ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

هذا المقطع الأخير من السورة - أو الدرس الأخير فيها - بقية في الأحكام النهائية في طبيعة العلاقات بين المجتمع المسلم وغيره ؛ تبدأ من تحديد العلاقة بين المسلم وربه، وتحديد طبيعة " الإسلام " الذي أعلنه ؛ ومن بيان تكاليف هذا الدين، ومنهج الحركة به في مجالاته الكثيرة.
إن الدخول في الإسلام صفقة بين متبايعين.. اللّه - سبحانه - فيها هو المشتري والمؤمن فيها هو البائع. فهي بيعة مع اللّه لا يبقى بعدها للمؤمن شيء في نفسه ولا في ماله يحتجزه دون اللّه - سبحانه - ودون الجهاد في سبيله لتكون كلمة اللّه هي العليا، وليكون الدين كله للّه. فقد باع المؤمن للّه في تلك الصفقة نفسه وماله مقابل ثمن محدد معلوم، هو الجنة : وهو ثمن لا تعدله السلعة، ولكنه فضل اللّه ومَنَّه :
( إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون، وعدا عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن. ومن أوفى بعهده من اللّه ؟ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم ).
والذين بايعوا هذه البيعة، وعقدوا هذه الصفقة هم صفوة مختارة، ذات صفات مميزة.. منها ما يختص بذوات أنفسهم في تعاملها المباشر مع اللّه في الشعور والشعائر ؛ ومنها ما يختص بتكاليف هذه البيعة في أعناقهم من العمل خارج ذواتهم لتحقيق دين اللّه في الأرض من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام على حدود اللّه في أنفسهم وفي سواهم :
( التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون الساجدون، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والحافظون لحدود اللّه. وبشر المؤمنين ).
والآيات التالية في السياق تقطع ما بين المؤمنين الذين باعوا هذه البيعة وعقدوا هذه الصفقة، وبين كل من لم يدخلوا معهم فيها - ولو كانوا أولى قربى - فقد اختلفت الوجهتان، واختلف المصيران، فالذين عقدوا هذه الصفقة هم أصحاب الجنة، والذين لم يعقدوها هم أصحاب الجحيم. ولا لقاء في دنيا ولا في آخرة بين أصحاب الجنة وأصحاب الجحيم. وقربى الدم والنسب إذن لا تنشئ رابطة، ولا تصلح وشيجة بين أصحاب الجنة وأصحاب الجحيم :
( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين - ولو كانوا أولي قربى - من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ).
( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه. إن إبراهيم لأواه حليم )..
وولاء المؤمن يجب أن يتمحض للّه الذي عقد معه تلك الصفقة ؛ وعلى أساس هذا الولاء الموحد تقوم كل رابطة وكل وشيجة - وهذا بيان من اللّه للمؤمنين يحسم كل شبهة ويعصم من كل ضلالة - وحسب المؤمنين ولاية اللّه لهم ونصرته ؛ فهم بها في غنى عن كل ما عداه، وهو مالك الملك ولا قدرة لأحد سواه :
( وما كان اللّه ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، إن اللّه بكل شيء عليم )،
( إن اللّه له ملك السماوات والأرض، يحيي ويميت، وما لكم من دون اللّه من ولي ولا نصير ).
ولما كانت هذه طبيعة تلك البيعة ؛ فقد كان التردد والتخلف عن الغزوة في سبيل اللّه أمراً عظيماً، تجاوز اللّه عنه لمن علم من نواياهم الصدق والعزم بعد التردد والتخلف ؛ فتاب عليهم رحمة منه وفضلاً :
( لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ؛ ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم ).
( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه ؛ ثم تاب عليهم ليتوبوا، إن اللّه هو التواب الرحيم ).
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )
ومن ثم بيان محدد لتكاليف البيعة في أعناق أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ؛ أولئك القريبون من رسول اللّه - [ ص ] - الذين يؤلفون القاعدة الإسلامية، ومركز الانطلاق الإسلامي ؛ واستنكار لما وقع منهم من تخلف ؛ مع بيان ثمن الصفقة في كل خطوة وكل حركة في تكاليف البيعة :
( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول اللّه ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه. ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل اللّه، ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح، إن اللّه لا يضيع أجر المحسنين )،
( ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم، ليجزيهم اللّه أحسن ما كانوا يعملون )
ومع هذا التحضيض العميق على النفرة للجهاد بيان لحدود التكليف بالنفير العام. وقد اتسعت الرقعة وكثر العدد، وأصبح في الإمكان أن ينفر البعض ليقاتل ويتفقه في الدين ؛ ويبقى البعض للقيام بحاجيات المجتمع كله من توفير للأزواد ومن عمارة للأرض، ثم تتلاقى الجهود في نهاية المطاف :
( وما كان المؤمنون لينفروا كافة. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، لعلهم يحذرون ! )
وفي الآية التالية تحديد لطريق الحركة الجهادية - بعدما أصبحت الجزيرة العربية بجملتها قاعدة للإسلام ونقطة لانطلاقه - وأصبح الخط يتجه إلى قتال المشركين كافة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للّه.. وقتال أهل الكتاب كافة كذلك حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون :
( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار، وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن اللّه مع المتقين )..
وعقب هذا البيان المفصل لبيان طبيعة البيعة ومقتضياتها وتكاليفها وخطها الحركي.. يعرض السياق مشهداً من صفحتين تصوران موقف المنافقين وموقف المؤمنين من هذا القرآن وهو يتنزل بموحيات الإيمان القلبية، وبالتكاليف والواجبات العملية. ويندد بالمنافقين الذين لا تهديهم التوجيهات والآيات، ولا تعظهم النذر والابتلاءات :
( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول : أيكم زادته هذه إيماناً ؛ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون ).
( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ).
( أو لا يرون أنهم يُفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ؟ )
( وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض : هل يراكم من أحد ؟ ثم انصرفوا. صرف اللّه قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون )..
ويختم الدرس وتختم معه السورة بآيتين تصوران طبيعة رسول اللّه - [ ص ] - وحرصه على المؤمنين ورأفته بهم ورحمته. مع توجيهه - [ ص ] - إلى الاعتماد على اللّه وحده، والاستغناء عن المعرضين الذين لا يهتدون :
( لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم. فإن تولوا فقل حسبي اللّه لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم )
ولعله من خلال هذا العرض الإجمالي لمحتويات هذا المقطع الأخير في السورة يتجلى مدى التركيز على الجهاد ؛ وعلى المفاصلة الكاملة على أساس العقيدة ؛ وعلى الانطلاق بهذا الدين في الأرض - وفقاً للبيعة على النفس والمال بالجنة للقتل والقتال - لتقرير حدود اللّه والمحافظة عليها ؛ أي لتقرير حاكمية اللّه للعباد، ومطاردة كل حاكمية مغتصبة معتدية !
ولعله من خلال هذا العرض الإجمالي لهذه الحقيقة كذلك يتجلى مدى التهافت والهزيمة التي تسيطر على شراح آيات اللّه وشريعة اللّه في هذا الزمان ؛ وهم يحاولون جاهدين أن يحصروا الجهاد الإسلامي في حدودالدفاع الإقليمي عن " أرض الإسلام " بينما كلمات اللّه - سبحانه - تعلن في غير مواربة عن الزحف المستمر على من يلون " أرض الإسلام " هذه من الكفار ؛ دون ذكر لأنهم معتدون ! فالاعتداء الأساسي متمثل في اعتدائهم على ألوهية اللّه - سبحانه - بتعبيد أنفسهم وتعبيد العباد لغير اللّه. وهذا الاعتداء هو الذي يقتضي جهادهم ما استطاع المسلمون الجهاد !
وحسبنا هذه الإشارة في هذا التقديم المجمل للدرس الأخير، لنواجه نصوصه بالتفصيل.
ويبدو أن تنزل القرآن في هذه السورة بالنكير على المتخلفين ؛ والتنديد بالتخلف وبخاصة من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ؛ قد جعل الناس يتزاحمون في المدينة ليكونوا رهن إشارة رسول اللّه - [ ص ] - وبخاصة من القبائل المحيطة بالمدينة. مما اقتضى بيان حدود النفير العام - في الوقت المناسب للبيان من الناحية الواقعية - فقد اتسعت رقعة الأرض الإسلامية حتى كادت الجزيرة كلها تدين للإسلام، وكثر عدد الرجال المستعدين للجهاد، وقد بلغ من عددهم - بعد تخلف المتخلفين في تبوك - نحواً من ثلاثين ألفاً، الأمر الذي لم يتهيأ من قبل في غزوة من غزوات المسلمين. وقد آن أن تتوزع الجهود في الجهاد وفي عمارة الأرض وفي التجارة وفي غيرها من شؤون الحياة التي تقوم بها أمة ناشئة ؛ وهي تختلف عن مطالب القبيلة الساذجة، وعن حاجات المجتمع القبلي الأولية.. ونزلت الآية التالية تبين هذه الحدود في جلاء :
( وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون )..
ولقد وردت روايات متعددة في تفسير هذه الآية، وتحديد الفرقة التي تتفقه في الدين وتنذر قومها إذا رجعت إليهم.. والذي يستقيم عندنا في تفسير الآية : أن المؤمنين لا ينفرون كافة. ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة - على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون - لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة ؛ وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم، بما رأته وما فقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة.
والوجه في هذا الذي ذهبنا إليه - وله أصل من تأويل ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ومن تفسير الحسن البصري، واختيار ابن جرير، وقول لابن كثير - أن هذا الدين منهج حركي، لا يفقهه إلا من يتحرك به ؛ فالذين يخرجون للجهاد به هم أولى الناس بفقهه ؛ بما يتكشف لهم من أسراره ومعانيه ؛ وبما يتجلى لهم من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به. أما الذين يقعدون فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممن تحركوا، لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا ؛ ولا فقهوا فقههم ؛ ولا وصلوا من أسرار هذا الدين إلى ما وصل إليه المتحركون وبخاصة إذا كان الخروج مع رسول اللّه - [ ص ] - والخروج بصفة عامة أدنى إلى الفهم والتفقه.
ولعل هذا عكس ما يتبادر إلى الذهن، من أن المتخلفين عن الغزو والجهاد والحركة، هم الذين يتفرغون للتفقه في الدين ! ولكن هذا وهم، لا يتفق مع طبيعة هذا الدين.. إن الحركة هي قوام هذا الدين ؛ ومن ثم لا يفقهه إلا الذين يتحركون به، ويجاهدون لتقريره في واقع الناس، وتغليبه على الجاهلية، بالحركة العملية.
والتجارب تجزم بأن الذين لا يندمجون في الحركة بهذا الدين لا يفقهونه ؛ مهما تفرغوا لدراسته في الكتب - دراسة باردة ! - وأن اللمحات الكاشفة في هذا الدين إنما تتجلى للمتحركين به حركة جهادية لتقريره في حياة الناس ؛ ولا تتجلى للمستغرقين في الكتب العاكفين على الأوراق !
إن فقه هذا الدين لا ينبثق إلا في أرض الحركة. ولا يؤخذ عن فقيه قاعد حيث تجب الحركة. والذين يعكفون على الكتب والأوراق في هذا الزمان لكي يستنبطوا منها أحكاماً فقهية " يجددون " بها الفقه الإسلامي أو " يطورونه " - كما يقول المستشرقون من الصليبيين ! - وهم بعيدون عن الحركة التي تستهدف تحرير الناس من العبودية للعباد، وردهم إلى العبودية للّه وحده، بتحكيم شريعة اللّه وحدها وطرد شرائع الطواغيت.. هؤلاء لا يفقهون طبيعة هذا الدين ؛ ومن ثم لا يحسنون صياغة فقه هذا الدين !
إن الفقه الإسلامي وليد الحركة الإسلامية.. فقد وجد الدين أولاً ثم وجد الفقه. وليس العكس هو الصحيح.. وجدت الدينونة للّه وحده، ووجد المجتمع الذي قرر أن تكون الدينونة فيه للّه وحده.. والذي نبذ شرائع الجاهلية وعاداتها وتقاليدها ؛ والذي رفض أن تكون شرائع البشر هي التي تحكم أي جانب من جوانب الحياة فيه.. ثم أخذ هذا المجتمع يزاول الحياة فعلاً وفق المبادئ الكلية في الشريعة - إلى جانب الأحكام الفرعية التي وردت في أصل الشريعة - وفي أثناء مزاولته للحياة الفعلية في ظل الدينونة للّه وحده، واستيحاء شريعته وحدها، تحقيقاً لهذه الدينونة، جدت له أقضية فرعية بتجدد الحالات الواقعية في حياته.. وهنا فقط بدأ استنباط الأحكام الفقهية، وبدأ نمو الفقه الإسلامي.. الحركة بهذا الدين هي التي أنشأت ذلك الفقه، والحركة بهذا الدين هي التي حققت نموه. ولم يكن قط فقها مستنبطاً من الأوراق الباردة، بعيداً عن حرارة الحياة الواقعة !.. من أجل ذلك كان الفقهاء متفقهين في الدين، يجيء فقههم للدين من تحركهم به، ومن تحركه مع الحياة الواقعة لمجتمع مسلم حي، يعيش بهذا الدين، ويجاهد في سبيله، ويتعامل بهذا الفقه الناشئ بسبب حركة الحياة الواقعة.
فأما اليوم.. " فماذا ".. ؟ أين هو المجتمع المسلم الذي قرر أن تكون دينونته للّه وحده ؛ والذي رفض بالفعل الدينونة لأحد من العبيد ؛ والذي قرر أن تكون شريعة اللّه شريعته ؛ والذي رفض بالفعل شرعية أي تشريع لا يجيء من هذا المصدر الشرعي الوحيد ؟
لا أحد يملك أن يزعم أن هذا المجتمع المسلم قائم موجود ! ومن ثم لا يتجه مسلم يعرف الإسلام ويفقه منهجه وتاريخه، إلى محاولة تنمية الفقه الإسلامي أو " تجديده " أو " تطويره ! " في ظل مجتمعات لا تعترف ابتداء بأن هذا الفقه هو شريعتها الوحيدة التي بها تعيش. ولكن المسلم الجاد يتجه ابتداء لتحقيق الدينونة للّه وحده ؛ وتقرير مبدأ أن لا حاكمية إلا للّه، وأن لا تشريع ولا تقنين إلا مستمداً من شريعته وحدها تحقيقاً لتلك الدينونة إنه هزل فارغ لا يليق بجدية هذا الدين أن يشغل ناس أنفسهم بتنمية الفقه الإسلامي أو " تجديده " أوتطويره في مجتمع لا يتعامل بهذا الفقه ولا يقيم عليه حياته. كما أنه جهل فاضح بطبيعة هذا الدين أن يفهم أحد أنه يستطيع التفقه في هذا الدين وهو قاعد، يتعامل مع الكتب والأوراق الباردة، ويستنبط الفقه من قوالب الفقه الجامدة !.. إن الفقه لا يستنبط من الشريعة إلا في مجرى الحياة الدافق ؛ وإلا مع الحركة بهذا الدين في عالم الواقع.
إن الدينونة للّه وحده أنشأت المجتمع المسلم ؛ والمجتمع المسلم أنشأ " الفقه الإسلامي ".. ولا بد من هذا الترتيب.. لا بد أن يوجد مجتمع مسلم ناشى ء من الدينونة لله وحده، مصمم على تنفيذ شريعته وحدها. ثم بعد ذلك - لا قبله - ينشأ فقه إسلامي مفصل على قد المجتمع الذي ينشأ، وليس " جاهزا " معدا من قبل ! ذلك أن كل حكم فقهي هو - بطبيعته - تطبيق للشريعة الكلية على حالة واقعة، ذات حجم معين، وشكل معين، وملابسات معينة. وهذه الحالات تنشئها حركة الحياة، داخل الإطار الإسلامي لا بعيدا عنه، وتحدد حجمها وشكلها وملابساتها ؛ ومن ثم " يفصل " لها حكم مباشر على " قدها ".. فأما تلك الأحكام " الجاهزة " في بطون الكتب ؛ فقد " فصلت " من قبل لحالات معينة في أثناء جريان الحياة الإسلامية على أساس تحكيم شريعة الله فعلا. ولم تكن وقتها " جاهزة " باردة ! كانت وقتها حية مليئة بالحيوية ؛ وعلينا اليوم أن " نفصل " مثلها للحالات الجديدة.. ولكن قبل ذلك يجب أن يوجد المجتمع الذي يقرر ألا يدين لغير اللّه في شرائعه ؛ وألا يفصل حكما شرعيا إلا من شريعة الله دون سواها.
وفي هذا يكون الجهد الجاد المثمر، اللائق بجدية هذا الدين. وفي هذا يكون الجهاد الذي يفتح البصائر ؛ ويمكن من التفقه في الدين حقا.. وغير هذا لا يكون إلا هزلا ترفضه طبيعة هذا الدين ؛ وإلا هروبا من واجب الجهاد الحقيقي تحت التستر بستار " تجديد الفقه الإسلامي " أو " تطويره " !.. هروب خير منه الاعتراف بالضعف والتقصير ؛ وطلب المغفرة من الله على التخلف والقعود مع المتخلفين القاعدين !

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير