المكروه، ما هو ولا من هو، فكرهتُ مثل أبَيْتُ، إلا أن أبيتُ الحذف مستعمل
وقوله: (وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
فقال: (الذهب والفضَة) ولم يقل ولا ينفُقُونَهما في سبيل اللَّه، فإِنما جاز
ذلك لأن المعنى يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقون المكنوز في سبيل الله.
ويجوز أن يكون محمولًا على الأموال، فيكون: (ولا ينفقونها)، ولا ينفقون
الأموال، ويجوز أن يكون: ولا ينفقونها. ولا ينفقون الفضة، وحذف الذهب لأنه داخل في الفضَّةِ كما قال الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما... عندك راضٍ والرأي مختلف.
يريد نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ.
فحذف " راضون " فكذلك يكون المعنى:
والذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه في سبيل اللَّه، والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللَّه.
* * *
وقوله: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)
أعلم اللَّه جلَّ وعزَّ: أن عدة شهور المسلمين، الذين تُعُبِّدُوا بَأن يجعلوا
لِسَنَتِهِمْ - اثنا عشر شهراً، على منازل القمر، فجعل حجهم وَأعيَادَهمْ
وصلَاتهمْ في أعبادهم هذا العَدَد، فالحج والصوم يكون مرة في الشتاءِ ومرة
في الصيف، وفي فصول الأزمان على قدر الشُهور ودَوَرَان السنِين، وكانت
أعياد أهل الكتاب وَمتعَبَّدَاتهمْ في سنَتِهم يَعْملونَ فيها على أن السنة ثلاثمائة
يوم وخمسة وستون يوماً وبعضُ يوم، على هذا يجري أمر النصارى واليهود.
فأعلم اللَّه جلَّ وعزَّ أن سِنِي المسْلِمِينَ على الأهِلَّةِ.
وقوله: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)
الأربعة الحرم: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة.
(فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ).
قيل في الأربعة، وقيل في الاثني عشر. فمن قال في الأربعة قال: أراد
تعظيم شأن المعاصي -
كما قال جلَّ وعزَّ: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)
فالفسوق لا يجوز في حج ولا غيره، ولكنه عزَّ وجلَّ عرف الأيام التي
تكون فيها المعَاصِي أَكْثَرَ إثماً وعقاباً.
وقوله: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً).
فـ " كافَّةً " منصوب على الحال، وهو مصدر عَلَى فَاعِله كما قالوا العاقِبة
والعافِية. وهو في موضع قَاتِلوا المشركين محيطين بهم باعتقاد مقاتَلِتِهمْ.
وهذا مشتق من كُفَّةِ الشيء، وهي حَرْفُه، وإِنما أخذ من أن الشيءَ إذا
انتهى إِلى ذلك كُفَّ عن الزيادة، ولا يجوز أنْ يُثَنَّى ولا يَجْمَع، ولا يقال
قاتلوهم كافَّاتٍ ولا كافِّين، كما أنك إِذا قلت: قاتلوهم عامَّة لم تثَنِّ ولم
تجمَعْ، وكذلك خَاصََّةً.
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج
عبد الجليل عبده شلبي