هذه الآية يقول الله ( جل وعلا ) فيها للذين تكاسلوا عن غزوة تبوك وتثاقلوا وتباطؤوا أن يغزوا الروم مع النبي صلى الله عليه وسلم : إلا تنصروه ( إن ) هي الشرطية مدغمة في ( لا ) والضمير المنصوب في ( تنصروه ) عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني : إن تتقاعسوا وتتثقالوا عن نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فإن الله ناصره لا محالة، سواء تثاقلتم أم لم تتثاقلوا. وقد بين ( جل وعلا ) أنه نصره في حالة الضعف والقلة، في حالة كان هو وصاحبه داخلين في غار مختفيين عن المشركين، فلما نصره الله في حالة الضعف والقلة فكيف لا ينصره في حالة الكثرة والقوة ؟ وهذا معنى قوله : إلا تنصروه فالله ناصره على كل حال ؟، ثم بين نصره له السابق في حالة الضعف والقلة فقد نصره الله على أعدائه حيث أنجاه الله منهم، وخيب مكرهم وأبطله، ثم أظهره عليهم بعد ذلك. وهذا معنى قوله : فقد نصره الله .
إذ أخرجه الذين كفروا حين أخرجه الذين كفروا وهم كفار مكة، ومعنى إخراجهم له أنهم اضطروه وألجؤوه إلى أن يخرج ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في حياة عمه أبي طالب يدفع عنه مكر قريش، ويحميه منهم، ويقول له ١ :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا
فلما مات أبو طالب وجاء الأنصار وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقية خاف قريش من النبي صلى الله عليه وسلم، وعظم عليهم أمره، وهالهم شأنه، فقالوا : هذا الرجل صار له أتباع في القبائل الأخرى، فما نأمن أن يغزونا بأتباعه فيحتلنا. واعتزموا على أن يقتلوه، وقد قدمنا السبب الذي ألجأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة في سورة الأنفال، في الكلام على قوله تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير المكرين ( ٣٠ ) ٢ [ الأنفال : آية ٣٠ ]. وذلك أن قريشا لما هالهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وعظم عليهم شأنه، وخافوا أن تتبعه قبائل العرب فيغزوهم بهم حاولوا أن يقتلوه، فاجتمعوا في دار الندوة، واجتمع جميع سادات قبائل قريش في ذلك الاجتماع، وجاءهم إبليس – عليه لعائن الله – في صورة شيخ جليل جائيا من بلاد نجد، وقال لهم : قد علمت بما اعتزمتم عليه. وأراد أن يجلس معهم ليتبادل معهم الرأي، فأدخلوه معهم، فتشاوروا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قائل منهم، يقال هو أبو البختري : احبسوه ونتركه محبوسا حتى يموت. فقال ذلك الشيخ الذي هو إبليس في صورة ذلك الشيخ : ليس هذا لكم برأي ؛ لأنكم إن حبستموه جاء بنو عمه وأتباعه فانتزعوه منكم، وغلبوكم عليه. فقال آخر : نرى أن نخرجه من بلادنا وأرضنا ونصلح شأننا بعده إذا أخرجنا. فقال لهم إبليس اللعين في صورة ذلك الشيخ : ليس هذا والله برأي ؛ لأنكم إذا أخرجتموه فقد عرفتم حلاوة منطقه، وعذوبة لسانه، فقد يتبعه الناس فيغزوكم في دياركم فيغلبكم على أمركم. فقال أبو جهل لعنه الله : إن عندي لرأيا ما أراكم ذكرتموه، خذوا من كل قبيلة من قبائل قريش شابا حدثا قويا وأعطوه سيفا وأمروهم يضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في قبائل قريش، فلن يستطيع بنو عبد مناف أن يحاربوا جميع قريش، فيقبلوا منا عقله، فنعقله ونعطيهم ديته، ونستريح من شأنه. فقال لهم إبليس اللعين : هذا والله هو الرأي. فأجمعوا رأيهم على هذا وأنهم يقتلونه، واجتمعوا لتنفيذ ذلك عند باب الدار التي ينام فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر ( رضي الله عنه ) قبل ذلك هاجر إلى الحبشة فيمن هاجر، فلقيه عمرو بن الدغنة سيد بني القارة، وهم بنو الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس، فقال لأبي بكر : أنت لا تذهب، وأنت في ذمتي. فرجع به في ذكته، وأعطاه قريش ذمة ابن الغنة على أن لا يظهر قراءته ولا دينه، وأن يجعل دينه سرا في بيته، فلما طال ذلك على أبي بكر ( رضي الله عن ) صار يظهر صلاته وقراءته، فأرسلت قريش إلى عمرو بن الدغنة، الذي كان في ذمته أبو بكر ( رضي الله عنه )، فقالوا نحن لا نحب أن نخفر ذمتك، وإن صاحبك صار يفعل ما لم يحصل عليه الاتفاق، فكلم ابن الدغنة أبا بكر ( رضي الله عنه ) فقال : إما أن تفي بالشرط الذي توافقنا عليه، وإما أن ترد إلي ذمتي. فقال له أبو بكر ( رضي الله عنه ) : رددت إليك ذمتك، وأنا في ذمة الله تعالى. وكان أبو بكر لما أراد أن يهاجر أشار له النبي صلى الله عليه وسلم أنه يطمع أن يؤذن له في الهجرة، فقعد أبو بكر ( رضي الله عنه ) طمعا في أن يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيكون رفيقه، واشترى راحلتين، وكان يعلفهما الخبط، وهو ورق السمر، شجر معروف، علفهما إياه أشهرا عديدة، أربعة، أو ستة، أو غير ذلك. فلما اجتمعت قريش لقتل النبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بيت أبي بكر كل يوم إما أول النهار أو آخره، فبينما هم ذات يوم إذ قدم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر الظهيرة، فقال أبو بكر : هذا وقت ما جاءنا به رسول الله، والله ما جاء إلا لأمر حدث. ثم لما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : أقم من عندك. فقال : هم أهلك يا رسول الله، قم ابنتاي – يعني عائشة وأسماء ( رضي الله عنهما )- فأخبر النبي أبا بكر ( رضي الله عنه ) أن الله أذن له في الهجرة، فقال : الصحبة يا رسول الله. فقال : الصحبة. قالت أسماء ( رضي الله عنها ) : ما رأيت أحدا يبكي من الفرح قبل ذلك اليوم، فأبو بكر يبكي من الفرح. كذا قاله غير واحد من أهل الأخبار والسير، ثم إن قريشا اجتمعوا لتنفيذ الخطة وقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بالخروج، فنادى النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) وأمره أن يضطجع في مكانه، أن ينام في البرد الذي كان ينام فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن الله أخذ بأعينهم فمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم آيات من أول سورة يس حتى بلغ فأغشيناهم فهم لا يبصرون [ يس : آية ٩ ] ووضع على رأس كل واحد منهم التراب. ثم خرج هو وأبو بكر ( رضي الله عنه ). قال بعضهم : خرج من خوخة في قفى دار أبي بكر التي في بني جمح، وذهب هو وأبو بكر إلى الغار، وهو غار في جبل من جبال مكة يسمى ثورا، فدخل فيه هو والنبي صلى الله عليه وسلم، وجاءه ليلا، ومكثوا فيه ثلاث ليل بأيامهما حتى يرجع الطلب، وآجروا رجلا من بني دؤل بن كنانة يسمى عبد الله بن الأريقط على دين كفار قريش، يقال : إن له خؤولة في بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، فأمنه واستأجره على راحلتيهما وواعده بعد ثلاث ليل أن يأتيهم بالراحلتين في غار ثور، وكان كافرا أمينا، كتم سرهما وحفظ عليهما أمرهما، وجاءهما في الموعد وكان عبد الله بن أبي بكر ( رضي الله عنهما ) غلاما ثقفا شابا عاقلا، كان يأتيهم بأخبار قريش وكل ما قالوا وتحدثوا به في شأنهم في النهار يأتيهم به في الليل في الغار، وكانت أسماء ( رضي الله عنها ) تأتيهم بالطعام، وكان عامر بن فهيرة الطائي ( رضي الله عنه ) مولى أبي بكر الصديق كان عبدا مملوكا لأولاد أم رومان، وهي أم عائشة، كانت لها أولاد قبل أبي بكر، وكان عامر بن فهيرة هذا عبدا لهم، فاشتراه أبو بكر ( رضي الله عنه ) فأعتق، فكان مولى لأبي بكر، كان يريح على النبي وأبي بكر غنما لأبي بكر ( رضي الله عنه ) فيحلب لهم منها فيشربون بالليل، ثم إذا كان في آخر الليل صاح بها فأصبح مع رعاء قريش، ولا يدرون أنه كان معهم. فمكثوا فيها ثلاث ليال، فجاءهم عبد الله بن الأريقط الدؤلي – رفيقهم – وركبا، وكان خريتا ماهرا، سار بهم في طرق غير معهودة ؛ لأن الطرق المعهودة عليها الرصد والعيون، وكانت قريش أخذوا قائفا خبيرا بقص الأثر يقال هو سراقة بن مالك بن جعشم، ويقال هو غيره، فاقتص بهم الأثر حتى بلغ الغار، وقال : من هاهنا ضاع الأثر. ويقول أصحاب الأخبار والسير : إن الله قيض العنكبوت فنسجت على الغار ٣، وقيض حمامتين وحشيتين فباضتا على فم الغار، فلما جاء كفار مكة ووصلوا فم الغار ٤، قال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لرآنا. فقال له : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما بالك باثنين الله ثالثهما ؟ " ٥ فرجعوا خائبين. فلما كان بعد ثلاث ليال ورجع الطلب جاءهم عبد الله بن الأريقط براحلتيهما وركبا ومعهما عامر بن فهيرة. وكان عامر بن فهيرة رديف أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم على إحدى الناقتين اللتين اشتراهما أبو بكر لهذا الغرض، وهي ناقته العضباء المشهورة، ولما عرضها عليه أبو بكر ( رضي الله عنه ) أبى أن يقبلها إلا بالثمن ( صلوات الله وسلامه عليه )، فخرج بهما في طريق يسمى طريق الساحل، وجاء إلى طرق غير معهودة، وابن إسحاق ذكر المحال التي جاء منها ٦، تارة يصلون إلى الطريق المعهودة، وتارة يخرجون عنها حتى وصلوا المدينة. ومن أشهر ما حصل في طريقهم إلى المدينة قصة أم معبد، وقصة سراقة بن مالك بن جعشم. ومما نزل من القرآن في هذا السفر، نزلت فيه آيات من القرآن منها قوله تعالى : إن الذي فرض عليك القرءان لرادك إلى معاد [ القصص : آية ٨٥ ] قال بعض العلماء : نزلت في الجحفة في سفر الهجرة هذا، وفي هذا السفر مر على ديار بني مدلج، يقول بعضهم : هي قريب من قديد فقال رجل : رأيت أشخاصا كأنهم القوم الذين يطلبهم قريش. فعلم سراقة بن مالك أنهم هم، ولكنه طمع بأن يأخذهم أو يقتلهم فينال الجعائل التي جعلتها فريش. فقال : لا، أولئك قوم خرجوا للكلأ. ثم بعد هنيهة خرج وأمر جاريته أن تسرج فرسه من وراء أكمه، ثم خرج مختفيا فركب على فرسه، فلما قاربهما ساخت به قوائم فرسه في الأرض، في القصة المشهورة، فطلب الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ٧، قال بعض أهل السير والأخبار : إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب له رقعة، وصار يثبط الناس ويردهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع بذلك الخبيث أبو جهل، وارسل إلى بني مدلج يحذرهم من نصر سراقة لنبي الله صلى الله عليه وسلمن ويقول أبو جهل لعنه الله في ذلك أشعارا في غاية الكفر ويعيب على سراقة نصره للنبي الله صلى الله عليه وسلم، ومما يقول في ذلك ٨ :
بني مدلج إني أخاف سفيهكم سراقة مستغو لنصر محمد
عليكم به ألا يفرق شملكم فيصبح شتى بعد عز وسؤدد
فسمع بشعره سراقة بن مالك وأرسل إليه بأبياته المشهورة التي ذكرها غير واحد من المؤرخين وأصحاب السير وهو قوله ( وكان أبو جهل يكنى أبا الحكم ) ٩ :
أبا حكم والله لو كنت شاهدا لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمدا رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
عليك بكف القوم عنه فإنني أرى أمره يوما ستبدو معالمه
بأمر يود الناس فيه بأسرهم بأن جميع الناس طرا يسالمه
ومر في هذه الطريق بعاتكة بنت خالد الخزاعية المعروفة بأم معبد ( رضي الله عنه ) ؛ لأنها أسلمت وقد رويت قصتها عنها وعن أخيها حبيش بن خالد ويقال خنيس بن خالد وغيرهما ١٠ أنهم كانوا في شدة، وكانت أغناهم عازبة، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعامر في شدة، وكانت أغنامهم عاز
٢ مضى عند تفسير الآية (٣٠) من سورة الأنفال..
٣ مضى عند تفسير الآية (٣٠) من سورة الأنفال..
٤ أخرجه ابن سعد (١/ ١٥٤)، والبزار (كشف الأستار ٢/ ٢٩٩) ولا يصح في بيض الحمامتين شيء. وانظر: أحاديث الهجرة ص ١٣٨..
٥ أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب: مناقب المهاجرين وفضلهم، ومنهم أبو بكر رقم (٣٦٥٣) (٧/ ٨). وانظر الأحاديث رقم (٣٩٢٢، ٤٦٦٣).
وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر الصديق. رقم (٢٣٨١) (٤/ ١٨٥٤)..
٦ نقله عنه ابن هشام ص ٥١٤ – ٥١٦، وابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ١٨٩). وقد جاء ذلك في بعض الروايات عند الحاكم (٣/ ٨)، وابن سعد (١/١/ ١٥٧) وانظر مجمع الزوائد (٦/ ٥٥)..
٧ خبر سراقة وما قبله مما يتعلق بالهجرة من روايات كل ذلك تقدم تخريجه في مواضع سابقة. منها عند تفسير الآية (٣٠) من سورة الأنفال..
٨ البيتان في البداية والنهاية (٣/ ١٨٦)..
٩ الأبيات في دلائل النبوة للبيهقي، البداية والنهاية (٣/ ١٨٦) مع اختلافات يسيرة في الأبيات الثلاثة الأولى، أما البيت الأخير فنصه في البداية والنهاية:
بـــأمـــر تـــود الـــنــــصـــر فـــيــــه فــإنـــهـــم وإن جـــمـــيـــع الـــنـــاس طـــرا مـــســـالـــمـــه
وفي الدلائل:
بـــأمـــر يـــود الـــنـــصــــر فـــيـــ بــإلـــبـــهـــا لـــو أن جـــمـــيـــع الـــنــــاس طــــرا تــــســـالـــمـــه.
١٠ أخرجه البيهقي في الدلائل (١/ ٢٧٦)، (٢/ ٤٩١)، والحاكم (٣/ ٩)، وابن سعد (١/ ١/ ١٥٥)، وابن عساكر (انظر: تهذيب تاريخ دمشق ١/ ٣٢٦)، والآجري في الشريعو ص ٤٦٥.
وذكره الهيثمي في المجمع (٦/ ٥٥) من حديث جابر (رضي الله عنه) مختصرا، وعزاه للبزار، وقال: "وفيه من لم أعرفه" ا. هـ. وأورده من حديث حبيش بن خالد (رضي الله عنه) (٦/ ٥٥) وقال (٦/ ٥٨): "رواه الطبراني في إسناده جماعة لم أعرفهم" ا. هـ.
كما أورده من حديث قيس بن النعمان (٦/ ٥٨) وقال: "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح" ا. هـ..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير