أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٢٠) يعنى جزاء احسن أعمالهم يعنى الجهاد فى سبيل الله او احسن جزاء أعمالهم عن ابى مسعود الأنصاري قال جاء رجل بناقة مخطومة فقال هذه فى سبيل الله فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة رواه مسلم وعن زيد بن خالد ان رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال من جهز غازيا فى سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا فى اهله فقد غزا متفق عليه والله اعلم قال الكلبي ان احياء بنى اسد بن خزيمة أصابتهم سنة شديدة فاقبلوا بالذراري حتى نزلوا بالمدينة فافسدوا طرقها بالعذرات واغلوا أسعارها فانزل الله تعالى.
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً نفى بمعنى النهى واللام لتأكيد النفي والمعنى لا ينفروا كافة عن أوطانهم لطلب العلم فانه مخل بالمعاش ومفضى الى المفسدة فَلَوْلا فهلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ اى من كل جماعة كثيرة كقبيلة واهل بلدة او قرية طائِفَةٌ جماعة قليلة لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ اى ليتكلفوا الطلب الفقاهة فى الدين ويتجشموا المشاق فى تحصيلها قال صاحب النهاية الفقه فى الأصل الفهم واشتقاقه من الشق والفتح وفى القاموس الفقه بالكسر المعلم بالشيء والفهم له والفطنة وغلب على علم الدين لشرفه وقال بعض المحققين الفقه هو التوصل الى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم يعنى العلم الاستدلالي قال الله تعالى فما لهولاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ولا يستنبطون مضمونه قال ابو حنيفة رحمه الله هو معرفة النفس مالها وما عليها والتخصيص بالعلم بفروع الدين اصطلاح جديد والظاهر انه يشتمل علم المقلد ايضا فالمقلد إذا أخذ العلم من المجتهد ومن كتابه فقد ادى ما وجب عليه بهذه الاية والله اعلم وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ الذين لم ينفروا إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ فى أوطانهم بعد تحصيل العلم لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢١) بانذارهم ما يجب عليهم اجتنابها وقال مجاهد نزلت فى ناس خرجوا فى البوادي فأصابوا منهم معروفا ودعوا من وجدوا من الناس الى الهدى فقال الناس لهم ما نريك الا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا فوجدوا فى أنفسهم من ذلك حرجا فاقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على النبي صلّى الله عليه وسلم
فانزل الله تعالى هذه الاية قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم تجدون الناس معادن كمعادن الذهب والفضة فخيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا رواه الشافعي وكذا روى الشيخان فى الصحيحين واحمد عن ابى هريرة وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم الناس رجلان عالم ومتعلم ولا خير فيما سواهما رواه الطبراني عن ابن مسعود والله اعلم وهذه الاية دليل على ان اخبار الآحاد حجة لان عموم كل فرقة يقتضى ان ينفر من كل ثلثة تفردوا بقرية طائفة الى التفقه لينذر فرقتها كى يتذكروا فيحذروا فلو لم يعتبر الاخبار ما لم يتواتر لم يفد ذلك اعلم ان الفقه فى الدين ينقسم الى فرض عين وفرض كفاية فالفرض العين هو العلم بالعقائد الصحيحة ومن الفروع ما يحتاج اليه كل أحد كالطهارة والصلاة والصوم وكذلك كل عبادة أوجبها الشرع على الآدمي يجب عليه معرفة أحكامها مثل علم الزكوة إن كان له مال وعلم الحج ان وجب عليه وكذلك من المعاملات يجب معرفة احكام ما يتعاطى بها ويمارسها فيجب معرفة احكام البيع من الصحيح والفاسد والربوا للتجار والإجارات لمن يتاتى بها ونحو ذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم رواه ابن عدى والبيهقي بسند صحيح عن انس والطبراني فى الصغير والخطيب عن الحسن بن على والطبراني فى الأوسط عن ابن عباس وفى الكبير عن ابن مسعود وعند الخطيب عن على وفى الطبراني فى الأوسط والبيهقي عن ابى سعيد وزاد ابن عبد البر عن انس وان طالب العلم يستغفر له كل شىء حتى الحيتان فى البحر وفى رواية والله يحب إغاثة اللهفان والفرض الكفاية وهو ان يتعلم الرجل كل باب من العلم حتى يبلغ درجة الفتوى فاذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعا وإذا قام من كل بلد واحد بتعلمه سقط عن الباقين وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث وهو أفضل من كل عبادة نافلة قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم طلب العلم أفضل عند الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد فى سبيل الله عز وجل رواه صاحب سند الفردوس عن ابن عباس وروى ايضا عنه طلب العلم ساعة خير من قيام ليلة وطلب العلم يوما خير من صيام ثلثة ايام وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلى على
صفحة رقم 323
أدناكم ان الله وملئكة واهل السموات والأرضين حتى النملة فى جحرها وحتى الحوت فى الماء ليصلون على معلم الناس الخير رواه الترمذي بسند صحيح عن ابى امامة وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقيه واحد أشد على الشيطان من الف عابد رواه الترمذي وابن ماجة
عن ابن عباس وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلثة الا من صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعوا له واما لعلم اللدني فى الذي يسمون أهلها بالصوفية الكرام فهو فرض عين لان ثمراتها تصفيه القلب عن الاشتغال بغير الله تعالى واتصافه بدوام الحضور وتزكية النفس عن رذائل الأخلاق من العجب والكبر والحسد وحب الدنيا والكسل فى الطاعات وإيثار الشهوات والرياء والسمعة وغير ذلك وتجليتها بكرام الأخلاق من التوبة والرضا بالقضاء والشكر على النعماء والصبر على البلاء وغير ذلك ولا شك ان هذه الأمور محرمات وفرايض على كل بشر أشد تحريما من معاصى الجوارح وأهم افتراضا من فرائضها فالصلوة والصوم وشىء من العبادات لا يعبأ بشئ منها ما لم تقترن بالإخلاص والنية قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم ان الله لا يقبل من العمل الا ما كان له خالصا وابتغى به وجهه رواه النسائي عن ابى امامة وقال عليه السلام ان الله لا ينظر الى صوركم وأموالكم ولكن ينظر الى قلوبكم- رواه مسلم عن ابى هريرة وكل ما يترتب عليه من الفروض الأعيان فهو فرض عين والله اعلم وفى سبب نزول الاية وجه آخر وذلك ما قال البغوي انه قال ابن عباس فى رواية الكلبي وكذا اخرج ابن ابى حاتم عن عكرمة ونحوه عن عبد الله بن عمير انه لما انزل الله تعالى عيوب المنافقين فى غزوة تبوك ونزلت ان لا تنفروا يعذبكم عذابا أليما كان النبي صلّى الله عليه وسلم يبعث السرايا فكان المسلمون ينفرون جميعا الى الغزو ويتركون النبي صلّى الله عليه وسلم وخده وفى رواية عكرمة تخلف عن الغزو أناس من اهل البوادي فقالت المنافقون هلك أصحاب البوادي فانزل الله تعالى هذه الاية يعنى ما كان المؤمنون لينفروا الى الغزو كافة فهلا نفر من كل فرقة عظيمة
التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
غلام نبي تونسي