ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰ

اتخذوا أحبارَهم أي : علماءَهم ورهبانَهم ؛ عُبَّادَهم أرباباً من دون الله ؛ بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، وفي السجود لهم، والمسيحَ ابنَ مريمَ ؛ بأن جعلوه ابن الله، وما أمروا إلا ليعبدوا إِلهاً واحداً وهو الله الواحد الحق، وأما طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام وسائر من أمر بطاعته، فهو في الحقيقة طاعة الله، لا إله إلا هو ؛ تقرير للتوحيد، سبحانه عما يشركون ؛ تنزيهاً له عن أن يكون معه شريك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : من انطمس نور بصيرته نسب لله ما لا يليق بكمالاته، ومن لم تنهضه سوابق العناية وقف مع الوسائط ولم ينفذ إلى شهود الموسوط، وقد عيَّر الله قوماً وقفوا مع الوسائط فقال : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ، وقال، في شأن الواسطة العظمى ؛ غيرةً على القلوب أن تقف مع غيره : ليسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيء [ آل عمران : ١٢٨ ]، إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ [ هود : ١٢ ]، ودخل بعض العارفين على إنسان وهو يبكي، فقال : وما يبكيك ؟ فقال له : مات أستاذي، فقال له ذلك العارف : ولم جعلت أستاذك من يموت ؟.
فالوسائط ؛ كالأنبياء والأولياء، إنما هم مُوَصِّلونَ إلى الله، دالون عليه، فمن وقف معهم ولم ينفذ إلى الله فقد اتخذه رباً عند الخواص.
وقال الورتجبي على هذه الآية : عيَّر الحق تعالى من بقي في رؤية المقتدَى به دون رؤية الحق، وإن كان وسيلة منه، فإن في إفراد القدم من الحدوث، النظر إلى الوسائط، وهو شرك، وتصديق ذلك تمام الآية ؛ وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً . غَيرهُ الوحدانية ما أبقت في البَيْن غيراً من الشواهد والآيات وجميع الخلق. قال الله تعالى : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرهُم [ الأنعام : ٩١ ]. ولما رأى صلى الله عليه وسلم غيرة القدم على شأن استهلاك الغير زجر من مدحه وتجاوز في المدح فقال :" لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ".
ثم قال الورتجبي : قال بعضهم في هذه الآية : سكنوا إلى أمثالهم، فطلبوا الحق من غير مظانه، وطُرق الحق واضحة لمن كحل بنور التوفيق، وبصر سبل التحقيق، ومن أعمي عن ذلك كان مردوداً عن طريق الحق إلى طرق الضالين من الخلق، وقد وقع أنهم معيرون وموبخون بقلة عرفانهم أهل الحقائق، وركونهم إلى أهل التقليد، وسقطوا عن منازل أهل التوحيد في التفريد، وهكذا شأن من اقتدى بالزواقين من أهل السالوس المتزينين بزي المشايخ والعارفين المتحققين، وتخلفَ خلفَ الجامعين للدنيا، الذين يقولون : نحن أبناء المشايخ ونحن رؤساء الطريقة، يُضْحك اللهُ الدهرَ من جهلهم حيث علموا أن الولاية بالنسب، حاشا أن من لم يُذق طعمِ وِصال الله، وقلبُه معلق بغير الله، هو من أولياء الله.
قال الجنيد : إذا أراد الله بالمريد خيراً هداه إلى صحبة الصوفية، ووقاه من صحبة القراء. ولو اشتغلوا بشأنهم وجمع دنياهم، ولم يتعرضوا لأولياء الله، ولم يقصدوا إسقاط جاههم، لكفيهم شقاوتهم، لاسيما ويطعنون على الصديقين العارفين. قال الله في شأنهم : يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، كيف تطفأ بتراب حسبانهم أنوارُ شموس الصفات، التي من جباه وجوههم، ولئالئ خدودهم، وأصلها ثابت في أفلاك الوحدانية وسماوات القيومية، ويزيد نورهم على نور ؛ لأنه تعالى بلا نهاية ولا منتهى لصفاته.
قوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق : إن الله سبحانه سن سنة أزلية : ألا يجد أحدٌ سبيله إلا من يقُيض له أستاذاً عارفاً بالله، وبسِّر دينه وربوبيته، فيدله إلى منهاج عبوديته، ومعارج روحه وقلبه، إلى مشاهدة ربوبيته، ويكون هو واسطة بينه وبين الله، وإن كان الفضل بيد الله، يؤتيه من يشاء بغير علة ولا سبب، جعله واسطة للتأديب لا للتقريب، وصيره شفيعاً للجنايات، لا شريكاً في الهدايات، هداه نور القرآن، وبيّنه حقيقة البيان، مع إظهار البرهان. قيل : جعل الله الوسائط طريقاً لعباده إليه، وبعثهم أعلاماً على الطرق ونوراً يهتدى بهم، وعرفهم سبل الحق وحقيقة الدين، قال الله تعالى : أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ، انتهى كلامه.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير