ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

قوله تعالى : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
وفيه أربع مسائل :
المسألة الثالثة : في معنى الطائفة في اللغة، والمراد بها في الآية.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن الطائفة في اللغة الواحد فصاعدا، وبهذا المعنى فسر الطائفة في هذه الآية.
قال ابن حزم : قول الله عز وجل : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون
والطائفة في لغة العرب التي بها خوطبنا يقع على الواحد فصاعدا، وطائفة من الشيء بمعنى بعضه، هذا ما لا خلاف بين أهل اللغة فيه١. اه
المسألة الرابعة : في صفة التفقه في الدين.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن التفقه في الدين نوعان :
النوع الأول : التفقه الذي يلزم كل فرد من المسلمين، وهو المعروف عند الفقهاء بفرض عين.
والنوع الثاني : التفقه الواجب على الجماعة كلها حتى إذا قام بها بعضهم سقط عن الباقين، وهو المعروف بفرض الكفاية.
قال ابن حزم : قال الله تعالى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ٢
فبين الله عز وجل في هذه الآية وجه التفقه كله، وأنه ينقسم قسمين :
أحدهما : يخص المرء في نفسه وذلك مبين في قوله تعالى : ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم فهذا معناه تعليم أهل العلم لمن جهل حكم ما يلزمه.
والثاني : تفقه من أراد وجه الله تعالى، بأن يكون منذرا لقومه وطبقته. قال تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ٣
ففرض على كل أحد طلب ما يلزمه، على حسب ما يقدر عليه من الاجتهاد لنفسه في تعرف ما ألزمه الله تعالى إياه.
وكل مسلم عاقل بالغ من ذكر أو أنثى، حر أو عبد، يلزمه الطهارة والصلاة والصيام فرضا بلا خلاف من أحد من المسلمين، وتلزم الطهارة والصلاة المرضى والأصحاء، ففرض على كل من ذكرنا أن يعرف فرائض صلاته وصيامه وطهارته وكيف يؤدي كل ذلك.
ثم فرض على كل جماعة مجتمعة في قرية أو مدينة أو دسكرة٤ - وهي المجشرة عندنا – أو حلة أعراب، أو حصن أن ينتدب منهم – لطلب جميع أحكام الديانة أولها عن آخرها، ولتعلم القرآن كله، ولكتاب كل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث الأحكام أولها عن آخرها، وضبطها بنصوص ألفاظها، وضبط كل ما أجمع المسلمون عليه مما اختلفوا فيه – من يقوم بتعليمهم وتفقيههم من القرآن والحديث والإجماع. يكتفى بذلك على قدر قلتهم أو كثرتهم بالآية التي تلونا، فإذا انتدب لذلك من يقوم بما ذكرنا فقط سقط عن باقيهم إلا ما يلزمه خاصة نفسه فقط على ما ذكرنا آنفا٥.
المسألة الخامسة : فيمن كان بمكان لا يجد فيه من يتعلم منه أمور دينه.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن من كان هذا حاله فإما أن يرحل من ذلك المكان إلى حيث يجد من يعلمه أمور الدين، أو يبق ويرحل إليه بنفسه أو عن طريق إمام المسلمين من يقوم بتعليمه.
قال ابن حزم : وكل من كان منا في بادية لا يجد فيها من يعلمه شرائع دينه ففرض على جميعهم من رجل أو امرأة أن يرحلوا إلى مكان يجدون فيه فقيها يعلمهم دينهم، أو أن يرحلوا إلى أنفسهم فقيها يعلمهم أمور دينهم، وإن كان الإمام يعلم ذلك فليرحل إليهم فقيها يعلمهم، قال الله تعالى : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ٦ وقال تعالى : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ٧
وقال في موضع آخر : فإن لم يجدوا في محلتهم من يفقههم في ذلك كله كما ذكرنا ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المحتوين على صنوف العلم، وإن بعدت ديارهم، ولو أنهم بالصين ؛ لقوله تعالى : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم والنفار والرجوع لا يكون إلا برحيل.
ومن وجد في محلته من يفقهه في صنوف العلم كما ذكرنا فالأمة مجمعة على أنه لا يلزمه رحيل في ذلك٨. اه
المسألة السادسة : في تعلم علم الحديث.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن تعلم علوم الحديث فرض على الكفاية.
قال ابن حزم : وأما معرفة قراءة الحديث ففرض على الكفاية ؛ بقوله تعالى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ٩
ولا سبيل إلى التفقه في الدين إلا بمعرفة أحكام القرآن، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم، صحيحه من سقيمه، وناسخه من منسوخه، وما أجمع عليه مما اختلف فيه، فهذا أفضل ما استعمل المرء فيه نفسه، وأعظم ما يحاول لأجره وأمحاه لذنوبه١٠. اه

١ انظر : الإحكام في أصول الأحكام، (المجلد ١/١٠٣-١٠٤) بتصرف..
٢ التوبة ١٢٢..
٣ النحل ٤٣..
٤ الدسكرة : بناء على هيئة القصر، فيه منازل وبيوت للخدم والحشم، وليست بعربية محضة. النهاية، لابن الأثير ص (٣٠٥)..
٥ الإحكام في أصول الأحكام (المجلد ٢/١١٣-١١٤)..
٦ النحل ١٢٥..
٧ التوبة ١٢٢..
٨ الإحكام في أصول الأحكام (المجلد ٢/١١٤، ١١٠-١١٥) باختصار..
٩ التوبة ١٢٢..
١٠ رسالة التلخيص لوجوه التخليص، في مجموع رسائل ابن حزم، ٣/١٦٤..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير