ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين( ٣٦ ) إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زُين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين( ٣٧ )
هاتان الآيتان عود إلى الكلام في أحوال المشركين وما يشرع من معاملتهم بعد الفتح، وسقوط عصبية الشرك، وكان الكلام في قتال أهل الكتاب وما يجب أن ينتهي به من إعطاء الجزية من قبيل الاستطراد، اقتضاه ما ذكر قبله من أحكام قتال المشركين ومعاملتهم. وقد ختم الكلام في أهل الكتاب ببيان حال كثير من رجال الدين الذين أفسدت عليهم دينهم المطامع المالية، التي هي وسيلة العظمة الدنيوية، والشهوات الحيوانية، وإنذار من كانت هذه حالهم بالعذاب الشديد يوم القيامة، وجعل هذا الإنذار موجها إلينا وإليهم جميعاً. ومن ثم كان التناسب بين الكلام فيما يشترك فيه المسلمون مع أهل الكتاب من الوعيد على أكل أموال الناس بالباطل وكنز النقدين، إلى ما يجب أن يخالفوا فيه المشركين من إبطال النسيء ومن أحكام القتال تناسبا ظاهرا قويا، وهنالك مناسبة دقيقة بين حساب الشهور القمرية عند العرب وحساب الشهور الشمسية عند أهل الكتاب، وإن لم يصرح فيه بمخالفتهم في حسابهم.
قال تعالى : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض المراد الشهور التي تتألف منها السنة القمرية، وواحدها شهر، وهو اسم للهلال أو القمر من مادة الشهرة، ثم سميت به الأيام من أول ظهور الهلال إلى سراره، ومبلغ عدتها اثنا عشر شهرا فيما كتبه الله، وأثبته من نظام سير القمر وتقدير منازل خلق السموات والأرض على هذا الوضع المعروف لنا من ليل ونهار إلى الآن، والمراد بيوم خلق السموات والأرض الوقت الذي خلقهما فيه باعتبار تمامه ونهايته في جملته، وهو ستة أيام من أيام التكوين باعتبار تفصيله وخلق كل منهما وما فيهما.
فالكتاب يطلق على نظام الخلق والتقدير والسنن الإلهية فيه ؛ لأنه ثابت كالشيء المكتوب المحفوظ الذي لا ينسى، أو لأنه تعالى كتب كل نظام في خلقه في كتاب عنده في عالم الغيب يسمى اللوح المحفوظ، وقد فسر به الكتاب هنا. قال تعالى حكاية عن موسى في جوابه لفرعون على سؤاله عن القرون الخالية : قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى [ طه : ٥٢ ]، وقال : لكل أجل كتاب [ الرعد : ٣٨ ]، وقال : كتب في قلوبهم الإيمان [ المجادلة : ٢٢ ]، وقال : ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء ، وهذا كله بمعنى النظام الإلهي القدري، وتقدم بحث كتابة المقادير في تفسير سورة الأنعام، وقيل : إن المراد بكتاب الله هنا حكمه التشريعي، لا نظامه التقديري، ومنه حرمة الأشهر الحرم، وكون الحج أشهرا معلومات.
ومن أحكام كتاب الله التشريعية أن كل ما يتعلق بحساب الشهور والسنين كالصيام والحج وعدة المطلقات والرضاع فالمعتبر فيه الأشهر القمرية. وحكمته العامة أنها يمكن العلم بها بالرؤية البصرية للأميين والمتعلمين في البدو والحضر على سواء، فلا تتوقف على وجود الرياسات الدينية ولا الدنيوية ولا تحكم الرؤساء. ومن حكمة شهر الصيام وأشهر الحج أنها تدور في جميع الفصول فتؤدى العبادة بهذا الدوران في كل أجزاء السنة، فمن صام رمضان في ثلاثين سنة يكون قد صام لله في كل أجزاء السنة، ومنها ما يشق الصيام فيه وما يسهل. وكذلك تكرار الحج، وفيه حكمة أخرى في شأن الذين يسافرون له في جميع أقطار الأرض التي تختلف فصولها وأيام الحر والبرد فيها. وإطلاق «الكتاب » بهذا المعنى معروف، ومنه قوله تعالى بعد سرد محرمات النكاح كتاب الله عليكم [ النساء : ٢٤ ]، ولكن ذكر خلق السموات والأرض أشد مناسبة للأول، ويناسب الثاني قوله :
منها أربعة حرم واحدها حرام «كسحب جمع سحاب »، وهو من الحرمة، فإن الله تعالى كتب وفرض احترام هذه الأشهر وتعظيمها، وحرم القتال فيها على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ونقلت العرب ذلك عنهما بالتواتر القولي والعملي، ولكنها أخلت بالعمل اتباعاً لأهوائها كما يأتي بيانه في الكلام على النسيء في الآية التالية وهو الغاية لما في هذه الآية. وهذه الأشهر ثلاثة منها سرد وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب. وحكمة تحريم القتال فيها وتعظيمها ستأتي.
ذلك الدين القيم الإشارة في قوله : ذلك لعدة الشهور وتقسيمها إلى حرم وغيرها وعدد الحرم منها، وقيل لما تضمنه من تحريمها. والدين القيم هو الصحيح المستقيم الذي لا عوج فيه. والمعنى أن ذلك هو الحق الذي يدان الله تعالى به دون النسيء، وفسر البغوي الدين القيم هنا بالحساب المستقيم. وقال الجمهور : معناه ذلك الشرع الصحيح المستقيم الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل في الحج وغيره مما يتعلق بالأشهر من الأحكام.
فلا تظلموا فيهن أنفسكم الضمير في «فيهن » للأربعة الحرم عند الجمهور، وقيل لجميع الشهور، وظلم النفس يشمل كل محظور، ويدخل فيه هتك حرمة الشهر الحرام دخولاً أولياً، فإن الله تعالى اختص بعض الأزمنة وبعض الأمكنة بأحكام من العبادات تستلزم ترك المحرمات فيها والمكروهات بالأولى، لأجل تنشيط الأنفس على زيادة العناية بما يزكيها ويرفع شأنها، فإن من طبع البشر الملل والسآمة من الاستمرار على حالة واحدة تشق عليها، فجعل الله العبادات الدائمة خفيفة لا مشقة في أدائها كالصلوات الخمس، فإن أدنى ما تصح به صلاة الفريضة لا يتجاوز خمس دقائق للرباعية منها وهي أطولها وما زاد فهو كمال، وخص يوم الجمعة في الأسبوع بوجوب الاجتماع العام لصلاة ركعتين وسماع خطبتين في التذكير، والموعظة الحسنة التي تقوي في المؤمنين حب الحق والخير، وكره الباطل والشر، والتعاون على البر والتقوى، وإقامة مصالح الملة والدولة، وخص شهر رمضان بوجوب صيامه في كل سنة، وأياما معدودات من شهر ذي الحجة بأداء مناسك الحج، وجعل ما قبلها من أول ذي العقدة وما بعدها إلى آخر المحرم من الأيام التي يحرم فيها القتال ؛ لأن السفر إلى مشاعر الحج في الحجاز والعودة منها تكون في هذه الأشهر الثلاثة، كما حرم مكة وما حولها في جميع السنة لتأمين الحج والعمرة التي تؤدى في كل وقت، واحترام البيت الذي أضافه إلى نفسه، وشرع فيه من العبادة ما لا يصح في غيره. فكان الرجل يلقى قاتل أبيه في أرض الحرم وفي غيرها من الأشهر الحرم فلا يعرض له بسوء على شدتهم في الثأر، وضراوتهم بسفك الدم، وحرم شهر رجب في وسط السنة لتقليل شرور القتال وتخفيف أوزاره، ولتسهيل السفر لأداء العمرة فيه. ولولا اختصاصه تعالى لما شاء من زمان ومكان بالعبادة فيه لما كان للأزمنة والأمكنة في نفسها مزية في ذلك، وأهواء الناس لا تتفق على زمان ولا مكان فيوكل ذلك إليهم، فلم يبق إلا أن يجعل الله الاختصاص أمرا تعبدياً خالصاً يفعل لمجرد الامتثال والقربة كما ورد في تقبيل الحجر الأسود من قول عمر رضي الله عنه : إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أنني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما قبلتك١.
وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة أي قاتلوهم جميعا كما يقاتلونكم جميعاً، بأن تكونوا في قتالهم إلباَ واحداً لا يختلف فيه ولا يختلف عنه أحد، كما هو شأنهم في قتالكم، وذلك أنهم يقاتلونكم لدينكم لا انتقاما ولا عصبية ولا للكسب كدأبهم في قتال قويهم لضعيفهم، فأنتم أولى بأن تقاتلوهم لشركهم وهم بدؤهم أول مرة [ التوبة : ١٣ ] وهذا لا يقتضي فرضية القتال على كل فرد من الأفراد إلا في حال إعلان الإمام للنفير العام وسيأتي في هذه السورة وما كان المؤمنون لينفروا كافة [ التوبة : ١٢٢ ]، وتقدم الكلام في حكم القتال في الأشهر الحرم في تفسير سورة البقرة.
واعلموا أن الله مع المتقين للظلم والعدوان والفساد في الأرض بالشرك والمعاصي، ولأسباب الخذلان والفشل في القتال كالتنازع وتفرق الكلمة ومخالفة سنن الله تعالى في الاجتماع البشري، وتقدم تفصيل القول في التقوى العامة والخاصة بالقتال في مواضعها من الآيات المناسبة لها، والمعية هنا النصر والمعونة والتوفيق لما فيه المصلحة، والتقوى من أسباب ذلك.
ومن مباحث اللفظ في الآية كلمة«كافة »، لم ترد في التنزيل إلا منكرة منونة في أربعة مواضع : هذه الآية، وقوله تعالى : ادخلوا في السلم كافة [ البقرة : ٢٠٨ ]، وفي أواخر هذه السورة وما كان المؤمنون لينفروا كافة [ التوبة : ١٢٢ ]، وفي سورة سبأ وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا [ سبأ : ٢٨ ]، وقد ظن بعض العلماء أنها لا تستعمل في العربية إلا هكذا وحكم بخطأ من استعملها معرفة باللام أو الإضافة، ورد عليهم آخرون بما نفصله في الحاشية ليقرأه وحده من أراده٢.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: روى الشيخان وغيرهما من حديث أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض : السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان»٣، قال هذا في منى عام حجة الوداع. وله ألفاظ أخرى بزيادة عما هنا. والمراد من استدارة الزمان عودة حساب الشهور إلى ما كان عليه من أول نظام الخلق بعد أن كان قد تغير عند العرب بسبب النسيء في الأشهر.
قال الحافظ في شرحه من الفتح : وكانوا في الجاهلية على أنحاء منهم من يسمي المحرم صفرا فيحل فيه القتال، ويحرم القتال في صفر ويسميه المحرم. ومنهم من كان يجعل سنة هكذا وسنة هكذا. ومنهم من يجعله سنتين هكذا وسنتين هكذا، ومنهم من يؤخر صفر إلى ربيع الأول، وربيعا إلى ما يليه، وهكذا إلى أن يصير شوال ذا القعدة وذو القعدة ذا الحجة، ثم يعود فيعيد العدد على الأصل اهـ. وذكر عن الطبري أنهم كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا، وفي رواية ١٢ شهرا و٢٥ يوما، فالمراد من استدارة الزمان إذا أن الحج قد وقع في تلك السنة في ذي الحجة الذي هو شهره الأصلي بما كان من تنقل الأشهر بالنسيء. ونقل عن الخطابي أنهم كانوا يخالفون بين أشهر السنة بالتحليل والتحريم والتقديم والتأخير لأسباب تعرض لهم : منها استعجال الحرب، فيستحلون الشهر الحرام ثم يحرمون بدله شهرا غيره، فتتحول في ذلك شهور السنة وتتبدل، فإذا أتي على ذلك عدة من السنين استدار الزمان وعاد الأمر إلى أصله، فاتفق وقوع حجة النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك اهـ.
وقال الحافظ في شرحه لألفاظ الحديث : إن المراد بالزمان السنة، وقوله«كهيئته» أي استدارة مثل حالته، ولفظ الزمان يطلق على قليل الوقت وكثيره. والمراد باستدارته وقوع تاسع ذي الحجة في الوقت الذي حلت فيه الشمس برج الحمل، حيث يستوي الليل والنهار اهـ.
وقد كان الأمر كذلك، ولعل حكمته الإشارة إلى تجديد الله تعالى لدينه وإكمال هدايته كما تجدد عمر الزمان بفصل الربيع الذي تحيا فيه الأرض بالنبات، فاستدارة الزمان حسابية وطبيعية ودينية، وإنني منذ سمعت هذا الحديث أشعر بأن له معنى غير الحساب الزمني.
وذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره للآية قول بعض المفسرين والمتكلمين في استدارة الزمان بمعنى ما سبق ثم قال : وزعموا أن حجة الصديق في سنة تسع كانت في ذي القعدة. وأغرب منه ما رواه الطبراني عن بعض السلف في جملة حديث أنه اتفق في حجة الوداع حج المسلمين واليهود والنصارى في يوم واحد وهو يوم النحر عام حجة الوداع والله أعلم اهـ. قلت : فإن صح هذا كان إشارة -أو بشارة- بتحقق ما شرع له الإسلام بإرسال خاتم النبيين إلى الناس كافة، وجمعه الكلمة، واهتداء الأمم به.
ولهذه الرواية ما يؤيدها من كتب التاريخ لخص بعضها محمد لبيب بك البتانوني في رحلته الحجازية قال : إن الكعبة كانت قبل الإسلام بنحو من ٢٧ قرنا ذات منزلة سامية عند العرب وثنييهم ويهودهم ونصاراهم، وقد تجاوزت مكانتها جزيرة العرب إلى بلاد الفرس الذي كانوا يعتقدون أن روح ( هرمز ) نقلت في الكعبة ثم إلى بلاد الهنود، وكانوا يعتقدون أن روح ( شبوه ) أحد آلهتهم قد تقمصت في الحجر الأسود، وقدماء المصريين كانوا يسمون الحجاز بالبلاد المقدسة. واليهود كانوا يحترمونها ويتعبدون فيها على دين إبراهيم، والنصارى من العرب لم يكن احترامهم لها بأقل من احترام اليهود إياها، وكان لهم فيها صور وتماثيل منها تمثال إبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام، وصورة العذراء والمسيح، إلى أن قال :
هكذا كان شأن الكعبة في الجاهلية قد أجمع جميع الناس على اختلاف دياناتهم على احترامها، واتخذها كل منهم معبداً يعبد الله فيه على حسب دينه أو مذهبه الخ.



١ ـ أخرجه البخاري في الحج باب ٥٠، ٥٧، ومسلم في الحج حديث ٢٤٨، ٢٥١ وأبو داود في المناسك باب ٤٦، والنسائي في الحج باب ١٤٧، ١٤٨، وابن ماجه في المناسك باب ٢٧، والدارمي في المناسك باب ٤٢، ومالك في الحج حديث ١١٥، وأحمد في المسند ١/ ٢١، ٢٦، ٣٤، ٣٥، ٣٩، ٤٦، ٥١، ٥٣، ٥٤..
٢ ـ قال الفيروزأبادي في القاموس: وجاء الناس كافة أي كلهم، ولا يقال جاءت الكافة؛ لأنه لا يدخلها أل، ووهم الجوهري، ولا تضاف اهـ وقد ذكر شارحه المرتضى من وافقه في هذا الحكم كالحريري والنووي والزجاج ثم قال نقلا عن شيخه: على أن قول الجمهور كالمصنف: لا يقال جاءت الكافة رده الشهاب في شرح الدرة وصحح أنه يقال، وأطال البحث فيه في شرح الشفاء ونقله عن عمر وعلي رضي الله عنهما وأقرهما الصحابة وناهيك بهم فصاحة. وهو مسبوق بذلك، فقد قال شارح اللباب أنه استعمل مجرورا واستدل بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: على كافة بيت مال المسلمين. وهو من البلغاء، ونقله الشمني في حواشي المغني، وقال الشيخ إبراهيم الكوراني في شرح عقيدة أستاذه: من قال من النحاة إن «كافة» لا تخرج عن النصب فحكمه ناشئ عن استقراء ناقص. قال شيخنا: وأقول إن ثبت شيء مما ذكروه ثبوتا لا مطعن فيه فالظاهر أنه قليل جدا، والأكثر استعماله على ما قاله ابن هشام الحريري والمصنف اهـ ما أورده شارح القاموس. وأقول: إن الاستعمال القليل يكفي في الدلالة على الجواز ولاسيما في كلمة كل ما نقل فيها قليل، وقال السيد الآلوسي في تفسير الآية: (كافة) أي جميعا، واشتهر أنه لا بد من تنكيره ونصبه على الحال، وكون ذي الحال من العقلاء، وخطؤوا الزمخشري في قوله في خطبه المفصل«محيطا بكافة الأبواب»، ومخطؤه هو المخطئ لأنا إذا عملنا وضع لفظ لمعنى عام بنقل من السلف، وتتبع لموارد استعماله في كلام من يعتد به، ورأيناهم استعملوه على حالة مخصوصة من الإعراب والتعريف والتنكير ونحو ذلك، جاز لنا على ما هو الظاهر أن نخرجه عن تلك الحالة لأنا لو اقتصرنا في الألفاظ على ما استعملته العرب العاربة والمستعربة نكون قد حجرنا الواسع وعسر التكلم بالعربية على من بعدهم، ولما لم يخرج بذلك عما وضع له فهو حقيقة، فكافة وإن استعملته العرب منكرا منصوبا في الناس خاصة يجوز أن يستعمل معرفا ومنكرا بوجوه الإعراب في الناس وغيرهم، وهو في كل ذلك حقيقة، حيث لم يخرج عن معناه الذي وضعوه له وهو معنى الجميع. ومقتضى الوضع أنه لا يلزمه ما ذكر ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو مكابر، على أنه ورد في كلام البلغاء على غير ما ادعوه، ففي كتاب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لآل بني كاكلة: قد جعلت لآل بني كاكلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال عينا ذهبا إبريزا. و هذا كما في شرح المقاصد مما صح والخط كان موجودا في آل بني كاكلة إلى قريب هذا الزمان بديار العراق، ولما آلت الخلافة إلى أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه عرض عليه فنفذ ما فيه لهم وكتب عليه بخطه: لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون أنا أول من تبع أمر من أعز الإسلام، ونصر الدين والأحكام، عمر بن الخطاب، ورسمت بمثل ما رسم لآل بني كاكلة في كل عام مائتي دينار ذهبا إبريزا واتبعت أثره، وجعلت لهم مثل ما رسم عمر إذ وجب علي وعلى جميع المسلمين اتباع ذلك. كتبه علي بن أبي طالب اهـ فانظر كيف استعمله عمر بن الخطاب معرفة غير منصوبة لغير العقلاء وهو من هو في الفصاحة؟ وقد سمعه مثل علي كرم الله تعالى وجهه ولم ينكره وهو واحد الأحدين، فأي إنكار واستهجان يقبل بعد، فقوله في المغني: كافة مختص بمن يعقل ووهم الزمخشري في تفسير قوله تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس إذ قدر كافة نعت المصدر محذوف أي رسالة كافة لأنه أضاف إلى استعماله فيما لا يعقل إخراجه عما التزم فيه من الحال كوهمه في خطبة المفصل مما لا يلتفت إليه. وإذا جاز تعريفه بالإضافة جاز بالألف واللام أيضا، ولا عبرة بمن خطا فيه كصاحب القاموس وابن الخشاب. وهو عند الأزهري مصدر على فاعلة كالعافية والعاقبة ولا يثنى ولا يجمع، وقيل: هو اسم فاعل والتاء فيه للمبالغة كتاء راوية وعلامة وإليه ذهب الراغب، ونقل أن المعنى هنا قاتلوهم كافين لهم كما يقاتلونكم كافين لكم. وقيل: معناه جماعة. وقيل: للجماعة الكافة كما يقال لهم الوازعة لقوتهم باجتماعهم وتاؤه كتاء جماعة. والحاصل أنهم رواية ودراية لم يصيبوا فيما التزموه من تنكيره ونصبه واختصاصه بالعقلاء، وأنهم اختلفوا في أصله هل هو مصدر أو اسم فاعل من الكف، وأن تاءه هل هي للمبالغة أو للتأنيث، ثم إنهم تصرفوا فيه واستعملوه للتعميم بمعنى جميعا، وعلى ذلك حمل الأكثرون ما في الآية قالوا: وهو مصدر كف عن الشيء وإطلاقه على الجميع باعتبار أنه مكفوف عن الزيادة، أو باعتبار أنه يكف عن التعرض له أو التخلف عنه وهو حال، أما من الفاعل أو من المفعول فمعنى (قاتلوا المشركين كافة) لا يتخلف أحد منكم عن قتالهم، أو لا تتركوا قتال واحد منهم، وكذا في جانب المشبه به، واستدل بالآية على الاحتمال الأول، على أن القتال فرض عين. قيل وهو كذلك في صدر الإسلام ثم نسخ وأنكره ابن عطية اهـ (المؤلف)..

إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين( ٣٦ ) إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زُين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين( ٣٧ )
هاتان الآيتان عود إلى الكلام في أحوال المشركين وما يشرع من معاملتهم بعد الفتح، وسقوط عصبية الشرك، وكان الكلام في قتال أهل الكتاب وما يجب أن ينتهي به من إعطاء الجزية من قبيل الاستطراد، اقتضاه ما ذكر قبله من أحكام قتال المشركين ومعاملتهم. وقد ختم الكلام في أهل الكتاب ببيان حال كثير من رجال الدين الذين أفسدت عليهم دينهم المطامع المالية، التي هي وسيلة العظمة الدنيوية، والشهوات الحيوانية، وإنذار من كانت هذه حالهم بالعذاب الشديد يوم القيامة، وجعل هذا الإنذار موجها إلينا وإليهم جميعاً. ومن ثم كان التناسب بين الكلام فيما يشترك فيه المسلمون مع أهل الكتاب من الوعيد على أكل أموال الناس بالباطل وكنز النقدين، إلى ما يجب أن يخالفوا فيه المشركين من إبطال النسيء ومن أحكام القتال تناسبا ظاهرا قويا، وهنالك مناسبة دقيقة بين حساب الشهور القمرية عند العرب وحساب الشهور الشمسية عند أهل الكتاب، وإن لم يصرح فيه بمخالفتهم في حسابهم.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير