ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك :
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( ٣٦ ) :
والشهر : هو دورة القمر كما هو معلوم، ونحن نعرف أن الكون فيه شمس وقمر وفيه نجوم، هذه هي الأشياء المرئية لنا، وهناك كواكب أخرى بعيدة عنا تستطيع أن تأخذ مليون شمس في جوفها، كل هذا يعطيك فكرة عن مدى اتساع الكون، فلا تعتقد أن الشمس هذه موجودة بذاتها، بل هي تأخذ أشياء من كواكب أعلى منها كثيرة، ولكن ما نراه بأعيننا محدود، وهناك ما لا يمكننا أن نراه ؛ لأنه غير منظور لنا. وأنت إذا نظرت إلى مصباح كهربائي، فنور المصباح ليس ذاتيا، بل إن وراءه أجهزة كثيرة تمده بالكهرباء من أسلاك وكابلات وأكشاك، ثم محطة توليد الكهرباء التي تولد التيار الكهربائي، ثم المصانع التي أنتجت الآلات التي تعمل في محطة الكهرباء، إذن : فوراء هذا المصباح الصغير حجم هائل من العمل والأجهزة المختلفة.
ونحن نرى الشمس فيها ضياء، والقمر فيه نور، فما الفرق بين الضياء والنور ؟
الضياء : فيه نور وفيه حرارة. والنور : فيه ضوء وليس فيه حرارة. ولذلك يسمون ضوء القمر " الضوء الحليم "، أي : أنك عندما تجلس في ضوء القمر لا تحتاج إلى مظلة تحميك منه، ولكن إن جلست تحت ضوء الشمس فأنت تحتاج إلى مظلة تحميك من حرارة الشمس الشديدة.
والحق سبحان وتعالى يسمي الشمس سراجا وهَّاجا، والسراج فيه حرارة وفيه ضوء. أما القمر فسماه منيرا ؛ لأن أشعة الشمس تنعكس عليه فينير، وهذان الكوكبان العلويان-الشمس والقمر- وضع الله فيهما موازين الزمن. والزمن له حالات كثيرة تتطلب موازين وقياسات مختلفة، وأساس الزمن هو اليوم والليلة، وأساس اليوم هو صباح وظهر وعصر ومغرب، وهناك الفجر الصادق والفجر الكاذب والشروق، وهناك أوقات يتساوى فيها الشيء وظله، وأوقات يكون الظل مثْلَيْ الشيء. والليل فيه الظلام، ويأتي بعد النهار والليل-في مقاييس الزمن- الشهورُ، وبعد الشهور تأتي السنوات.
إذن : فمقاييس الزمن محتجة لآلات تقاس بها، وأنت تعرف بداية اليوم بشروق الشمس. إذن فالشمس معيار اليوم. وأنت تعرف بداية الليل بغروب الشمس. وهكذا فالشمس تعطينا بداية ونهاية الليل والنهار، ولكنها لا تعطينا شيئا عن الشهور، فإذا نظرت إلى الشمس فإنك لا تعرف هل أنت في أول الشهر أو في منتصفه أو في آخره. ولكنك إذا نظرت إلى القمر عرفت، ففي أول الشهر يكون القمر هلالا، وفي منتصفه يكون بدرا، وفي آخره المحاق١. والشهور عند الله اثنا عشر شهرا.
وهكذا نرى أن الحق سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الإنسان، ويجعله خليفة في الأرض ؛ خلق له كونا مُعَدّا إعدادا حكيما لاستقباله، فقدَّر في الأرض الأقوات وجعل الشمس والقمر وأنزل المطر، فكل ما يقيم حياة الإنسان كان موجودا في الكون قبل أن يأتي الإنسان إليه. والإنسان جعله الله خليفة في الأرض وله حركة، وهي الأحداث التي تقع منه أو تقع فيه أو تقع عليه، والأحداث تتطلب زمانا ومكانا، ولذلك خلق الله لها الزمان والمكان. إذن : فالحياة كلها تفاعل بين حركة الإنسان الخليفة وبين الزمان والمكان.
وكما أعدَّ الله سبحانه وتعالى للإنسان في كونه مقومات حياته اليومية.. أنزل له القيم التي تحفظ له معنويات حياته، وأراد بها الحق سبحانه وتعالى أن تتساند حركة الإنسان ولا تتعاند، ومعنى التساند أنْ تتحد حركة الناس جميعا في إيجاد النافع لمزيد من الإصلاح في الأرض، أما إن تعاندت حركات البشر ضد بعضها البعض، فإن الفساد يظهر في الأرض ؛ لأن كل واحد يريد أن يهدم ما فعله الآخر.
ولكي تتساند حركات الإنسان في الكون ؛ فلا بد من مُشرّع واحد-وهو المشرع الأعلى- يعطي قوانين الحركة البشرية لكل الناس. وإن ابتعد الناس عن تشريعات الله تعالى، وأخذوا يُقنّنون لأنفسهم، تجد قوانين البشر تتبع أهواءهم، وكل واحد يحاول أن يحصل على مَيْزات لنفسه، ويأخذ حقوق الآخرين ؛ فتفسد الحياة، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ ( المؤمنون : ٧١ ).
إن اتباع الحق لأهوائهم سيُخضعُ الكون لأهواء البشر، هذا يريد وهذا لا يريد، والحق سبحانه يريد في الكون حركة السلام والأمن والاطمئنان، وهذه لا تتم إلا إذا التزم كل إنسان بمنهج الله ؛ حينئذ يوجد سلام دائم ومستوعب شامل، مستوعب لسلام الإنسان مع نفسه، ولسلام الإنسان مع الكون، ولسلام الإنسان مع الله، لكن الإنسان الذي خلقه الله مُخيَّرا وأنزل له المنهج بالتكليف، في إمكانه أن يطيع هذا المنهج أو أن يعصيه. وإن عصى الإنسان المنهج فهو يفسد في الأرض وينشر فيها الظلم والفساد.
وأراد الحق سبحانه أن يضع للسلام ضمانا، وهو أن توجد قوة تقف أمام الفساد في الأرض، لذلك شاء الحق أن يكون للحرب وجود ف هذا الكون ؛ لتتصارع الإرادات، فمادام للإنسان اختيار، ومادام هناك من يعصى ومن يطيع، فلابد أن يحدث الصراع. أما الأمور التي لا اختيار للإنسان فيها فهي لا تعكر السلام في الكون، فلن تقوم ثورة –مثلا- لكي تشرق الشمس، أو تشتعل حرب لإنزال المطر، لأن هذه الأمور تسير بقوانين القهر التي أرادها الله لها، وتعطي نفعها للجميع، ولكن الفساد يأتي من انحراف الناس عن منهج الله، ومادام في الكون حراس للمنهج من البشر، بحيث إذا انحرف إنسان ضربوا على يده حتى يعود إلى الطريق السليم٢ ؛ فإن الحياة المطمئنة الآمنة تبقى. ولكن إن عمَّ الفساد، ولم يوجد في المجتمع من يقف ضده تعاندت حركات الحياة وتعب الناس في حياتهم وأرزاقهم.
ولكي يسود السلام في الكون ؛ وضح الحق سبحانه في الزمن وفي المكان حواجز أمام طغيان النفوس، عَلَّها تفيق وتعود إلى الحق، فجعل في الزمان أشهرا حُرما يمتنع فيها القتال، ويسود فيها السلام بأمر السماء، وأراد الحق أن يكون هذا السلام القسري فرصة تجعل هؤلاء المتحاربين يفيقون إلى رشدهم وينهون الخلاف بينهم، كذلك خصَّ الله بعض الأماكن بتحريم القتال فيها، فإذا التقى الناس في هذه الأماكن كانت هناك فرصة لتصفية النفوس وإنهاء الخلاف.
والإنسان في حربه مع أخيه الإنسان يُنهك بنيران ونتائج الحرب، تنهكه دما، وتنهكه مالا، وعتادا، ويصيب الضعف الإنسان نتيجة هذه الإنهاكات منتصرا كان أم مهزوما، ولكنه أمام عزة نفسه في مواجهة خصمه يريد أن يستمر في الحرب حتى لا يظهر أمام الخصم بأنه قد ذُلَّ.
فيشاء الله برحمته لخلقه أن يجعل في الزمان وفي المكان ما يحرم فيه القتال ؛ حتى لا يقال : إن قبيلة ما أو جماعة قد أوقفت القتال خوفا من خصومها، أو لأن خصومها هم الأقوى، ولك ليقول الناس : إنهم أوقفوا الحرب بأمر من الله
وبهذا يحتفظ كل طرف من الأطراف المتحاربة بكرامته، فيسهل الصلح وتسلم الأرواح والنفوس.
وكذلك إن لجأ واحد من المتحاربين إلى المكان أو الأماكن التي يحرم الله فيها القتال، أمن على نفسه، وفي هذا منه للشر أن يستمر، وصون للنفوس من المهانة والذلة والانكسار أمام الغير ؛ لذلك أراد الله أن يوضح لنا : أنا خالقكم، وأنا الرحيم بكم، وسأجعل لكم من الزمان زمانا أحرم فيه القتال، وأجعل لكم مكانا مَنْ دخله كان آمنا، فاستتروا وراء ذلك وكُفُّوا عن القتال.
وهذه هي بعض من رحمة الله، يعطي بها الله سبحانه للناس فرص الحياة، وهذا من عطاءات الربوبية، وعطاء الربوبية من الله لخلقه جميعا، المؤمن منهم والكافر، والطائع والعاصي، وكل نعم الكون من عطاءات ربوبية الله.
إن عطاءات الله سبحانه لا تفرق بين المؤمن والكافر، فالأرض مثلا لا تعطي الزرع للطائع وتمنعه عن العاصي، والشمس لا تضيء وتسقط دفئها وحرارتها للمؤمن دون الكافر ؛ فَنعَمُ الكون المادية كلها من عطاء ربوبية الله سبحانه وتعالى لخلقه.
الأسباب-إذن- هي للناس جميعا، ولهم أن يتخذوا الأزمان المواتية لحركة الحياة كما يحبون، فيسيرون الزراعات على أي تقويم، ويحددون المواسم على حسب ما يفيدهم، وهم يحددون بذلك مصالحهم المادية التي هي من عطاءات الربوبية. ولكن الله رب قَيِّم، ولذلك فهناك عطاء ألوهية لله في المنهج الذي أرسل به الرسل للناس فأوضح : أنا أختار الزمان الذي أجده مناسبا للقيم والمعاني السامية، وأختار الأماكن المناسبة للقيم والمعاني السامية.
وأراد الحق سبحانه وتعالى برسالة محمد صلى الله عليه وسلم أن يشيع اصطفاء المكان والزمان لكل الزمان والمكان.
والشهور والأزمان عند الله هي اثنا عشر شهرا، ومادام قد قال : عند الله ، فهناك " عند " غير الله ؛ وهناك " عند " الناس.
وأوضح سبحانه لخلقه : قَدِّروا أزمانكم بمصالحكم، وهذا ما يحدث في الواقع المعاش.. إنك تجد من يزرع حسب التقويم القبطي، حيث تكون شهور الصيف فيه ثابتة، وكذلك شهور الشتاء والربيع والخريف ؛ لأن التقويم القبطي قائم على التقويم الشمسي.
ولكن الحق سبحانه وتعالى يريد للقيم أزمانا مخصوصة ؛ لذلك قال : إنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا وأوضح سبحانه : لا تجعلوا زمن القيم كالأزمان التي تجعلونها لمصالحكم.
وأراد الله سبحانه أن تعم القِيَم كل الزمن، ولا تكون مقصورة على أزمان معينة، ولذلك اختار سبحانه أزمانا للصلاة مثلا، فصلاة الصبح لها وقت، وصلاة الظهر لها وقت، والعصر لها وقت، والمغرب لها وقت، والعشاء لها وقت. ولكن أوقات الصلاة رغم أنها محددة فهي تشمل الزمن كله ؛ فالصلاة تقام مثلا في أسوان، وبعد دقائق في الأقصر، وبعد دقائق في القاهرة، وبعد دقائق في الإسكندرية، ثم تندرج إلى دول أوربا، وهكذا. فكأنها لا تتوقف عند فترة معينة، بل هي مستمرة حسب اختلاف الأوقات في الدول المختلفة، فصلاة الفجر-على سبيل المثال- قبل شروق الشمس. والشمس تشرق في كل دقيقة على بقعة مختلفة من الأرض. فكأن الصلاة دائمة على سطح الأرض. بل أكثر من ذلك نجد أننا في الوقت الذي نصلي فيه نحن الظهر، قد يصلي غيرنا العصر في شمال أوربا، والمغرب في أمريكا، والعشاء في كندا مثلا، فكأن الصلاة تقام في كل وقت على ظهر الأرض ؛ ذلك لأن الكون كله مُسبِّح لله.
ونأتي بعد ذلك إلى اختيار الله ليوم وقفة عرفات، ولشهر الصوم وغير ذلك من الأوقات، فشهر رمضان يأتي مرة في الصيف، كما يأتي في الشتاء وفي الربيع، وفي الخريف. كذلك الحج يأتي في فصول السنة المختلفة. وهكذا شاء عدل الله أن تكون الأيام المفضلة عنده مُوزَّعة على الزمن كله. وجعل الحق سبحانه وتعالى وحدة الزمن هي اليوم، واليوم يتكون من الليل والنهار، والأيام وحدتها الشهر، والشهور وحدتها العام، وجعل من مهمة الشمس أن تحدد لنا اليوم، ومن مهمة القمر أن يحدد لنا الشهر ؛ فهو في أول الشهر هلال،
٢ عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مَرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نُؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم ونجوا جميعا". أخرجه البخاري في صحيحه(٢٦٨٦-٢٤٩٣) واحمد في مسنده (٤/٢٧٠-٢٦٩-٢٦٨) والترمذي في سننه (٢١٧٣) وقال: حسن صحيح، وانظر شرح ابن حجر العسقلاني لهذا الحديث في فتح الباري (٥/٢٩٦-٢٩٥) ففيه كلام قيم جدا..
تفسير الشعراوي
الشعراوي