؟ ألم يعادك الناس فآويناك ونصرناك ؟ ! " ثم قال : " يا معشر الأنصار ألا ترضون بأن يرجع الناس إلى بيوتهم بالشاة والبعير، وترجعون إلى بيوتكم برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ " قالوا : رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسمة. وطابت نفوسهم. قال قائل هذا القول من المالكية وغيرهم من العلماء كقتادة : لو كانت الغنيمة مستحقة للغانمين ولم يكن للإمام أن يفعل فيها كيف يشاء، كيف يفضل النبي صلى الله عليه وسلم المؤلفة كالأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وصفوان بن أمية ويمنع الأنصار، والأنصار أحق ؟ ! وكيف يفضل الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري على العباس بن مرداس السلمي وهو حسن الإسلام جدا ؟ ! وقد غار منهم العباس بن مرداس حتى قال شعره المشهور، قاله أمام النبي صلى الله عليه وسلم لما أعطى عيينة مئة، والأقرع مئة، وأعطى العباس بن مرداس قليلا، قال : مخاطبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
أتجعل نهبي ونهب العبيد *** بين عيينة والأقرع
وما كان حصن ولا حابس *** يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهما *** ومن تضع اليوم لا يرفع
وقد كنت في الحرب ذا تدرإ *** فلم أعط شيئا ولم أمنع
وإلا أباعير أعطيتها *** عديد قوائمه الأربع
وكانت نهابا تلافيتها *** بكري على المهر في الأجرع
وإيقاضي القوم أن يرقدوا *** إذا هجع الناس لم أهجع
إلى آخر شعره. قالوا : لو كانت الغنيمة للغانمين لما فضل الأقرع وعيينة على العباس بن مدراس وهو أحسن منهما إسلاما، ولما فضل المؤلفة قلوبهم على الأنصار وهم أحسن منهم إسلاما. قالوا : فعطايا النبي هذه – صلى الله عليه وسلم – كما أعطى من مئات الإبل، وأعطى من الورق والرقيق، وأعطى صفوان بن أمية ما ملأ بين جبلين من الغنم، قالوا : هذا يدل على أن الغنيمة ليست استحقاقا محضا للغانمين، وإنما يفعل الإمام فيها ما يشاء، قالوا : وكذلك لما فتح مكة لم يغنم أموال أهل مكة، ولم يقسم دورها ولا أرضها [ فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش واجبا لفعله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة. قالوا : وكذلك غنائم هوازن في غزوة حنين، أعطى منها عطايا عظيمة جدا للمؤلفة قلوبهم. وأجاب الجمهور عن كونه صلى الله عليه وسلم ](٢) / أعطى المؤلفة قلوبهم، وأعطى عيينة مئة، والأقرع مئة، وصفوان ما ملأ بين جبلين غنما ونحو ذلك من العطايا، أنه فعل ذلك بعدما استطاب نفوس الغانمين عنه، وأن الغانمين طابت له نفوسهم بذلك للمصلحة العامة، وهي تأليف قلوب الرجال الذين لهم شوكة عظيمة وأتباع كثيرون ليقوى بهم الإسلام، وقد فعل ذلك برضا الغانمين وطيب أنفسهم عن ذلك له صلى الله عليه وسلم، أما عدا كونه لم يقسم دور مكة ورباعها فقد أجاب عنه الشافعي ( رحمه الله ) جوابا لكنه غير ناهض بالحقيقة والإنصاف ؛ لأن الشافعي ( رحمه الله ) مع جلالته وعلمه يرى أن مكة المكرمة – حرسها الله – أنها فتحت صلحا لا عنوة، ويظن أن قوله صلى الله عليه وسلم : " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن ". يظن أنها نوع صلح أو شبه صلح، والتحقيق الذي لا شك فيه : أن مكة –حرسها الله – إنما فتحت عنوة وقهرا بالسيف لا صلحا، وتأمين النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الناس لا يقتضي الصلح، لأن

١ في الأصل: "أنهم".
٢ في هذا الوضع انقطع التسجيل. وتم استيفاء النقص من كلام الشيخ (رحمه الله) في الأضواء (٢/ ٣٥٥) وجعلت ذلك بين معقوفين.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير