عليهم ما نزل فيهم كعب: توبتي إلى الله تعالى أن أخرج مالي صدقة فقال: «لا». قلت:
فنصفه. قال: «لا». قلت: فثلثه. قال: «نعم»
«١». يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة أمر الرسول وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) أي مع الرسول وأصحابه في الغزوات، ولا تكونوا جالسين مع المنافقين في البيوت.
وقرئ شاذة «من الصادقين» فعلى هذا ف «مع» بمعنى «من»، أي كونوا ملازمين الصدق.
روي أن واحدا جاء إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقال: إني رجل أريد أن أومن بك إلا أني أحب الخمر، والزنا، والسرقة، والكذب، والناس يقولون: إنك تحرم هذه الأشياء، ولا طاقة لي على تركها بأسرها فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك. فقال صلّى الله عليه وسلّم: «اترك الكذب» فقبل ذلك ثم أسلم فلما خرج من عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني الرسول عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد وإن صدقت أقام الحد عليّ فتركها، ثم عرضوا عليه الزنا فجاء ذلك الخاطر فتركه، وكذا في السرقة فتاب عن الكل فعاد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: ما أحسن ما فعلت لما منعتني عن الكذب انسدت أبواب المعاصي عليّ
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أي ما جاز لأهل دار الهجرة ومن حولهم من سكان البوادي أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إذا دعاهم وأمرهم لأنه تتعين
الإجابة والطاعة لرسول الله وكذلك غيره من الولاة والأئمة إذا ندبوا وعينوا وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ أي ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لنفسه ذلِكَ أي وجوب المشايعة لرسول الله بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ أي شدة عطش وَلا نَصَبٌ أي تعب وَلا مَخْمَصَةٌ أي مجاعة شديدة يظهر بها ضمور البطن فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طريق دينه وَلا يَطَؤُنَ أي لا يدوسون بأرجلهم وحوافر خيولهم وأخفاف بعيرهم مَوْطِئاً أي دوسا يَغِيظُ الْكُفَّارَ أي يغضبهم بذلك وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا أي شيئا منا لا أسرا أو قتلا أو هزيمة إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ أي بكل واحد من الأمور الخمسة عَمَلٌ صالِحٌ مستوجب للثواب ومن قصد طاعة الله كان جميع حركاته وسكناته حسنات مكتوبة عند الله إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) أي لا يترك ثوابهم
وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولو تمرة أو علاقة سوط وَلا كَبِيرَةً كما أنفق عثمان في جيش العسرة وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً أي ولا يجاوزون مسلكا في سيرهم إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ أي إلا كتب الله لهم ذلك الإنفاق والسير في الذهاب والرجوع لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) أي ليجزيهم الله على أحسن أعمالهم وهو الواجب والمندوب دون المباح، أو ليجزيهم الله جزاء هو أحسن من
أعمالهم وهو الثواب، فالأحسن صفة عملهم على المعنى الأول وصفة الجزاء على الثاني وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً أي ما استقام لهم أن ينفروا جميعا لنحو غزو وطلب علم فإنه يخل بأمر المعاش هذه الآية إما كلام لا تعلق له بالجهاد، وإما من بقية أحكام الجهاد فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) فعلى الأول يقال: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في الدين بل ذلك غير واجب وغير جائز، وليس حال النفقة كحال الجهاد معه صلّى الله عليه وسلّم الذي يجب أن يخرج فيه كل من لا عذر له فهلا نفر من كل فرقة من فرق الساكنين في البلاد طائفة إلى إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في الدين ويعودوا إلى أوطانهم فينذروا قومهم لكي يحذروا عقاب الله تعالى بامتثال أمره واجتناب نهيه، وعلى هذا التقدير فيكون المراد وجوب الخروج إلى حضرة الرسول للتعلم، لأنه يحدث كل وقت تكليف جديد أما في زماننا فقد صارت الشريعة مستقرة فإذا أمكنه تحصيل العلم في الوطن لم يكن السفر واجبا. وعلى الاحتمال الثاني يقال: إن النبي لما بالغ في الكشف عن عيون المنافقين في تخلفهم عن غزوة تبوك قال المسلمون: والله لا نتخلف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا عن سرية بعثها، فلما قدم الرسول المدينة من تبوك وأرسل السرايا إلى الكفار نفر المسلمون جميعا إلى الغزو وتركوا النبي وحده في المدينة فنزلت هذه الآية فالمعنى لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا جميعا ويتركوا النبي بل يجب أن ينقسموا قسمين: طائفة تنفر إلى الجهاد وقهر الكفار، وطائفة تكون مع رسول الله لتعلم العلم والفقه في الدين لأن أحكام الشريعة كانت تتجدد شيئا بعد شيء، والماكثون يحفظون ما تجدد فإذا قدم الغزاة علموا ما تجدد في غيبتهم وبهذا الطريق يتم أمر الدين، والمعنى: فهلا نفر من كل فرقة من المقيمين مع رسول الله طائفة إلى جهاد العدو ليتفقه المقيمون في الدين بسبب ملازمتهم خدمة الرسول وليخبروا قومهم الخارجين إلى الجهاد إذا رجع الخارجون من جهادهم إليهم بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم لكي يحذروا معاصي الله تعالى عند ذلك التعلم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ أي لما أمرهم الله بقتال المشركين كافة أرشدهم إلى الطريق الأصلح وهو أن يبدءوا بقتال الأقرب فالأقرب حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد، وبهذا الطريق يحصل الغرض من قتال المشركين كافة فإن أمر الدعوة وقع على هذا الترتيب، فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قاتل أولا قومه، ثم انتقل منهم إلى قتال سائر العرب، ثم إلى قتال أهل الكتاب وهم قريظة والنضير وخيبر وفدك، ثم انتقل إلى غزو الروم والشام فكان فتحه في زمن الصحابة ثم إنهم انقلبوا إلى العراق وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً أي شدة عظيمة وشجاعة وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) أي معينهم بالنصرة على أعدائهم. والمراد أن يكون الإقدام على الجهاد بسبب تقوى الله، لا بسبب طلب المال والجاه وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ من سور القرآن والحال أن المنافقين ليسوا حاضرين مجلس نزولها وليس في السورة فضيحة لهم
صفحة رقم 475
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أي فمن المنافقين فريق يقول لأصحابه استهزاء بالقرآن والمؤمنين أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ السورة إِيماناً قال تعالى تعيينا لحالهم: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالله تعالى وبما جاء من عنده فَزادَتْهُمْ أي هذه السورة إِيماناً بانضمام إيمانهم بما فيها بإيمانهم السابق لأنهم يقرون عند نزولها بأنها حق من عند الله وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) بنزولها لما فيها من المنافع الدينية والدنيوية وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي نفاق وسوء عقيدة فَزادَتْهُمْ أي هذه السورة رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ عقيدة باطلة مضمومة إلى عقيدتهم الباطلة فإنهم كانوا مكذبين بالسور النازلة قبل ذلك، والآن صاروا مكذبين بهذه السورة الجديدة فقد انضم كفر إلى كفر وإنهم كانوا في العداوة واستنباط وجوه المكر، والآن ازدادت تلك الأخلاق الذميمة بسبب نزول هذه السورة الجديدة وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) وهذه الحالة أقبح من الحالة الأولى فإن الأولى ازدياد الرجاسة وهذه مداومة الكفر وموتهم عليه أَوَلا يَرَوْنَ أي المنافقون فالاستفهام للتوبيخ.
وقرأ حمزة بالتاء على الخطاب للمؤمنين فالاستفهام للتعجيب أي ألا ينظرون ولا يرون أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أي إنهم يبتلون بأفانين البليات مرارا كثيرة من المرض والجوع، ومن إظهار الفضيحة على نفاقهم وعلى تخلفهم من الغزو ثُمَّ لا يَتُوبُونَ من نفاقهم وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) بتلك الفتن الموجبة للتوبة. وقوله تعالى: ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وما بعده عطف على «لا يرون» داخل تحت الإنكار والتوبيخ على قراءة الجمهور، وعطف على «يفتنون» على قراءة الجمهور وعطف على قراءة حمزة. وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فيها بيان حالهم وكانوا حاضرين مجلس نزولها نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ أي تغامزوا بالعيون يدبرون الهرب ليتخلصوا من تأذي سماعها يقولون بطريق الإشارة هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ من المسلمين إن قمتم من المجلس ثُمَّ انْصَرَفُوا جميعا عن مجلس نزول الوحي خوفا من الافتضاح أو غير ذلك صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن الإيمان وعن استماع القرآن بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧) لسوء الفهم وعدم التدبر لَقَدْ جاءَكُمْ أيها العرب رَسُولٌ عظيم الشأن مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من جنسكم بشر عربي قرشي مثلكم.
وقرئ بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم. قيل: هذه قراءة فاطمة وعائشة رضي الله عنهما. عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي شاق شديد على هذا الرسول ما أثمتم فهو يخاف عليكم الوقوع في العذاب حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ في إيمانكم وصلاح حالكم فهو شديد الرغبة على إيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة بِالْمُؤْمِنِينَ أي بجميعهم رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فهو تعالى شديد الرحمة بالطائعين منهم، مريد الإنعام على المذنبين فَإِنْ تَوَلَّوْا أي فإن أعرض هؤلاء المنافقون والكفار عن الإيمان والتوبة وناصبوك الحرب فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ أي يكفيني
الله فهو ثقتي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي لا حافظ ولا ناصر إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي وثقت وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ أي السرير الْعَظِيمِ (١٢٩) فإن جعل صفة للرب فمعنى العظمة هي وجوب الوجود والتقدس عن الحجمية والإجزاء وكمال العلم والقدرة والتنزه عن أن يتمثل في الأوهام وتصل إليه الأفهام، وإن جعل صفة للعرش فمعنى العظمة كبر الجرم واتساع الجوانب، ووجوب العرش أمر مشهور والكفار سمعوه من أسلافهم أو من اليهود والنصارى.
صفحة رقم 477مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا
محمد أمين الضناوي