قال الله تعالى :
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون [ التوبة : ٣١ ].
وفيها مسألة واحدة، وهي :
[ ٣٩ ] هل الشرك والكفر بمعنى واحد ؟
قال ابن حزم :
( قال أبو محمد رضي الله عنه :
واختلف الناس في الكفر والشرك، فقالت طائفة : هما اسمان واقعان على معنيين وأن كل شرك كفر، وليس كل كفر شركا، وقال هؤلاء : لا شرك إلا قول من جعل لله شريكا. قال هؤلاء : واليهود والنصارى كفار لا مشركون، وسائر الملل كفار مشركون، وهو قول أبي حنيفة وغيره.
وقال آخرون : الكفر والشرك سواء، وكل كافر فهو مشرك، وكل مشرك فهو كافر، وهو قول الشافعي وغيره.
قال أبو محمد رضي الله عنه : واحتجت الطائفة الأولى بقول الله عز وجل : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين [ البينة : ١ ].
قالوا : ففرق الله تعالى بين والمشركين. وقالوا : لفظة الشرك مأخوذة من الشريك، فمن لم يجعل لله تعالى شريكا، فليس مشركا.
قال أبو محمد رضي الله عنه : هذه عمدة حجتهم، ما نعلم لهم حجة غير هاتين.
قال أبو محمد رضي الله عنه : أما احتجاجهم بقول الله عز وجل : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين [ البينة : ١ ].
فلم لم يأت في هذا المعنى، غير هذه الآية، لكانت حجتهم ظاهرة. لكن الذي أنزل هذه الآية هو القائل : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا .
وقال تعالى : يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله [ المائدة : ١١٦ ].
وقال تعالى عنهم أنهم قالوا : إن الله ثالث ثلاثة [ المائدة : ٧٣ ].
وهذا كله تشريك ظاهر لا خفاء فيه، فإذ قد صح الشرك والتشريك في القرآن من اليهود والنصارى ؛ فقد صح أنهم مشركون، وأن الشرك والكفر : اسمان لمعنى واحد. وقد قلنا : إن التسمية لله عز وجل لا لنا، فإذ ذلك كذلك ؛ فقد صح أن قوله تعالى : الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين كقوله تعالى : إن الله جامع المنافقيه والكافرين في جهنم جميعا [ النساء : ١٤ ].
ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن المنافقين كفار، كقوله تعالى : من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين [ البقرة : ٩٨ ].
ولا خلاف في أن جبريل وميكائيل من جملة الملائكة.
وكقوله تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان [ الرحمن : ٦٨ ].
والرمان : الرمان من الفاكهة، والقرآن نزل بلغة العرب، والعرب تعيد الشيء باسمه، وإن كانت قد أجملت ذكره، تأكيدا لأمره. فبطل تعلق من تعلق بتفريق الله تعالى بين الكفار والمشركين في اللفظ. وبالله تعالى التوفيق.
وأما احتجاجهم بأن لفظ الشرك، مأخوذ من الشريك، فقد قلنا : إن التسمية لله عز وجل، لا لأحد دونه، وله تعالى أن يوقع أي اسم شاء على أي مسمى شاء. برهان ذلك أن من أشرك بين عبدين له في عمل ما، أو بين اثنين في هبة وهبها لهما، فإنه لا يطلق عليه اسم مشرك، ولا يحل أن يقال : إن فلانا أشرك، ولا أن عمله شرك، فصح أنها لفظة منقولة أيضا عن موضوعها في اللغة، كما أن الكفر لفظة منقولة أيضا عن موضوعها في اللغة، إلى ما أوقعها الله تعالى عليه، والتعجب من أهل هذه المقالة، وقولهم أن النصارى ليسوا مشركين، وشركهم أظهر وأشهر من أن يجهله أحد، لأنهم يقولون كلهم بعبادة الأب، والابن، وروح القدس، وأن المسيح إله حق، ثم يجعلون البراهمة مشركين، وهم لا يقرون إلا بالله وحده، ولقد كان يلزم أهل هذه المقالة أن لا يجعلوا كافرا إلا من جحد الله تعالى فقط )(١).
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري