إلا تنصروه فقد نصره يعني إن لا تنصروه فسينصره الله كما نصره إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين منصوب على الحال من الضمير المنصوب في نصره يعني نصره حال كونه بحيث لم يكن معه إلا رجل واحد وهو أبو بكر وهو ثانيهما فحذف الجزاء وأقيم ما هو كالدليل مقامه، أو المعنى عن لا تنصروه فقد أوجب الله له النصر حتى نصر في مثل ذلك الوقت فلن يخذله في شيء من الأوقات، واسند الإخراج إلى الذين كفروا به أن يقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه في دار الندوة وقد مر قصته في سورة الأنفال وكان ذلك سبب لإذن الله سبحانه بالخروج إذ هما في الغار وهو نقب في جبل أسفل مكة بدل من إذ أخرجه وبعده بدل ثان إذ يقول يعني النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر :" أنت صاحبي في الغار وصاحبي في الحوض " ١ وروى مسلم عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو كنت متخذا خليلا لاتخذن أبا بكر خليلا ولكنه أخي وصاحبي ولكن اتخذ صاحبكم خليلا " ٢ قال : الحسن بن الفضل من قال : إن أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر لإنكاره نص القرآن وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا كافرا لا تحزن إن الله معنا معية غير متكفية قال : الشيخ الجل الشهيد مظهر فيوض الرحمان مرزاجان جانان رحمه الله تعالى رحمة واسعة كفى لأبي بكر فضلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثبت لأبي بكر معية الله سبحانه التي أثبتها لنفسه بلا تفاوت فمن أنكر فضل أبي بكر أنكر هذه الآية الكريمة وكفر ولم يكن حزن أبي بكر رضي الله عنه جبنا منه كما قالت الروافض لعنهم الله، بل إشفاقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن أقتل فانا رجل واحد وإن قتل، يعني النبي صلى الله عليه وسلم هلكت الأمة وسنذكر في أحاديث الغار ما يدل على أن حزن أبي بكر كان إشفاقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا لأجل نفسه.
قصة خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة
روى موسى بن عقبة وابن إسحاق واحمد والبخاري وابن حبان عن عائشة وابن إسحاق والطبراني عن أختها أسماء رضي الله عنهما قالت عائشة فيما روى البخاري : لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهار بكرة وعشية، فلما ابتلى المسلمون قال : النبي صلى الله عليه وسلم " رأيت دار هجرتكم ذات نخيل اللأبتين " وهي الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة على المدينة وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال : له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي : فقال : أبو بكر : وهل ترجوا ذلك بأبي أنت وأمي ؟ قال :" نعم " فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه و علف راحلتين كانتا عنده ورق السمر، وهو الخبط أربعة أشهر فبينا نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قالت : أسماء يا أبت هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقنعا رأسه في ساعة لم يكن يأتيها فيها قال : أبو بكر : فداه أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذن فأذن له فدخل فقال : النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر :" أخرج من عندك " فقال أبو بكر : لا عين عليك إنما هما ابنتاي، وفي لفظ إنما هم أهلك بأبي وأمي يا رسول الله فقال :" إنه قد أذن لي في الخروج " فقال : أبو بكر الصحبة يا رسول الله قال : نعم قالت عائشة : فرأيت أبا بكر يبكي وما كنت أحسب أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أباب بكر، فقال : أبو بكر : يا رسول الله فخذ بأبي أنت إحدى راحلتي هاتين فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بالثمن لا أركب بعيرا ليس لي " قال : هو لك ولكن بالثمن الذي ابتعتهما به، قال : أخذتها بكذا قال : أخذتها بذلك، قال : هي لك، وعند البخاري في غزوة الرجيع إنها الجدعاء، وأفاد الواقدي أن الثمن ثمان مائة، قالت عائشة فجهزوهما أحب الجهاز ووضعنا لهما سفرة في جراب، وأفاد الواقدي انه كان في السفرة شاة مطبوخة فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين، وفي رواية ذات النطاق، قال : محمد بن يوسف الصالحي المحفوظ في هذا الحديث أن أسماء نطاقها نصفين فشدت بأخدهما الزاد واقتصرت على الآخر، ومن ثم قيل لها : ذات النطاق وذات النطاقين فالتثنية والأفراد بهذين الاعتبارين، وعن ابن سعد أنها شقت نطاقها فأوكت بقطعة من الجراب وشدت في القرية بالباقي فسميت ذات النطاقين واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل وهو على دين كفار قريش وأسلم بعد ذلك وكان هاديا خريتا يعني ماهرا بالهداية فأمنا فدفعا إليه راحليتهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث براحلتيهما، وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم. . عليا بخروجه وأمره أن يتخلف بعده حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عند للناس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة احد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته قالت عائشة : ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في غار في جبل ثور في حديث عمر عند البيهقي أنهما خرجا ليلا، وذكر ابن إسحاق والواقدي أنهما خرجا من خوخة في ظهر بيت أبي بكر، وروى أبو نعيم عن عائشة بنت قدامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لقد خرجت من الخوخة متنكرا فكان أول من لقيني أبو جهل فأعمى الله عز وجل بصره عني وعن أبي بكر حتى مضينا، قالت أسماء وخرج أبو بكر بماله كله خمسة آلاف درهم، قال : البلادري كان مال أبي بكر يوم أسلم أربعين ألف درهم فخرج للمدينة للهجرة وما ماله إلا خمسة آلاف درهم أو أربعة فبعثه ابنه عبد الله فحملها على الغار قالت : فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال : والله إني لأراه قد ذهب بماله مع نفسه قالت قلت : كلا يا أبت إنه ترك لنا خيرا كثيرا قالت : فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة البيت كان أبي يضع ماله فيها ثم وضعت عليها ثوبا ثم أخذت بيده فقلت : ضع يا أب يدك على هذا المال قالت فوضع يده عليه فقال : لا بأس إن كان ترك لكم هذا فقد أحين وفي هذا بلاغ لكم ولا والله ما ترك لنا شيا ولكن أردت أن أسكن الشيخ
روى البيهقي أن أبا بكر لما خرج هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار جعل يمشي مرة أمام النبي صلى الله عليه وسلم ومرة خلقه ومرة عن يمينه ومرة عن شماله فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اذكر الرصد فأكون أمامك واذكر الطلب فأكون خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك، فلما انتهينا إلى فم الغار قال : أبو بكر : والذي بعثك بالحق نبيا لا تدخله قلبك ما أن كان فيه شيء نزل بي قبلك فدخله فجعل يلتمس بيده فكلما رأى حجرا قال : بثوبه فشقه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع فبقي حجر فوضع عقبه عليه، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت الحيات يلسعن أبا بكر وجعلت دموعه يتحدر، وروى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي بكر رضي الله عنه أنما لما انتهيا إلى الغار إذا حجر فألقمه أبو بكر رجليه فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان لدغة أو لسعة كان بي، وروى ابن مردويه عن جندب بن سفيان قال : لما انطلق أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار قال : أبو بكر : يا رسول الله لا تدخل الغار حتى استبرئه فدخل أبو بكر الغار فأصاب يده شيء فجعل يمسح الدم عن يده ويقول : هل أنت إلا أصبع رميت وفي سبيل الله ما لقيت " وفي حديث انس عند أبي نعيم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصبح قال لأبي بكر أين ثوبك فأخبر بالذي صنع فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وقال : اللهم اجعل أباب بكر معي في درجتي في الجنة فأوحى إليه قد استجاب الله لك "، وروى رزين عن عمر انه ذكر عنده أبو بكر فبكى وقال : وددت أن عملي كله مثل عمله يوما واحدا من أيامه وليلة واحدة من لياليه أما ليلته فليلة سار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار فلما انتهيا إليه قال : والله لا تدخله حتى ادخل قبلك فإن كان فيه شيء أصابني دونك فدخل فكسحه ووجد في جانبه ثقبا فشق إزاره وسدها به فبقي فيها اثنان فألقمها رجليه ثم قال : لرسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع رأسه في حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الحجر ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده ثم انتقض عليه وكان سبب موته، وأما يومه فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب وقالوا لا نؤدي زكاة فقال : لو منعوني عقالا لجهاتهم عليه فقلت : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم تالف الناس وأرفق بهم فقال : لي : أحبار في الجاهلية وخوار في الإسلام إنه قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي.
روى ابن سعد وأبو نعيم والبيهقي وابن عساكر عن أبي مصعب المكي قال : أدركت أنس بن مالك وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة فسمعتهم يتحدثون أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الغار انبت الله شجرة فنبت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا في فم الغار وأقبل فتيان من كل بطن بعصيهم وهراويهم وسيوفهم حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم على أربعين ذراعا جعل بعضهم ينظر في الغار فلم ير إلا حمامتين وحشيتين فعرف أنه ليس فيه فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قال : فعرف أن الله تعالى قد درأ عنه بهما فبارك عليهما النبي صلى الله عليه وسلم وفرض جزاء بهن وانحدرتا في الحرم فأفرخ ذلك الزوج كل شيء في الحرم وروى أحمد بسند حسن عن ابن عباس أن المشركين قصوا أثره رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعد والجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاث ليال، وروى الحافظ أحمد أبو بكر بن سعيد القاضي شيخ للنسائي في مسند الصديق عن الحسن البصري قال : جاءت قريش يطلب النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلي وأبو بكر يرتقب فقال : أبو بكر يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء قومك يطلبونك أما والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره فقال : له النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر لا تخف إن الله معنا وفي الصحيحين عن أبي بكر الصديق قال :" قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصر ما تحت قدمه فقال :" يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما " ٣ وروى أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن مسيرة قال : نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود حين كان طالوت يطلبه ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، وذكر البلاردي في تاريخه وأبو سعيد أن المشركين استأجروا رجلا يقال له : علقمة بن كرز بن هلال الخزاعي وأسلم عام الفتح فقفا لهم الأثر حتى انتهى إلى غار ثور وهو بأسفل مكة، فقال : هنا انقطع أثره ولا أدري أخذ يمينا أو شملا ثم صعد الجبل فلما انتهوا على فم الغار قال : أمية بن خلف ما أرى لكم في الغار أن عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد ثم جاء قبال، وروى البيهقي عن عروة أن المشركين لما فقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبوا في كل وجه
٢ أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه (٢٣٨٣).
٣ أخرجه البخاري في كتاب: فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب: مناقب المهاجرين وفضلهم (٣٦٥٣)، واخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة باب: من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه (٢٣٨١)..
التفسير المظهري
المظهري