ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

وكان في أيام الصيف، حين اشتد الحر وطابت الثمار والظلال، فكانوا يتثاقلون عن الخروج، فعاتبهم الله تعالى فقال: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ، يقول: آثرتم واخترتم عمل الدنيا على عمل الآخرة. فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، يعني: منفعة الدنيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، يعني: بجنب منفعة الآخرة إلا ساعة، ويقال: معناها ما يتمتع به في الدنيا قليل عند ما يتمتع به أولياء الله في الجنة.
ثم خوفهم فقال تعالى: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ الله، وأصله: إن لا تنفروا، فأدغم النون في اللام، ومعناه: إن لم تنفروا، يعني: إن لم تخرجوا إلى الغزو مع نبيكم يُعَذِّبكُمْ. عَذاباً أَلِيماً، يعني: يسلط عليكم عدوكم أو يهلككم، وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ خيراً منكم وأطوع لله تعالى. وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً، يقول: ولا تنقصوا عن ملكه شيئاً بجلوسكم عن الجهاد. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أن يستبدل بكم قوما غيركم.
[سورة التوبة (٩) : آية ٤٠]
إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)
قوله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ، يعني: إن لم تنصروه ولم تخرجوا معه إلى غزوة تبوك، فالله ينصره كما نصره، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: كفار مكة من مكة.
ثانِيَ اثْنَيْنِ، يعني: كان واحداً من اثنين، يعني: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر ولم يكن معهما غيرهما، فنصرهما الله تعالى. إِذْ هُما فِي الْغارِ وذلك حين أراد أهل مكة قتله، فهاجر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من مكة إلى المدينة فجاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى بيت أبي بكر فلم يجده، فجلس إلى أن جاء أبو بكر، فقبّل رأس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: ما لك، بأبي أنت وأمي. قال: «مَا أَرَى قُرَيْشاً إِلاَّ قَاتِلِيَّ».
فقال أبو بكر: دمي دون دمك، ونفسي دون نفسك، لا يصنع بك شيء، حتى يبدأ بي. فقال:
«اخْلُ بِي». قال أبو بكر: ليس بك عين، إنَّما هما ابنتاي أسماء وعائشة. قال: «قَدْ أُذِنَ لِي بِالخُرُوجِ» مِنْ مَكَّة. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن عندي بعيرين حبستهما للخروج، فخذ إحداهما واركبه. قال: «لاَ آخُذُهُ إِلاَّ بِالثَّمَنِ» فأخذه بالثمن، وهي ناقته القصواء. فأمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب بأن يبيت مكانه، وخرج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومعه أبو بكر، حتى أتيا ثورا، جبلا بأسفل مكة «١».
قال الفقيه: حدّثنا أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سهل القاضي قال:

(١) من حديث عائشة: «أخرجه البخاري (٢٢٩٧) و (٣٩٠٥) وأحمد: ٦/ ١٩٨.

صفحة رقم 58

حدثنا يحيى بن أبي طالب، عن عبد الرحمن بن إبراهيم الرازي قال: حدثنا الفرات، عن ميمون بن مهران، عن ضبّة بن محصن، عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه قال: «والله لليلة من أبي بكر خير من عمر وآله». قيل: وأيه ليلة هي؟ قال: «لما خرج رسول الله هارباً من أهل مكة ليلاً، فتبعه أبو بكر، فجعل أبو بكر يمشي مرّة أمامه ومرة خلفه، ومرةٌ عن يمينه، ومرةٌ عن يساره، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا هذا يَا أَبَا بَكْرٍ؟» قال: يا رسول الله، أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك وعن يسارك، لا آمن عليك». قال:
«فمشى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلته على أطراف أصابعه، حتى حفيت، فلما رآها أبو بكر أنها قد حفيت، حمله على عاتقه وجعل يشتد به، حتى أتى فم الغار فأنزله ثمّ قال: والذي بعثك بالحق نبياً، لا تدخله حتى أدخله أنا، فإن كان من شيء نزل بي قبلك. فدخل فلم ير شيئاً، فحمله وأدخله» «١».
وقال في رواية محمد بن إسحاق: «كان الغار معروفاً بالهوام، فجعل أبو بكر يسد الجحر، حتى بقي جحران، فوضع عقبيه عليهما حتى أصبح. وقال في رواية عمر: «وكان في الغار خرق فيه حيات، فخشي أبو بكر أن يخرج منه شيء يؤذي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فألقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه، وجعلت الدموع تنحدر على خده من شدة الألم الذي يجده ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ يعني: الطمأنينة لأبي بكر»، وهذه ليلته.
قال الفقيه: حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا عمرو بن عليّ قال: حدثنا عون بن عمرو القيسي، عن مصعب المكي قال: أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك، يذكرون النبي صلّى الله عليه وسلّم ليلة الغار، أمر الله تعالى شجرة فخرجت في وجه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فسترت وجه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وإن الله تعالى بعث العنكبوت، فنسجت ما بينهما، فسترت وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأمر الله تعالى حمامتين وحشيتين، فأقبلتا تزقان، حتى وقفتا بين العنكبوت وبين الشجرة، فأقبلت فتيان قريش من كل بطن، معهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم، حتى إذا كانوا من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على قدر مائتي ذراع قال الدليل سراقة بن مالك: انظروا في هذا الحجر، ثم قال: أين وضع رجله؟ قال الفتيان: أنت لم تخطئ منذ الليلة أثره، حتى إذا أصبحنا قال للفتيان: انظروا إلى فم الغار- فاستقدم القوم حتى إذا كانوا من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على قدر خمسين ذراعا نظروا فإذا حمامتان وحشيتان بغم الغار «٢» -، فرجعوا فقالوا:
رأينا حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفنا أنه ليس فيه أحد. فسمعهم النبي صلّى الله عليه وسلّم، فعرف أن الله درأ

(١) عزاه السيوطي: ٤/ ١٩٧ إلى البيهقي في الدلائل.
(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ».

صفحة رقم 59

بهما عنه، فشمّت لهما، يعني: بارك عليهما، وأحرزهما الله تعالى في الحرم، فأفرختا كما هما إلى الآن «١».
وفي خبر آخر زيادة: وقد كان أمر أبو بكر عامر بن فهيرة أن يريح إليه غنمه بثور، وكان يريح إليهما غنمه، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار أهل مكة، فكانا فيه ثلاث ليال، وكانا يريحان الغنم ويحلبان كل ليلة ما أرادا. فلما نفدوا من الالتماس وجاءهم عبد الله بن أبي بكر فأخبرهم بذلك، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر وعامر بن فهيرة، واستأجر رجلاً من بني الدّيل يهديهم الطريق، يقال له عبد الله بن أريقط، أخذ بهم أسفل مكة حتى خرجوا قريباً من جدة. ثم عارضوا الطريق قريباً من عسفان، ففطن سراقة بن مالك بن جعثم آثارهم، فلبس لأمته، وركب فرسه حتى أدرك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فدعا عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرسخت قوائم فرسه فقال: يا محمد ادع الله أن يطلق فرسي، فإني أرى الحي قد التمسوني، فأن أكون وراءك خير لك فأرد عنك من ورائي من الناس. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ صَادِقاً فَأَطْلِقْ فَرَسَهُ» فانطلق فرسه. فقال: يا محمد خذ سهماً من كنانتي، فمر به على إبلي، فإن أردت حمولة فخذ، وإن أردت لبونا فخذ.
فرجع سراقة فوجد الناس يلتمسون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال لهم: ارجعوا فقد استبرأت لكم ما هاهنا، وقد عرفتم من بصيرتي وقفوّي بالآثار. قال: فرجعوا عنه، فقدم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع أبي بكر المدينة، فذلك قوله: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ.
قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا وإنما كان أبو بكر يخاف على نفس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعلى ذهاب التوحيد والإسلام، لا على نفسه إِنَّ اللَّهَ مَعَنا في الدفع عنا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ، يعني: طمأنينته عَلَيْهِ. يعني: طمأنينته على أبي بكر. وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في رواية الكلبي فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ يعني:
«على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتى سكن واطمأن».
قال: حدثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدّثنا أحمد بن محمد الحاكم القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدّثنا الحسن بن عرفة قال: حدثنا أبو سوار، عن أبي العطوف، عن الزهري قال قال: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لحسان بن ثابت الأنصاري: «هَلْ قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئَاً؟» قال: نعم. قال: «فَقُلْ حَتَّى أَسْمَعَ»، فقال:

وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ المُنِيفِ وَقَد طَافَ الْعَدُوُّ بِهِ إذْ يَصْعَدُ الْجَبَلا
وَكَانَ حِبَّ رَسُول الله قَدْ عَلِمُوا مِنَ الْبَرِيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رجلا
(١) عزاه السيوطي ٤/ ٢٠٠ إلى ابن مردويه و ٤/ ٢٠١ إلى ابن سعد وابن مردويه.

صفحة رقم 60

بحر العلوم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية