وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ بالصلح، وهم مضمرون الغدر والخدع فَإِنَّ حَسْبَكَ الله أي : كافيك ما تخافه من شرورهم بالنكث والغدر، وجملة هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين تعليلية، أي لا تخف من خدعهم ومكرهم، فإن الله الذي قوّاك عليهم بالنصر فيما مضى، وهو يوم بدر، هو الذي سينصرك ويقوّيك عليهم عند حدوث الخدع والنكث، والمراد بالمؤمنين : المهاجرون والأنصار.
وأخرج ابن المبارك، وابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود، أن هذه الآية نزلت في المتحابين في الله لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً الآية.
وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والبيهقي في شعب الإيمان، واللفظ له عن ابن عباس قال : قرابة الرحم تقطع، ومنة المنعم تكفر، ولم نر مثل تقارب القلوب، يقول الله : لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً الآية. وأخرج ابن المبارك، وعبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم، والبهيقي عنه نحوه. وليس في هذا عن ابن عباس ما يدلّ على أنه سبب النزول، ولكن الشأن في قول ابن مسعود رضي الله عنه : إن هذه الآية نزلت في المتحابين في الله مع أن الواقع قبلها هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين والواقع بعدها يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين ومع كون الضمير في قوله : مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ يرجع إلى المؤمنين المذكورين قبله بلا شك ولا شبهة، وكذلك الضمير في قوله : ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ فإن هذا يدلّ على أن التأليف المذكور هو بين المؤمنين الذين أيد الله بهم رسوله صلى الله عليه وسلم.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني