ﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

تضعفهم عن السير فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً أي لا يدوسون مكانا يَغِيظُ الْكُفَّارَ أي الذين هم أعداء الله. وإغضاب العدوّ يفيد رضا عدوّه وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا أي قتلا أو هزيمة أو أسرا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي على إحسانهم. وهو تعليل ل كُتِبَ، وتنبيه على أن تحمل المشاق إحسان، لأن القصد به إعلاء كلمة الله تعالى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (٩) : آية ١٢١]
وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)
وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً أي لا يشق مثلها وَلا كَبِيرَةً مثل ما أنفق عثمان رضي الله عنه في غزوة تبوك، وهو ألف دينار وثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً في مسيرهم، وهو كل منفرج ينفذ فيه السيل. اسم فاعل من (ودى) إذا سال، فهو السيل نفسه، ثم شاع في محله، ثم صار حقيقة في مطلق الأرض، وجمعه (أودية) كناد، بمجلس، جمعه (أندية)، وناج جمعه (أنجية) ولا رابع لها في كلام العرب إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ أي أثبت لهم به عمل صالح لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي ليجزيهم على كل عمل لهم، كامل أو قاصر، جزاء أحسن أعمالهم. أي فإذا مالوا بأنفسهم فاتهم ذلك، وكانت المؤاخذة عليهم أشد.
ولما بين تعالى، فيما تقدم، خطر التخلف عن الرسول في الجهاد، وشدّد الوعيد على المتخلفين التاركين للنفير، دفع ما يتوهم من وجوب النفر على الجميع، وفيه ما فيه من الحرج، والإخلال بأمر المعاش، بأن وجوبه كفائي، فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة التوبة (٩) : آية ١٢٢]
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً أي ما صح لهم ذلك ولا استقام، بحيث تخلو بلدانهم عن الناس فَلَوْلا نَفَرَ أي فحين لم يمكن نفير الكافة، ولم يكن مصلحة، فهلا نفر مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ أي من كل جماعة كثيرة، جماعة قليلة

صفحة رقم 528

منهم يكفونهم النفير لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ أي ليتعلموا أمر الدين من النبي صلّى الله عليه وسلّم وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ أي يعلموهم ويخبروهم ما أمروا به، وما نهوا عنه إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ أي من غزوتهم لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ أي فيصلحون أعمالهم.
تنبيهات:
الأول- قال السيوطي في (الإكليل) : في الآية أن الجهاد فرض كفاية، وأن التفقه في الدين، ونشر العلم، وتعليم الجاهلين كذلك. وفيها الرحلة في طلب العلم. واستدل بها قوم على قبول خبر الواحد، لأن الطائفة نفر يسير، بل قال مجاهد: إنها تطلق على الواحد. انتهى.
وقال الجصّاص في (الأحكام) : في الآية دلالة على لزوم خبر الواحد في الديانات التي لا تلزم العامة، ولا تعمّ الحاجة إليها، وذلك لأن الطائفة لما كانت مأمورة بالإنذار انتظم فحوى الدلالة عليه من وجهين:
أحدهما- أن الإنذار يقتضي فعل المأمور به، وإلا لم يكن إنذارا.
والثاني- أمره إيانا بالحذر عند إنذار الطائفة، لأن معنى قوله: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ليحذروا. وذلك يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد، لأن الطائفة تقع على الواحد، فدلالتها ظاهرة. انتهى.
وفي القاموس: أن الطائفة من الشيء القطعة منه، أو الواحدة، فصاعدا، أو إلى الألف، أو أقلها رجلان، أو رجل. فيكون بمعنى (النفس الطائفة).
قال الراغب: إذا أريد بالطائفة الجمع، فجمع (طائف) وإذا أريد به الواحد، فيصح أن يكون جمعا، وكني به عن الواحد، وأن يجعل ك (رواية) و (علّامة) ونحو ذلك.
الثاني- إن قيل: كان الظاهر في الآية (ليتفقهوا في الدين وليعلموا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يفقهون) فلم وضع موضع (التعليم) الإنذار، وموضع (يفقهون) يحذرون؟ يجاب. بأن ذلك آذن بالغرض منه، وهو اكتساب خشية الله، والحذر من بأسه.
قال الغزالي رحمه الله: كان اسم الفقه في العصر الأول، اسما لعلم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، ومفسدة الأعمال، والإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب. ويدل عليه هذه الآية. كذا في (العناية).

صفحة رقم 529

محاسن التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي

تحقيق

محمد باسل عيون السود

الناشر دار الكتب العلميه - بيروت
سنة النشر 1418
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية