وما كان المؤمنون لينفروا كافة نفي بمعنى النهي واللام لتأكيد النفي والمعنى لا ينفروا كافة عن أوطانهم لطلب العلم فإنه مخل بالمعاش ومفضي إلى المفسد فلولا فهلا نفر من كل فرقة أي : من كل جماعة كثيرة كقبيلة وأهل بلدة أو قرية طائفة جماعة قليلة ليتفقهوا في الدين أي : ليتكلفوا الطلب الفقاهة في الدين ويتجشموا المشاق في تحصيلها، قال : صاحب النهاية : الفقه في الأصل الفهم واشتقاقه من الشق والفتح، وفي القاموس الفقه بالكسر المعلوم بالشيء والفهم له والفطنة وغلب على علم الدين لشرفه، وقال بعض المحققين : الفقه هو التواصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم الاستدلالي قال : الله تعالى : فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ١ولا يستنبطون مضمونه، قال أبو حنيفة رحمه الله : هو معرفة النفس مالها وما عليها والتخصيص بالعلم بفروع الدين اصطلاح جديد والظاهر أنه يشتمل علم المقلد أيضا فالمقلد إذا أخذ العلم من المجتهد أو من كتابه والظاهر أدى ما وجب عليه بهذه الآية والله أعلم. لينذروا قومهم الذين لم ينفروا إذا رجعوا إليهم في أوطانهم بعد تحصيل العلم لعلهم يحذرون بإنذارهم ما يجب عليهم اجتنابها وقال مجاهد : نزلت في ناس خرجوا في البوادي فأصابوا منهم معروفا ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال : الناس لهم ما نراكم إلا وقد تركتم صاحبكم وجئتم فوجدنا في أنفسهم من ذلك حرجا فأقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" تجدون الناس معادن كمعادن الذهب والفضة فخيارهم في الجاهلية فخيارهم في الإسلام إذا فقهوا " ٢رواه الشافعي وكذا روى الشيخان في الصحيحين وأحمد عن أبي هريرة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الناس رجلان عالم ومتعلم ولا خير فيما يسواهما " رواه الطبراني عن ابن مسعود والله أعلم.
وهذه الآية دليل على أن أخبار الآحاد حجة لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لينذر فرقتها كي يتذكروا فيحذروا فلو لم يعتبر الأخبار ما لم يتواتر لم يفسد ذلك.
أعلم أن الفقه في الدين ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية، والفرض العين هو العلم بالعقائد الصحيحة ومن الفروع ما يحتاج إليه كل أحد كالطهارة والصلاة والصوم وكذلك كل عبادة أوجبها الشرع على الآدمي يجب عليه يجب عليه معرفة أحكامها مثل علم الزكاة إن كان له مال وعلم الحج إن وجب عليه وكذلك من المعاملات يجب معرفة أحكام ما يتعاطى بها ويمارسها، فيجب معرفة أحكام البيع من الصحيح والفاسد والربا للتجار والآجارات لمن يتأتى بها ونحو ذلك قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" طلب العلم فريضة على كل مسلم " رواه ابن عدي والبيهقي بسند صحيح عن أنس والطبراني في الصغير والخطيب عن الحسن بن علي والطبراني في " الأوسط " عن ابن عباس وفي الكبير عن ابن مسعود وعند الخطيب عن علي وفي الطبراني في " الأوسط " والبيهقي " عن أبي سعيد وزاد ابن عبد البر عن أنس " وإن طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر " وفي رواية " والله يحب إغاثة اللهفان " والفرض الكفاية وهو أن يتعلم الرجل كل باب من العلم حتى يبلغ درجة الفتوى فإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعا وإذا قام من كل بلد واحد بتعلمه سقط عن الباقين وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث وهو أفضل من كل عبادة نافلة قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" طلب العلم أفضل عند الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد في سبيل الله عز وجل " رواه صاحب سند الفردوس عن ابن عباس وروى أيضا عنه :" طلب العلم ساعة خير من قيام ليلة وطلب العلم يوما خير من صيام ثلاثة أيام " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في الماء ليصلون على معلم الناس الخير " ٣رواه الترمذي بسند صحيح عن أبي أمامة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد " ٤رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : إلا من صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له " ٥وأما العلم اللدني الذي يسمون أهلها بالصوفية الكرام فهو مرض عين لأن ثمراتها تصفية القلب عن اشتغال بغير الله تعالى واتصافه بدوام الحضور وتزكية النفس عن رذائل الأخلاق من العجب والكبر والحسد وحب الدنيا والكسل في الطاعات وإيثار الشهوات والرياء والسمعة وغير ذلك وتجليها بكرام الخلاق من التوبة والرضا بالقضاء والشكر على النعماء والصبر على البلاء وغير ذلك، ولا شك أن هذه الأمور محرمات وفرائض على كل بشر أشد تحريما من معاصي الجوارح وأهم افتراضا من فرائضها فالصلاة والصوم وشيء من العبادات لا يعبأ بشيء منها ما لم تقترن بالإخلاص والنية، قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه " ٦رواه النسائي عن أبي أمامة وقال عليه السلام :" إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر غلى قلوبكم واعمالكم " ٧رواه مسلم عن أبي هريرة وكل ما يترتب عليه من الفروض الأعيان فهو فرض عين والله اعلم.
وفي سبب نزول الآية وجه آخر وذلك ما قال : البغوي : أنه قال : ابن عباس في رواية الكلبي وكذا أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ونحوه عن عبد الله بن عمير أنه لما أنزل الله تعالى عيوب المنافقين في غزوة تبوك ونزلت : إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا فكان المسلمون ينفرون جميعا إلى الغزو ويتركون النبي صلى الله عليه وسلم وحده، وفي رواية عكرمة تخلف عن الغزو أناس من أهل البوادي فقالت المنافقون : هلك أصحاب البوادي فأنزل الله تعالى هذه الآية، يعني ما كان المؤمنون لينفروا إلى الغزو كافة فهلا نفر من كل فرقة عظيمة طائفة إلى الغزو وبقي طائفة مع النبي صلى الله عليه وسلم ليتفقه القاعدون وفي الدين ويتعلمون القرآن والسنن والفرائض والأحكام فإذا رجعت السرايا أخبروهم بما نزل بعدهم فتمكث السرايا يتعلمون ما نزل بعدهم وينفر سرايا آخر حتى لا ينقطع التفقه الذي هو الجهاد الأكبر لأن الجدال بالحجة هو الأصل والمقصود من البعثة، ولذا قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" العلماء ورثة الأنبياء " ٨فيكون الضمير في ليتفقهوا ولينذروا بواقي الفرق بعد الطائفة النافرة للغزوة وفي رجعوا للطائفة النافرة، قال السيوطي : قال ابن عباس : فهذه مخصومة بالسرايا والتي من قبلها بالنهي عن تخلف أحد فيما إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن هذا التفقه والإنذار راجع إلى الفرقة النافرة معناه هلا نفر فرقة ليتفقهوا أي : ليبصروا بما يريهم من الظهور على المشركين ونصرة الدين ولينذروا قومهم من الكفار إذا رجعوا من الجهاد فيخبروهم بنصر الله رسوله والمؤمنين لعلهم يحذرون قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار، وهذا يدل على أن الجهاد فرض كفاية إذا قام به جماعة سقطه عن الباقين إلا عند النفير العام حتى يصير فرضا على الأعيان
٢ أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: قول الله تعالى:يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا(٣٤٩٣)وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: خير الناس (٢٥٢٦)، وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: خير الناس (٢٥٢٦)، وأخرجه الشافعي في الجزء الأول/باب: الإيمان والإسلام والإسلم (١٥)..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة (٢٦٨٢)..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة (٢٦٨١)، وأخرجه ابن ماجه في افتتاح الكتاب، باب: فضل العلماء والحث على طلب العلم (٢٢٢)..
٥ أخرجه مسلم في كتاب: الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثوب بعد وفاته (١٦٣١)..
٦ أخرجه النسائي في كتاب: الجهاد، باب: من غزا يلتمس الأجر والذكر(٣١٣١)..
٧ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وماله وعرضه(٢٥٦٤)..
٨ اخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة (٢٦٨٢)، وأخرجه أبو داود في كتاب: العلم باب: في فضل العلم (٣٦٣٧)..
التفسير المظهري
المظهري