قال الله تعالى : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ التوبة : ٤٠ ].
وفيها مسألة واحدة، وهي :
[ ٤٦ ] فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه ؟
( قال أبو محمد : ومن فضائل أبي بكر المشهورة، قوله عز وجل :( إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزم إن الله معنا }.
فهذه فضيلة منقولة بنقل الكافة لا خلاف بين أحد في أنه أبو بكر، فأوجب الله تعالى له فضيلة المشاركة في إخراجه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنه خصه باسم الصحبة له، وبأنه ثانيه في الغار، وأعظم من ذلك كله، أن الله معهما، وهذا ما لا يلحقه فيه أحد )١.
وكان رحمه الله قد أطال في دحض قول من فضل عليا على أبي بكر، ثم قال :( قال أبو محمد : فصح بما ذكرنا فضل أبي بكر على جميع الصحابة رضي الله عنهم بعد نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالبراهين المذكورة. وأما الأحاديث في ذلك، فكثيرة، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبي بكر : " دعوا لي صاحبي، فإن الناس قالوا : كذبت، وقال أبو بكر : صدقت " ٢.
وقوله صلى الله عليه وسلم : " لو كنت متخذا خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه أخي وصاحبي " ٣.
وهذا الذي لا يصح غيره، وأما أخوه علي، فلا تصح إلا مع سهل بن حنيف.
ومنها أمره صلى الله عليه وسلم بسد كل باب وخوخة في المسجد حاشا خوخة أبي بكر. وهذا هو الذي لا يصح غيره، ومنها غضبه صلى الله عليه وسلم على من خارج أبا بكر، وعلى من أشار عليه بغير أبي بكر للصلاة٤.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : " إن من أمن الناس علي في ماله أبو بكر ".
وعمدتنا في تفضيل أبي بكر، ثم عمر على جميع الصحابة، بعد نساء النبي صلى الله عليه وسلم٥ هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سئل : من أحب الناس إليك يا رسول الله ؟ قال : " عائشة ". قيل : فمن الرجال ؟ قال : " أبوها ". قيل : ثم من يا رسول الله. قال : " عمر ".
قال أبو محمد : فقطعنا بهذا ثم وقفنا، ولو زادنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا لزدنا، لكن لا نقول في شيء من الدين، إلا بما جاء به النص )٦.
٢ أخرجه البخاري (٣٦٦١) في كتاب الفضائل: باب فضل أبي بكر الصديق..
٣ أخرجه البخاري (٣٩٠٤) في كتاب المناقب: باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، ومسلم (٣٩٠٤) في كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل أبي بكر الصديق. من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر، فقال: "إن عبدا خيرا الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده"، فبكى أبو بكر وقال: فدنياك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، وقال الناس: (انظروا إلى هذا الشيخ، يخير رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ماعنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي، لاتخذت أبا بكر، إلا خلة الإسلام، لا بيقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر"..
٤ أخرجه البخاري (٦٧٩) في كتاب الأذان: باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة، ومسلم (٤٢٠) في كتاب الصلاة: باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر..
٥ يرى ابن حزم رحمه الله تعالى أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من أبي بكر رضي الله عنه، وهذا القول مما انفرد به ابن حزم، ولم يعرف له فيه سلف، بل ولم يذكر هو من سبقه إليه، ويكفي في رده إجماع الصحابة رضي الله عنهم على تفضيل أبي بكر على جميع الصحابة، ولم يستثنوا من هذا التفضيل أحدا، وفي الأدلة التي سأذكرها إن شاء الله تعالى رد على هذا المذهب، كما أنها رد على من فضل أحدا على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعن سائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم..
٦ (الفصل) (٤/٢٢٣)..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري