ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

سهيل (١) عن أبيه (٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح، فتكوى بها جبينه وجنباه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" (٣).
٣٦ - قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا الآية، قد ذكرنا معنى العدة والشهر في سورة البقرة (٤)، قال أبو إسحاق: "أعلم

= بنت سيرين، ثقة مكثر، من رجال البخاري ومسلم، وهو من الطبقة السابعة الذين توفوا بعد سنة ١٠٠ هـ. انظر: "الكاشف" ٢/ ٦٥٨، و"تقريب التهذيب" ٣٥٩/ ٤١٢٠، و"تهذيب التهذيب" ٢/ ٥٩٣.
(١) هو: سهيل بن أبي صالح ذكوان السمان، أبو يزيد المدني، محدث مكثر، وثقه الجمهور وضعفه ابن معين وغيره، وقد تغير حفظه بآخره، وهو من رجال مسلم، وروى له البخاري مقرونًا بغيره، توفي سنة ١٣٨ هـ.
انظر: "الكاشف" ٢/ ٤٧١، و"تقريب التهذيب" ٢٥٩/ ٢٦٧٥، و"تهذيب التهذيب" ٢/ ١٢٨.
(٢) هو ذكوان، أبو صالح السمان الزيات، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني، تابعي ثقة ثبت من أجل الناس وأوثقهم، كثير الحديث، مات سنة ١٠١هـ.
انظر: "الكاشف" ٢/ ٣٨٦، و"تقريب التهذيب" ٢٠٣ (١٨٤٢)، و"تهذيب التهذيب" ١/ ٥٧٩.
(٣) رواه مسلم في "صحيحه" (٩٨٧)، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، وأبو داود في "سننه" (١٦٥٨)، كتاب الزكاة، باب في حقوق المال، وأحمد في "المسند" ٢/ ٢٦٢، ٣٨٣.
(٤) انظر النسخة الأزهرية: (١/ ١١٢ ب) وقد قال هنا: (والعدة: (فعله) من العد، وهو بمعنى المعدود، كالطحن بمعنى المطحون، ومنه يقال للجماعة المعدودة من الناس: عدة، وعدة المرأة من هذا) اهـ. وقال في نفس النسخة (١/ ١١٣ ب): (الشهر مأخوذ من الشهرة، تقول: شهر الشيء يشهره شهرًا، إذا أظهره، وسمي الشهر شهرًا لشهرة أمره في حاجة الناس إليه في معاملاتهم... إلخ).

صفحة رقم 406

الله -عز وجل- أن عدة شهور المسلمين التي تُعبدوا بأن يجعلوها لسنتهم اثنا عشر شهراً، على منازل القمر، واستهلال الأهلة، وكان أهل الكتاب يعملون على أن السنة ثلثمائة وخمس وستون يومًا وبعض يوم، على هذا يجري أمر النصارى واليهود، فأعلم الله -عز وجل- أن سني المسلمين على الأهلة" (١).
قوله تعالى: فِي كِتَابِ اللَّهِ، قال الواقدي: "يعني اللوح المحفوظ" (٢)، وهو قول عامة أهل التأويل (٣)، ونحو هذا يحكى عن ابن عباس فِي كِتَابِ اللَّهِ قال: "في الإمام (٤) الذي عند الله كتبه يوم خلق السموات والأرض" (٥).
قال أبو علي الفارسي: " [لا يجوز تعلق] (٦) الكتاب بالعدة؛ لأن فيه (٧) فصلاً بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو اثنا عشر، ولكنه يتعلق بمحذوف على أن يكون صفة للخبر تقديره: "اثنا عشر شهرًا مكتوبًا في كتاب الله"، قال: والكتاب لا يكون إلا مصدرًا، ولا يجوز أن يعني به كتاب من الكتب؛ وذلك لتعلق اليوم به، وسائر الظروف لا تتعلق بأسماء الأعيان؛ لأنه لا معاني في أسماء الأعيان للفعل، (لا تقول: غلامك يوم الجمعة)، على أن يتعلق اليوم بالغلام، فبهذا يعلم أنه

(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٤٥ باختصار وتصرف.
(٢) لم أجده في كتابه "المغازي".
(٣) انظر: "تفسير ابن جرير" ١٠/ ١٢٤ - ١٢٩، والثعلبي ٦/ ١٠٥ أ، وابن الجوزي ٣/ ٤٣٢.
(٤) في (م): (الأيام)، وهو خطأ.
(٥) ذكر، ابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٤٣٢، والمؤلف في "الوسيط" ٢/ ٤٩٤.
(٦) في (ح): (يجوز أن لا يعلق)، وما أثبته موافق لما في "الحجة للقراء السبعة".
(٧) في (ف): (فيها)، وما أثبته موافق لما في "الحجة".

صفحة رقم 407

مصدر" هذا كلامه (١).
ويمكن أن يكون الكتاب اسمًا على ما ذكره أهل التفسير (٢)، ويضمر للظرف ما (٣) يتعلق به على أن يكون المعنى: فِي كِتَابِ اللَّهِ: كتبه يوم خلق السموات والأرض، على ما يحكى عن ابن عباس (٤)، وذكر أبو علي هذه الآية في "المسائل الحلبية"، فقال: "الفائدة في قوله: فِي كِتَابِ اللَّهِ بعد قوله: عِنْدَ اللَّهِ أن في كِتَابِ اللَّهِ من الاختصاص ما ليس في قوله: عِنْدَ اللَّهِ ألا ترى أنه قد توصف أشياء بأنها عنده ولا توصف بأنها في كتابه كقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان: ٣٤] ففي كِتَابَ اللَّهِ معنى زائد على ما في عِنْدِ اللَّهِ فجرى في هذا المعنى مجرى قولك: خرج من الدار من البيت (٥) و عِنْدِ اللَّهِ متعلق بالمصدر الذي هو العدة وهو العامل فيه.
وقوله تعالى: فِي كِتَابِ اللَّهِ متعلق بمحذوف لأنه صفة لـ (اثني عشر) قال: ويجوز أن يكون متعلقا بـ"حرم" على تقدير: منها أربعة حرم في كتاب الله، أي: فيما كتب الله يوم خلق السموات والأرض، والمعنى: أن الحرم منها في كتاب الله أي فيما فرض كونه (٦) حرمًا أربعة أشهر لا أكثر

(١) "الحجة للقراء السبعة" ٢/ ٤٥٨ بتصرف، والجملة التي بين القوسين مزيدة في كلام أبي علي.
(٢) سبق ذكر قول ابن عباس وعامة أهل التأويل.
(٣) في (ح): (وما).
(٤) سبق تخريجه عند ذكر أول الآية.
(٥) في (ى): (خرج من البيت)، والصواب ما في (ح) و (م)، وهو موافق لما في المسائل الحلبيات.
(٦) في (ى): (من كونه)، وما في (ح) و (م) موافق لما في "المسائل الحلبيات".

صفحة رقم 408

منه (١)، فإذا نسأتم أنتم المشهور فجعلتم (٢) أكثر من أربعة أشهر وحللتم ما حرم الله وحرمتم ما أحل الله كان ذلك زيادة في الكفر، كما ذمهم الله بفعل ذلك" (٣).
وقوله تعالى: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم (٤)، في قول الجميع، ومعنى الحرم: أنه يعظم انتهاك المحارم فيها بأشد (٥) مما يعظم في غيرها، وكانت العرب تعظمها حتى لو لقي الرجل منهم قاتل أبيه لم يهجه.
قال أهل المعاني: "وفي جعل بعض المشهور أعظم حرمة من بعض فوائد من المصلحة في الكف عن الظلم فيها لعظم منزلتها في حكم خالقها، فربما أدى ذلك إلى ترك الظلم رأسًا؛ لانطفاء الثائرة في تلك المدة" (٦).

(١) في "الحلبيات": منها.
(٢) هكذا في جميع النسخ، وفي "الحلبيات": جعلتم، وتصرف الواحدي يغيّر المعنى الذي يريده أبو علي؛ فمعنى عبارة أبي علي: إن الله حرّم أربعة أشهر فقط فإذا نسأتم المشهور كانت الحرم أكثر من أربعة، بينما جملة (فجعلتم أكثر من أربعة أشهر) في عبارة الواحدي تفسير لمعنى النسيء ولا يتم بها المعنى، ولذا اضطر لزيادة جملة (كان ذلك زيادة في الكفر) ليتم المعنى، وهذه الجملة بهذا المعنى مقحمة في كلام أبي علي.
(٣) "المسائل الحلبيات" ص ٣٠٧ بتصرف.
(٤) في (ح) و (ى): (رجب والمحرم... إلخ.
(٥) في (ى): (أشد)، وقد أثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لما في "الوسيط" ٢/ ٤٩٤.
(٦) ذكره بنحوه الماوردي في "النكت والعيون" ٢/ ٣٦٠، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٤٣٤ دون نسبة، ولم أجده في كتب أهل المعاني التي بين يدي.

صفحة رقم 409

وقد ذكرنا هذا مستقصى عند قوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ [المائدة: ٩٧] (١) الآية.
وقوله: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ الدين له معان كثيرة في اللغة، ومناه ههنا (٢): الحساب، ومنه قيل: "الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت" (٣) أي: حاسبها، و"القيم": معناه المستقيم، وقد ذكرناه عند قوله:

(١) انظر النسخة (ح) ٢/ ٧٤ أحيث قال: (اختلف المفسرون وأصحاب المعاني في هذه الآية، فقال ابن عباس في بعض الروايات: "قوله قيامًا للناس قيامًا لدينهم ومعالم لحجهم"، وقال سعيد بن جير: " قيامًا للناس صلاحًا لدينهم"
فعلى هذا، القيام مصدر قولك: قام قيامًا والمعنى: إن الله جعل الكعبة سببًا لقيام الناس إليها للحج وقضاء النسك، فيصلح بذلك دينهم، لأنه يحط عنهم الذنوب والأوزار عندها..
وقال جماعة من المفسرين وأكثر أصحاب المعاني: القيام ههنا يراد به القوام، وهو العماد الذي يقوم به الشيء، والتقدير فيه: جعل الله الحج للكعبة البيت الحرام قيامًا لمعاش الناس ومكاسبهم..) إلخ.
(٢) ساقط من (ى).
(٣) هذا بعض حديث رواه الترمذي (٢٤٥٩)، كتاب صفة القيامة، وابن ماجه (٢٤٦٠) في "السنن"، كتاب الزهد، باب ذكر الموت، وأحمد في "المسند" ٤/ ١٢٤، والحاكم في "المستدرك"، كتاب الإيمان ١/ ٥٧، والبيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الجنائز، باب ما ينبغي لكل مسلم.. رقم (٦٥١٤) ٣/ ٥١٧، والبغوي في "شرح السنة"، كتاب الرقاق، باب الاجتناب عن الشهوات، رقم (٤٠١١) ٧/ ٣٣٣.
قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري، وتعقبه الذهبي بقوله: لا والله، أبو بكر واه.
قلت: والحديث في جميع المصادر السابقة يدور على هذا الراوي الضعيف وهو أبو بكر ابن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي، قال الحافظ في "تقريب التهذيب" ص ٦٢٣ (٧٩٧٤): "ضعيف، وكان قد سرق بيته فاختلط".

صفحة رقم 410

دِينًا قِيَمًا [الأنعام: ١٦١]. قال المفسرون وأهل المعاني: "ذلك الحساب المستقيم الصحيح، والعدد المستوي" (١). وقال الحسن: " ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ: الذي (٢) لا يبدل ولا يغير" (٣)، فالقيم على هذا بمعنى (٤): القائم الدائم الذي لا يزول.
قال أهل العلم: "فالواجب على المسلمين بدليل هذه الآية أن يعتبروا به في بيوعهم، ومُدد ديونهم، وأحوال زكاتهم، وسائر أحكامهم، السنة العربية بالأهلة، ولا يجوز لهم (٥) اعتبار السنة العجمية والرومية (٦) (٧).
قوله تعالى: فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ، قال ابن عباس في رواية عطاء: "تحفّظوا من أنفسكم فيها واجتنبوا الخطايا، فإن الحسنات فيها

(١) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص ١٩٤، و"معاني القرآن" للنحاس ٣/ ٢٠٦، و"النكت والعيون" ٢/ ٣٦٠، و"زاد المسير" ٣/ ٤٣٢.
(٢) في (ى): (أي).
(٣) ذكره الفخر الرازي في "تفسيره" ١٦/ ٥٣.
(٤) في (ج): (معنى).
(٥) ساقط من: (ى).
(٦) السنة العجمية هي السنة الفارسية وهي اثنا عشر شهرًا، كل شهر ثلاثون يومًا عدا شهر واحد فإنه خمسة وثلاثون يومًا، وأما السنة الرومية فهي أيضًا اثنا عشر شهرًا، لكن الشهور مختلفة فشهر ثمانية وعشرون يومًا، وشهر ثلاثون يومًا وشهر واحد وثلاثون يومًا، وتعرف اليوم بالسنة الميلادية.
انظر تفصيل ما سبق في: "أحكام القرآن" لابن العربي ٢/ ٩٣٦.
(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٢/ ٤٤٥، و"أحكام القرآن" لإلكيا الهراسي ٤/ ١٩٩، و"تفسير الرازي" ١٦/ ٥٥، و"الجامع الأحكام القرآن" للقرطبي ٨/ ١٣٣.

صفحة رقم 411

تضعف والسيئات فيها تضعف (١) " (٢)، فعلى هذا القول: الكناية تعود إلى الحرم، وهو قول قتادة، قال: "الظلم في الأشهر الحرم أعظم وزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، فاصطفى من الملائكة رسلاً، ومن الناس، ومن الأرض والمساجد، والأيام والشهور والليالي، فعظموا ما عظم الله" (٣).

(١) السيئة لا تضعف بالمعنى المتبادر للتضعيف، وإنما يجزى بمثلها من غير زيادة كما قال تعالى: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الأنعام: ١٦٠]، ولكن السيئة تعظم لسبب من الأسباب فيعظم جزاؤها، ومن ذلك: حرمة الزمان كما في هذه الآية وحرمة المكان كالحرم، قال تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج: ٢٥] ومن ذلك أيضًا مكانة الشخص، قال تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب: ٣٠]، وكون الشخص ممن يقتدى به، قال تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل: ٢٥]، وغير ذلك من أسباب عظمة السيئة، وعلى هذا يحمل قول ابن عباس المذكور -ولا يصح عنه- وقد جاء ذلك مصرحًا به في رواية الوالبي الصحيحة، ونصها: "ثم خص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرمًا، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم". انظر تخريج الرواية في الهامش التالي.
(٢) "الوسيط" ٢/ ٤٩٤، وقد سبق بيان أن رواية عطاء مكذوبة ورواه بمعناه من رواية الوالبي الإمام ابن جرير ١٠/ ١٢٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٣، وابن المنذر والبيهقي في "شعب الإيمان" كما في "الدر المنثور" ٣/ ٤٢٥ وفيه زيادة.
(٣) ذكر المؤلف قول قتادة بمعناه، وقد أخرجه ابن جرير ١٠/ ١٢٧، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٤٢٥، ورواه مختصرًا ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٣، والثعلبي ٦/ ١٠٥ ب.

صفحة رقم 412

وقال محمد بن إسحاق: فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ بأن تجعلوا حرامها حلالاً، وحلالها حرامًا كما فعل أهل الشرك في النسيء" (١)، وعلى هذا: الكناية تعود إلى الشهور كلها [وقد روي عن ابن عباس أنه (٢) قال: " فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ (٣): في الشهور كلها" (٤)] (٥)، وحكى الزجاج القولين جميعًا، وقال: "من قال في الأربعة: أراد تعظيم شأن المعاصي فيهن كما قال تعالى: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧]، وهذه الأشياء لا تجوز في غير الحج، ولكنه -عز وجل- عرّف الأيام التي تكون فيها المعاصي أكثر إثمًا وعقابًا" (٦)، واختار الفراء أن تكون الكناية راجعة إلى الأربعة لقوله: فِيهِنَّ ولم يقل (فيها) كما قال: مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ لما عادت الكناية إلى كلها، قال: وكذلك كلام العرب لما بين الثلاثة إلى العشرة يقولون: لثلاث خلون، إلى العشرة [(فإذا جُزت العشرة) (٧) قالوا: خلت، ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة] (٨): (هن) و (هؤلاء) (٩) فإذا جزت العشرة قالوا: (هي) و (هذه) إرادة أن تُعرف

(١) "سيرة ابن هشام" ٢/ ٢٠٦.
(٢) ساقط من (ى).
(٣) ساقط من (ح).
(٤) رواه ابن جرير ١٠/ ١٢٦، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٢، واللفظ له، وابن المنذر والبيهقي في "شعب الإيمان" كما في "الدر المنثور" ٣/ ٤٢٥.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (م).
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٤٦ بنحوه.
(٧) ما بين القوسين ساقط من (ى).
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (م).
(٩) من (م).

صفحة رقم 413

سمة القليل من الكثير، قال: "ويجوز في كل واحد ما جار في صاحبه"، وأنشد:

أصبحن في قُرح وفي داراتها سبع ليال غير معلوفاتها (١) (٢)
ولم يقل: غير معلوفاتهن وهي سبع، وكل صواب؛ إلا أن المؤْثر ما فسرت لك (٣).
والأصل في هذا أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة، ويكنى عن جمع الكثرة كما يكنى عن واحدة مؤنثة، كما قال حسان:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى (٤) وأسيافنا يقطرن من نجدة (٥) دما (٦)
فقال: يلمعن ويقطرن؛ لأن الأسياف والجفنات جمع قلة، ولو جمع جمع (٧) الكثرة لقال: تلمع وتقطر، هذا هو الاختيار، ويجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر، كقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب (٨)
(١) في (ى): (معروفاتها)، وهو خطأ.
(٢) سبق تخريج هذا الرجز عند تفسير الآية ٢٥ من سورة براءة.
وقد بين ابن منظور في "لسان العرب" ٦/ ٣٥٧٤ أن (قُرْح) بضم القاف وسكون الراء: اسم وادي القرى أو سوق فيه.
والدارات: جمع دارة وهي كل أرض واسعة بين جبال. المصدر نفسه (دور) ٤/ ٢٩٦.
(٣) "معاني القرآن" ١/ ٤٣٥ باختصار.
(٤) في (ى): (في الضحى)، والمثبت موافق لديوانه.
(٥) في (م): (حدة)، والمثبت موافق لديوانه.
(٦) انظر: "شرح ديوان حسان" ص ٢٢١ وقال الشارح: الجفنات: القصاع، والغر: البيض من كثرة الشحم وبياض اللحم، يصف حسان قومه بالندى والبأس.
(٧) ساقط من (ى).
(٨) انظر: البيت في "ديوان النابغة" ص ٣٢، ونسب إليه أيضًا في "إصلاح المنطق" ص ٢٤، و"خزانة الأدب" ٣/ ٣٢٧، و"كتاب سيبويه" ٢/ ٣٢٦.

صفحة رقم 414

فقال: بهن والسيوف جمع كثرة، وروي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: " فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ باستحلال القتل والغارة فيهن" (١)، وهذا يوجب ترك القتال في الأربعة الحرم، وبقاؤها على ما كانت قبل الإسلام، وقد ذكرنا الخلاف في هذا الحكم في سورة البقرة (٢)، في قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ [البقرة: ٢١٧].
وقوله تعالى: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً، قال ابن عباس: "كافة: جميعًا" (٣)، يريد: قاتلوهم كلهم ولا تُحابوا (٤) بعضهم بترك القتال؛ كما أنهم يستحلون قتال جميعكم، ويجوز أن يكون المعنى: قاتلوهم بأجمعكم، مجتمعين على قتالهم كما يفعلون هم، يريد:

(١) رواه الثعلبي ٦/ ١٠٥ ب، والبغوي ٤/ ٤٥.
(٢) انظر النسخة الأزهرية: ١/ ١٣٢ أحيث قال: (وأما حكم القتال في الشهر الحرام اليوم فالعلماء فيه مختلفون، قال ابن جريج: "حلف لي عطاء بالله ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام، إلا أن يقاتلوا"، وروى أبو الزبير عن جابر قال: "لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغزوا في الشهر الحرام إلا أن يغزا، فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ"، وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال: نعم، وقال ذلك سليمان بن يسار، وهو مذهب قتادة وغيره من العلماء، يرون القتال في الشهر الحرام، قال أبو عبيدة: والناس اليوم بالثغور جميعًا على هذا القول).
(٣) رواه ابن جرير ١٠/ ١٢٨، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٩٣، وابن المنذر والبيهقي في "شعب الإيمان" كما في "الدر المنثور" ٣/ ٤٢٥، وهو من رواية علي بن أبي طلحة.
(٤) في (ى): (تخافوا)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته لـ"الوسيط" ٢/ ٤٩٤، و"تفسير الرازي" ١٦/ ٥٤، والمحاباة: قال الخليل في كتاب "العين" (حبو) ٣/ ٣٠٩: "الحباء: عطاء بلا مَنٍّ ولا جزاء، حبوته أحبوه حباء، ومنه أخذت المحاباة". وفي "لسان العرب" (حبو) ٢/ ٧٦٦: "حابى الرجل حباء: نصره واختصه ومال إليه".

صفحة رقم 415

تعاونوا وتناصروا على ذلك ولا تتجادلوا، وكلا المعنيين يحتمله قوله (١): جميعًا، والمعنى الثاني يوجب تعين فرض القتال على كل أحد، ونذكر الخلاف فيه في قوله -عز وجل-: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة: ٤١] الآية.
قال الفراء: "كافة يقول: جميعًا، والكافة لا تكون مذكرة ولا مجموعة على عدد الرجال، فتقول: كافّين أو كافات للنسوة، ولكنها (كافة) بالهاء والتوحيد؛ لأنها وإن كانت على لفظ (فاعلة) فإنها في مذهب مصدر مثل: الخاصة والعاقبة والعافية (٢)؛ لذلك لم تُدخل فيها العرب الألف واللام؛ لأنها في (٣) مذهب قولك: قاموا معًا، [وقاموا جميعًا" (٤)] (٥).
وقال الزجاج: كَافَّةً منصوب على الحال، وهو مصدر على (فاعلة) كما قالوا: العاقبة والعافية، ولا يجوز أن يثنى ويجمع، كما أنك إذا قلت: قاتلوهم عامة لم تثن ولم تجمع، وكذلك (خاصة)، هذا مذهب النحويين" (٦).

(١) يعني ابن عباس.
(٢) من (ى).
(٣) في (ى): (من)، وأثبت ما في (ح) و (م) لموافقته و"معاني القرآن" للفراء.
(٤) اهـ. كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" ١/ ٤٣٦.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج ٢/ ٤٤٦ باختصار.
انظر نسبة القول للنحويين في: "تهذيب اللغة" (كف) ٤/ ٣١٦٤، و"لسان العرب" (كفف) ٧/ ٣٩٠٥، وانظر توضيح المسألة في: "البحر المحيط" ٢/ ١٢٠، و"الكليات" لأبي البقاء ص ٧٧٥.

صفحة رقم 416

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية