قوله : وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً معطوف على ما قبله : أي ولا يقع منهم الإنفاق في الحرب، وإن كان شيئاً صغيراً يسيراً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا وهو في الأصل كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل، والعرب تقول : واد وأودية على غير قياس.
قال النحاس : ولا يعرف فيما علمت فاعل وأفعلة إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ أي : كتب لهم ذلك الذي عملوه من النفقة والسفر في الجهاد لِيَجْزِيَهُمُ الله به أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ أي : أحسن جزاء ما كانوا يعملون من الأعمال، ويجوز أن يكون في قوله : إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ ضمير يرجع إلى " عمل صالح ". وقد ذهب جماعة إلى أن هذه الآية منسوخة بالآية المذكورة بعدها، وهي قوله : وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فإنها تدل على جواز التخلف من البعض، مع القيام بالجهاد من البعض، وسيأتي.
وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق عمر بن مالك، عن بعض الصحابة قال : لما نزلت : مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«والذي بعثني بالحق لولا ضعفاء الناس ما كانت سرية إلا كنت فيها» وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله : مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة قال هذا حين كان الإسلام قليلاً لم يكن لأحد أن يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كثر الإسلام وفشا قال الله : وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً . وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم بن محمد الفزاري، وعيسى بن يونس السبيعي، أنهم قالوا في قوله تعالى : وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً قالوا : هذه الآية للمسلمين إلى أن تقوم الساعة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني