وإن يريدوا أن يخدعوك [ الأنفال : الآية ٦٢ ] وإن يريدوا ١ أي : الكفار الجانحون للسلم الطالبون للصلح أن يخدعوك بذلك الصلح ويتمكنوا في مدة المصالحة من تدبير المكر والمكائد ليضروك بها ؛ لأن بعض الكفار يصالح غدرا ومكيدة، لا محبة في المصالحة. وكان قريظة بعد أن أعانوا كفار مكة بالسلاح وصالحوه المرة الأخرى ليس في نيتهم الدوام على المصالحة، بل يتربصون به الدوائر، ويريدون أن يعينوا عليه الكفار. إذا كان قصدهم بالصلح الذي طلبوه وجنحوا إليه المخادعة فلا يهمنك ذلك، ولا تكترث بقصدهم الخادع فإنهم لا يضرك شيئا ؛ لأن الله يكفيك ذلك كله ؛ ولذا قال : وإن يريدوا أن يخدعوك الخديعة : الغرور، وهو إبطان الشر ومحاولة إيصال الشر بطريق خفية لا ظاهرة واضحة.
فإن حسبك الله حسبك : معناه كافيك الله ( جل وعلا ). العرب تقول : حسبه كذا. معناه : كافيه كذا. وهذا معنى معروف في كلامها ومشهور، ومنه قول جرير يهجو ممن كان يهجوهم ٢ :
| ولقد رأيت من المكارم حسبكم | أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا |
| فإذا تذوكرت المكارم مرة | في مجلس أنتم به فتقنعوا |
| دع المكارم لا ترحل لبغيتها | واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي |
فإن حسبك الله كافيك الله، يكفيك شرهم وشر خداعهم، فثق به وتوكل عليه ولا تكترث بإرادتهم بالصلح الخداع. وهذا معنى قوله : فإن حسبك الله هو أي : الله الذي أيدك بنصره أيدك : معناه قواك. فالعرب تقول : أيده يؤيده تأييدا. إذا قواه. وتقول : رجل أيد. إذا كان قويا. و ( الأيد ) و ( الآد ) : القوة ٤. ومنه قوله تعالى : والسماء بنينها بأييد [ الذراريات : الآية ٤٧ ] أي : بنيناها بقوة. وليست من ( الأيدي ) جمع ( يد ) فليست من آيات الصفات، بل معناها : القوة. هذا معنى : أيدك بنصره أي : قواك وعززك بنصره. وأصل النصر في لغة العرب : إعانة المظلوم أيدك بنصره وبالمؤمنين وقواك أيضا وأيدك بالمؤمنين، ويدخل فيهم دخولا أولا : الأنصار – الأوس والخزرج – الذين آووه ونصره وأيده الله بهم. كان الأوس والخزرج وهما بطنا الأنصار أبناء قيلة، أولاد حارثة الغطريف كانوا مكثوا سنين كثيرة بينهم حروب دامية، وقتال هلك فيها أشرافهم، وقتل فيها ساداتهم، وبينهم عدوات وإحن وأضغان مستحكمة قديمة متوارثة لا يكاد أن تزول من صدورهم أبدا، فلما أرسل الله إليهم نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وآووه ونصروه، وأيده الله بنصره وبهم، أزال تلك الأضغان والعداوات الكامنة، وجعل مكانها المحبة الصادقة والمودة والإخاء الكامل ؛ ولذا امتن الله عليهم بذلك هنا، وقد قدمنا نحوه في سورة آل عمران ؛ لأنه قال :
٢ البيت في تاريخ دمشق (٢٩/ ١٨١) ونسبه لحسان (رضي الله عنه) وليس في ديوانه، ونسبه في شواهد الكشاف ص ٧٠ لجرير..
٣ البيت في ديوانه ص ١٠٨..
٤ مضى عند تفسير الآية (٢٦) من هذه السورة..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير