وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( ٣٠ ) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( ٣١ ) يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( ٣٢ ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( التوبة : ٣٠-٣٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السابقة أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح- قفّى على ذلك بشرح ذلك المجمل في هذه الآيات، فنقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا، وهذا بمنزلة الشرك بالله فإن طرق الشرك مختلفة، وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا يحرّمون ويحللون، وأنهم يسعون في إبطال الإسلام وإخفاء الدلائل الدالة على صدق رسوله وصحة دينه.
تفسير المفردات :
والأحبار : واحدهم حبر بالفتح والكسر وهو العالم من أهل الكتاب، والرهبان : واحدهم راهب، وهو لغة الخائف وعند النصارى هو المتبتل المنقطع للعبادة.
الإيضاح :
ثم فصل قوله قبل يضاهئون قول الذين كفروا من قبل بقوله :
اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم أي اتخذ كل من اليهود والنصارى رؤساء الدين فيهم أربابا، فاليهود اتخذوا أحبارهم وهم علماء الدين أربابا بما أعطوهم من حق التشريع فيهم وإطاعتهم فيه، والنصارى اتخذوا قساوستهم ورهبانهم : أي عبّادهم الذين يخضع لهم العوام أربابا كذلك.
والرهبان عند النصارى أدنى طبقات رجال الدين، فاتخاذهم أربابا يقتضي بالأولى أن يتخذوا من فوقهم من الأساقفة والمطارنة والبطاركة، إذ الرهبان يخضعون لتشريع هؤلاء الرؤساء مدونا كان أو غير مدون، والعوام يخضعون لتشريع الرهبان ولو غير مدون، سواء قالوه تبعا لمن فوقهم أو من تلقاء أنفسهم لثقتهم بدينهم.
وانفرد النصارى باتخاذهم المسيح ربا وإلها يعبدونه، ومنهم من يعبد أمه عبادة حقيقية ويصرحون بذلك، وجميع الكاثوليك والأرثوذكس يعبدون تلاميذه ورسله وغيرهم من القديسين في عرفهم، ويتوسلون بهم، ويتخذون لهم الصور والتماثيل في كنائسهم، ولكنهم لا يسمون هذا عبادة.
واليهود لم يقتصروا دينهم على أحكام التوراة، بل أضافوا إليها من الشرائع ما سمعوه من رؤسائهم من قبل أن يدوّنوه في المَشْنة والتُلْمود ثم دونوه فكان هو الشرع العام وعليه العمل عندهم.
والنصارى غير رؤساؤهم جميع أحكام التوراة الدينية والدنيوية واستبدلوا بها شرائع أخرى في العبادات والمعاملات جميعا، وزادوا حق مغفرة الذنوب لمن شاءوا وحرمان من شاءوا من رحمة الله وملكوته، والله يقول : ومن يغفر الذنوب إلى الله ( آل عمران : ١٣٥ ) وزادوا القول بعصمة البابا في تفسير الكتب الإلهية، ووجوب طاعته في كل ما يأمر به من الطاعات، وينهى عنه من المحرمات.
روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير عن عديّ بن حاتم رضي الله عنه أنه لما بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فرّ إلى الشام وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قوم ثم منّ رسول الله عليها وأعطاها فرجعت إلى أخيها ورغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عدي المدينة وكان رئيسا في قومه طيء وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قال فقلت : إنهم لم يعبدوهم فقال :( بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا عديّ ما تقول ؟ أيضرك أن يقال الله أكبر ؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله ؛ ما يضرك ؟ أيضرك أن يقال لا إله إلا الله ؟ فهل تعلم إلها غير الله ؟ ) ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق فقال فلقد رأيت وجهه استبشر، ثم قال :( إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ).
وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا أي اتخذوا رؤساءهم أربابا من دون الله، والربوبية تستلزم الألوهية، إذ الرب هو الذي يجب أن يعبد وحده، والحال : أنهم ما أمروا على لسان موسى وعيسى ومن اتبعهما فيما جاءا به من عند الله، إلا أن يعبدوا ويطيعوا في الدين إلها واحدا بما شرعه لهم وهو ربهم ورب كل شيء ومليكه.
ثم علل الأمر بعبادة إله واحد فقال :
لا إله إلا هو أي لا إله غيره في حكم الشرع وفي نظر العقل، وإنما اتخذ المشركون آلهة من دونه بالرأي والهوى جهلا بصفات الألوهية، إذ ظنوا أن لبعض المخلوقات سلطانا غيبيا وقدرة على الضر والنفع من غير طريق الأسباب المسخرة للخلق مثل ما لله إما بالذات وإما بالوساطة والشفاعة لديه.
سبحانه عما يشركون أي تنزيها له عن شركهم في ألوهيته بدعاء غيره معه أو من دونه، وفي ربوبيته بطاعة الرؤساء في التشريع الديني بدون إذنه.
وأمره تعالى بعبادته وحده على لسان موسى عليه السلام جاء في مواضع من التوراة، منها أول الوصايا العشر التي جاءت في سفر الخروج : أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورا مما في السماء من فوق ولا مما في الأرض من تحت، ولا مما في الماء تحت الأرض، لا تسجد لهن، ولا تعبدهن، لأني أنا الرب إلهك له غيور الخ.
وأمره بعبادته وعلى لسان عيسى كثيرا أيضا، من ذلك ما رواه يوحنا في إنجيله : وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته.
تفسير المراغي
المراغي