ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

هذه الآية جاءت عقب آيات المتخلفين عن الغزو مع رسول الله، وجاءت بعد أن بيّن الله سبحانه مزايا المجاهدين وما يثيبهم الله به جزاء هذا الجهاد فيء قوله سبحانه :
ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ( ١٢٠ ) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ( ١٢١ ) ( التوبة ).
كانت تلك هي الحيثيات التي ترغّب الناس في الجهاد ترغيبا يخرجهم عمّا ألفوا من العيش في أوطانهم وبين أهليهم وأموالهم ؛ لأن الثمن الذي يتلقونه مقابل ذلك الجهاد ثمن كبير، ثم جاءت هذه الآية.
وحينما استقبل العلماء هذه الآية قالوا : إنها تتمة للآيات الجهاد، وما دام الله قد رغّب في الجهاد هذا الترغيب، فإن الناس أقسموا بعده ألا يتركوا غزوة من الغزوات ولا سرية من السرايا إلا ذهبوا إليها، فنشأ عن ذلك أن المدينة كادت تخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستقبل وحي الله.
واستقبال وحي الله يقتضي وجود سامعين ليبلغوه، فلما انصرف الناس إلى مسألة الجهاد أراد الله أن يعدل هذه الموجة من الرغبة في الجهاد، فبيّن أن الإسلام منزّل من الله على رسوله ليبلغه للناس ؛ لأن دين الله يحتاج إلى أمرين : أمر يحمله الناس، وأمر يثبت صدقه في الناس، وحين يرى الناس إنسانا يضحي بنفسه ويدخل معركة، وآخر يضحي بماله، حينئذ يعلم الناس أن من يفعل ذلك لا بد أنه متيقن تمام التيقن من العقيدة التي يبذل في سبيلها الغالي والرخيص.
لكن يبقى أمر آخر، هو ضرورة وجود من يحملون العلم بالإسلام، فإذا كان المناضلون المضحّون بالنفس، والمنفقون المضحّون بالمال هو دليل صدق الإيمان، فهذا لا يعني الاستغناء عن هؤلاء الذين عليهم أن يسمعوا من رسول الله ما يوحي به الله.
إذن : فهناك منهج من الله، وهناك استقبال لهذا المنهج من رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا، ومن السامعين لرسول الله ثانيا ؛ ليسيحوا به في البلاد، سياحة إعلام بدين الله لنشر الإسلام، وهكذا كانت الإقامة مع رسول الله هي استقبال لذلك الإعلام، وإلا فماذا يعلمون ؟
إذن : فلا بد أن يحافظ المسلمون على أمرين : أمر بقاء الاستقبال من السماء، وأمر الإعلام(١) بما استقبلوه إلى البلد. فإن كنتم قد انصرفتم إلى الجهاد في سبيل الله فقد حقّقتم أمرا واحدا، ولكنكم لم تحققوا الأمر الآخر وهو أن تظلوا ؛ لتستقبلوا من رسول الله. فأراد الله سبحانه أن يقسم الأمرين بين مجاهدين يجاهدون للإعلام، وباقين مع رسول الله ليستقبلوا إرسال السماء لهذه الأرض فقال : وما كان المؤمنون لينفروا كافة .
وساعة تسمع " كان " منفية فاعلم أنها جحود لهذه المسألة، أي : ما كان يصح أن ينفر المسلمون كافة، أي : جميعا، بدون أن يبقى منهم أحد.
و كافة مأخوذة من كف الشيء، وأنت تسمع خائط الثياب يقول :" أريد أن أكفّف الثوب " معنى هذا أن الخائط حين يقص القماش، فهناك بعض من الخيوط تخرج منه ؛ فيكففها حتى لا يتفكك نسيج الثوب، إذن : فمعنى كلمة كافة : جميعا.
ولنا أن نتساءل : لماذا لا ينفر المسلمون إلى الجهاد جميعا، أليس الجهاد إعلاما بمنهج الله ؟
نقول : نعم إعلام وسياحة بمنهج الله في الأرض، ولكن الذي يسيح للإعلام بمنهج الله لا بد أن تكون عنده حصيلة يعلم بها وهذه الحصيلة كانت تأتي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من منهج السماء حين ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذن : فلا بد من أناس يسمعون وحي السماء ثم يعلمون به ويرسلونه لأهل الأرض(٢) جميعا، ولو انصرف كال هؤلاء المؤمنين إلى الجهاد لما تحقق أمر حمل الدعوة للإسلام ؛ لذلك قال الحق : وما كان المؤمنون لينفروا كافة وفي هذا أمر فيه انبغاء أي : لهم قدرة عليه، ويستطيعون تنفيذ ما يطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم.
ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ في أمة عربية لها فصاحة وبلاغة، أمة بيان وأداء قويّ يسحر، وكان في هذه الأمة أناس كثيرون يتمتعون بموهبة الشعر والقول، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشتهر بهذا، وحاول بعضهم أن يقلل من فصاحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا : إنها فصاحة دون من خطب، ودون من قال، ودون من شعر، فجاء الرد عليهم من الحق :
وما علمناه الشعر وما ينبغي له... ( ٦٩ ) ( يس )أي : أنه صلى الله عليه وسلم كان يستطيع أن يتفوق في ذلك، لكن الحق سبحانه لم يعلمه الشعر ؛ لأنه لا ينبغي له أن يتعلّمه، لماذا ؟ لأن العرب يعلمون أن أعذب الشعر أكذبه، وما دام أعذبه أكذبه، فالحق سبحانه لا يريد أن يعلم الناس أن محمدا صلى الله عليه وسلم مرتاض(٣) على صناعة البيان وأساليب الأدب، وبعد ذلك يفاجئ الدنيا بالبيان الأعلى في القرآن، يعلن صلى الله عليه وسلم أن هذا البيان ليس من عنده.
وقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم مدة طويلة، ولم يسمعوا منه شعرا، فكل ما جاء به بلاغا من الله ولا ينسب لمحمد، ولمنه منسوب إلى رب محمد.
وقوله الحق : وما ينبغي له أي : لا يصح أن يكون هذا الأمر، رغم استعداد محمد صلى الله عليه وسلم لذلك، وكان من الممكن أن يعلّمه ربه الشعر وفنون القول ؛ ولذلك حينما قال أناس : إن القرآن من عند محمد، وجاء القول الحق مبلّغا محمدا : فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون... ( ١٦ ) ( يونس )وقد عاش بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين عاما ولم يقل قصيدة أو مقالة.
ومن الذي يستطيع أن يؤخر عبقريته إلى الأربعين ؟ نحن نعلم أن ميعاد بدء العبقرية إنما يظهر من قبل العشرين، أي : في العقد الثاني من العمر ولا أحد يؤخر ظهور عبقريته.
إذن : فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما نزل عليه القرآن بالترغيب في الجهاد كادت المدينة تخلو من المسلمين ؛ فجاء قوله الحق :
وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ( ١٢٢ ) ( التوبة )وفي هذا القول الكريم محافظة على أمرين ؛ أمر استقبال وحي الله، وأمر الإعلام به، وبذلك يتنوع الجهاد، طائفة تستقبل، وطائفة تعلّم وترسل ؛ لأنهم لو تركوا الرسول صلى الله عليه وسلم جميعا، فكيف يصل الوحي من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المؤمنين ؟ ولو أنهم جلسوا جميعا في المدينة فمن الذي يسيح في الأرض معلّما الناس ؟ أما إذا بقي الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، في فترة لا قتال فيها، فهذا أمر مختلف ؛ لأنها ستكون فترة استقبال فقط.
وكذلك إن خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القتال فعلى المؤمنين القادرين على القتال أن يصحبوه ؛ لأن الرسول القادر على استقبال الوحي من الله موجود معهم، وكذلك الإعلام بالرسالة موجود.
إذن : فالمشكلة كانت في حالة عدم وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الخارجين للجهاد، فإذا ما خرج المقاتلون للجهاد، وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فعليهم أن ينقسموا قسمين : قسما يبقى مع رسول الله ليتعلم منهج الله، وقسما يحرج إلى القتال.
حين كان الرسول يخرج إلى القتال فالمهمة تسمى غزوة، وإذا لم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسل جماعة للقتال سمّيت العملية ب " السرية " (٤).
ولم يخرج عن التسمية بالسرية إلا عملية واحدة سميت غزوة ولم يخرج فيها رسول الله، وكان المفروض أن تسمى سرية ولكنها سميت غزوة(٥).
وقد خرجت المهمة القتالية عن اصطلاح السرية، إلى اصطلاح الغزوة، رغم أن رسول الله لم يحضرها ؛ لأن المعركة حدثت فيها أشياء كالتي تحدث في الغزوات، فقد كانت معركة حاسمة وقتل فيها عدد من المسلمين، وحمل الراية وقاتل واستشهد فحملها غيره وقتل، فحملها ثالث، وكانت المعركة حامية الوطيس فقالوا : لا يمكن أن نسميها تلك المعركة ب " السّرية " بل هي غزوة ؛ لأن فيها عنفا شديدا.
لم يلحظوا شيئا واحدا من وهو أن التسمية بالغزوة انطبقت تمام الانطباق على مؤتة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المدينة والمسلمون خارجون إلى للغزو وأرسل إلى القوات : إن مات فلان في القتال فيليه فلان، وإن مات فلان ففلان يخلفه(٦)، أي : أنه صلى الله عليه وسلم قد سلسل أمور الغزوة قبل أن تبدأ.
وهي الحملة القتالية الوحيدة التي خرجت بهذه التعليمات، من بين مثيلاتها من الحملات المحددة التي لم يخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المقاتلين، وكأنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم مقدّما بمن سيموت من هؤلاء الخارجين إلى القتال.
ثم وصلت الحملة إلى موقعها ودار القتال، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة والتفت الصحابة فسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم ؛ قال : أخذ الراية فلان فقتل، ثم أخذها فلان فقتل. ثم قال : وأخذها بعده فلان، وكان صلى الله عليه وسلم يقصّ المعركة(٧) وهو في المدينة فقالوا : لم يقل ذلك إلا لأنه شهيد.
وحينما عاد المقاتلون عرف الصحابة منهم أن الأمر قد دار كما رواه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المدينة، وقد حدث مطابقا غاية التطابق، فقالوا : شهدها رسول الله ؛ وما دام قد شهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي غزوة.
ونعود إلى الآية التي يقول فيها الحق : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين... ( ١٢٢ ) ( التوبة ).
وساعة تسمع كلمة " لولا " فلك أن تعرف أن في اللغة ألفاظا قريبة بعضها، ف " لو " و " لولا " و " لوما " و " هلاّ " هي-إذن- ألفاظ واردة في اللغة، وإذا سمعت كلمة " لو " فهذا يعني أن هناك حكما بامتناع شيئين. شيء امتنع لامتناع شيء، مثل قولك :" لو كان عندك زيد لجئتك " وهنا يمتنع مجيئك لامتناع مجيء زيد، فكلمة " لو " حرف امتناع لامتناع وتقول : لو جئتني في بيتي لأكرمتك. إذن : فأنا لم أكرمك لأنك لم تأت.
وتقول :" لولا زيد عندك لجئتك } أي : أنه قد امتنع مجيئي لك لوجود زيد. إذن : ف " لولا " حرف امتناع لوجود. ونلحظ أن " لولا " هنا جاء بعدها اسم هو " زيد "، فماذا إن جاء بعدها فعل، مثل قولك :" لولا فعلت كذا " ؟ هنا يكن في القول حضّ على الفعل، مثل قوله الحق : لولا إذ سمعتموهم ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا( ١٢ ) ( النور )
مثل قوله : لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء.... ( ١٣ ) ( النور )
ومثلها أيضا " لوما " مثل قوله الحق : لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ( ٧ ) ( الحجر ).
وأيضا قولك : " هلاّ ". فهي أيضا تحضيض مثل قولنا : " هلا ذاكرت دروسك " ؟ وأنت بذلك تستفهم ب( هل )، وجئت بالمد لتصبح ( هلا ) ؛ لتحثه على المذاكرة. أو قولك :" هلا أكرمت فلانا ؟ " وفي هذا حثّ على أن تكرم فلانا(٨).
والأسلوب هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يجمع المؤمنين ويقول لهم : وما كان المؤمنون لينفروا كافة ثم يأتي الحث على أن ينقسموا إلى قسمين في قوله : فلولا نفر من كل فرقة ، والقسمان يذهب أحدهما للإعلام وللجهاد. والقسم الثاني يظل مع رسول الله صل

١ لأن الجهاد في سبيل الله لملاقاة العدو فرض بدوافعه وبمقتضى حال الدعوة، وإما الجهاد الإعلامي فهو مطلوب حتى قيام الساعة، فهو جهاد موصول ما دام هناك باطل يناهض حقا..
٢ إن الإعلام الديني هو جهاد له صفة الاستمرارية، لأنه وسيلة إقناع دائمة لتدعيم قيم السماء لتنظيم فوضى الأرض ولا يكن الجهاد بالسيف إلا بعد الإقناع والتمادي في الباطل لطمس معالم الحق. بل نقذف بالحق على الباطل فيدمعه فإذا هو زاهق (١٨) (الأنبياء).
٣ مرتاض: أي معتاد على قول الشعر، قد ذللت له القوافي والبحور والأوزان واللغة لينظم ما شاء، وهذا لا ينبغي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا كان موضع طعن في القرآن..
٤ كان عدد الغزوات التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه غازيا سبعا وعشرين، وقد قاتل بنفسه في تسع منها، هي: بدر، وأحد، والمريسع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف. وبلغ عدد بعوثه أو سراياه سبعا وأربعين، وقيل: بل نحوا من ستين..
٥ هي غزوة مؤتة، هي قرية من أرض البلقاء من الشام من أعمال دمشق، وكانت تسمى أيضا جيش الأمراء..
٦ أخرج البخاري في صحيحه (٤٢٦١) عن عبد الله بن عمر قال:"أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد ابن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية"..
٧ عن أنس بن مالك قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخذ الرواية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب وإن عينه لتذرفان، ثم أخذها من غير إمرة، ففتح الله عليه، وما يسرني أنهم عندنا-أو قال: ما يسرهم أنهم عندنا. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٢٦٢) وأحمد في مسنده (٣/١١٣).
٨ الأدوات الثلاثة (لولا-لوما، هلا) لا يليها إلا المضارع ظاهرا أو مقدرا. فإن دخلت على ماض خصلة زمنه المستقبل، بشرط أن تفيد التحضيض. ومنها الآية التي معنا، ومثلها قوله تعالى:رب لولا أخرتنا إلى أجل قريب...(١٠) (المنافقون) وانظر: النحو لعباس حسن..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير